أ. د. عادل الأسطة - الكاتب الشهيد سليم النفار (1--4)

- فوانيس المخيم

لم أكن أعرف إن الشاعر سليم النفار المنحدرة أصول عائلته من يافا يكتب الرواية . كنت أقرأ له بعض قصائد ينشرها هنا وهناك ، وحين ارتقى في الأشهر الأولى للحرب " طوفان الأقصى " مع أفراد عائلته وعائلة أخيه لم أرثه ؛ لأنني لم أعش مع نصوصه أولا ، ولأنني لم ألتق به شخصيا .
ماذا أكتب عن كاتب لم أقرأه جيدا ولم أتعرف إليه شخصيا سروى أنه أحد ضحايا الحرب . هكذا ذكرته في يومياتي منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وعندما كتبت عن أدباء شهداء كتبت عنه كتابة عابرة اعتمدت فيها على معلومات عامة .
سوف أقرأ له في اليومين الأخيرين روايته الأولى " فوانيس المخيم " الصادرة عن مكتبة كل شيء في حيفا في العام ٢٠١٨ والتي وفر لي منها نسخة الصديق الحيفاوي المحامي حسن عبادي Hassan Abbadi مشكورا .




تقع الرواية في ٢٠١٠ صفحة وتتكون من إضاءة وعشرين فانوسا وإهداء وكلمة تمهيد:
" هذه الرواية
هذه الرواية بعوالمها المختلفة ، تلامس حياة حقيقية لأبناء المخيم هناك .
ليس بالضرورة أن تكون الأسماء الواردة هي ذاتها في الواقع ، وإن تشابهت فهو تشابه عرضي ، غير أنها بواقعها وأحلامها ، هي ذات المناخ ذلك الذي كان هناك .
منذ مطلع سبعينيات القرن المنصرم حتى الثمانينيات أحاول رصد الواقع والأحلام التي كانت في صدور الناس ، وخيباتهم التي تعلو بفعل انحرافات الفعل السياسي .
إنها سيرة المكان بأهله ، الذين ما زالوا يقبضون على جمر الأحلام " .
هناك أي مخيم فلسطيني قرب اللاذقية في سوريا في سبعيننيات وثمانينيات القرن العشرين ، والكتابة / الزمن الكتابي / في وقت لاحق - أي وهو في غزة بعد عودته إليها ، وزمن النشر هو ٢٠١٨ كما لاحظنا ، وليس هناك دليل على زمن الكتابة وإن كان هناك إشارات داخل المتن الحكائي إلى زمن متأخر ؛ إشارات يمكن تلمسها .
أما الإهداء فهو :
" إليهم جميعا
اهلي في ذلك المخيم
الحالمون بعودة إلى وطن
لم تنطفيء شموعه بعد في ضلوعهم " .
وإن كنت عشت في مخيم فلسطيني في فترة السبعينيات والثمانينيات فستشعر أن الكتابة عن المخيم في الرواية لا تختلف كثيرا عنها في المخيمات الفلسطينية .
ولأن سليم النفار من أصول يافاوية ، فإنك إن كنت يافاويا فستقرأ عن أهل يافا في مخيمك الذي عشت فيه ، ولكي لا أبالغ أو أتجنى فإنني هنا أحيل إلى رواية الروائية وفاء أبو شميس Wafa Abushmais " من أجل عينيك الخضراوين " التي كتبتها عن مخيم بلاطة قرب نابلس ، ووفاء تنحدر أيضا من أصول يافاوية . كأن هناك صلة ما بين الروايتين ، ما يذكرنا بما تعنيه كلمة بنية " الصلة بين " .
ابحث عن صورة يافا وأهلها في الروايتين فلن تجدها مختلفة ، وابحث عن علاقة المخيم بالمدينة في الروايتين فلن تجد كبير فارق ، علما بأن المخيم الذي يكتب عنه سليم هو كما أشرت في سوريا والمخيم الذي تكتب عنه وفاء هو في نابلس ، وتاريخ صدور الروايتين متقارب جدا ، فقد صدرتا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتدور أحداثهما في النصف الثاني من القرن العشرين ( صدرت رواية وفاء في العام ٢٠١٦ قبل عامين من صدور رواية سليم )
في الإضاءة يكتب سليم :
هناك أو هنا ، فلن تختلف كثيرا تفاصيل الحكاية ، تلك التي حملها اللاجئون في سني الاغتراب .
مخيمان مختلفان في مواقع الجغرافيا : مخيم الشاطيء الصغير المكتظ باللاجئين على ساحل غزة ، والذي يقع غرب المدينة وعلى شاطئها تماما ، ومخيم العائدين أو الرمل الجنوبي أو حي القدس ، كلها أسماء لمخيم يقبع في قعر اللاذقية السورية ، من جهتها الشرقية ، حيث تلساحل الرملي الممتد إلى حدود النهر " الكبير الشمالي " ، هناك سكن اللاجئون من حيفا ويافا وعكا ، ومن قرى عين غزال واجزم وجبع والطيرة والطنطورة و .... " .
أعتقد أن علينا أن نقرأ سليم النفار روائيا لنعرف شخصيته من خلال روايته وهذا ما قد أفعله لاحقا . طبعا علينا ألا ننسى كتابات عاطف ابوسيف وأحمد عمر شاهين وسمير إسحق عن يافا ، وكنت كتبت عن حضور يافا في بعض الروايات الفلسطينية مقالين نشرتهما في جريدة الأيام الفلسطينية.
خربشات عادل الاسطة

٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥

***

- الشاعر الشهيد سليم النفار واللاذقية :

لم أقرأ النتاج الأدبي الروائي الفلسطيني الذي كتبه الفلسطينيون المقيمون في سورية ، لم أقرأه كله . قرأت للروائي حسن حميد ثلاث روايات هي " جسر بنات يعقوب " و " نهر بقمصان الشتاء " و " مدينة الله " وفي الروايات المذكورة لم أقرأ عن الفلسطينيين في سورية وعلاقتهم بالسوريين ، ولم أقرأ أي عمل للروائي عدنان كنفاني الذي عاش في سورية ومات فيها ، ومع ان رشاد ابوشاور ويحيى يخلف عاشا فترة من الوقت في الشام إلا أنهما لم يقاربا حياة الفلسطينيين هناك . هل الذاكرة خداعة ؟ ( لفت الكاتب وليد أبو بكر انتباهي إلى الكاتب عدنان عمامة ورواياته الثلاثة " الخزعندار " و " الحومة " و " الولد سلمان " وقال إنه كتب في الموضوع ، وللأسف لم أقرأ رواياته).
أدهشتني روايتا سليم النفار " فوانيس المخيم " و " ليالي اللاذقية " اللتين قرأتهما في الأيام الأربعة الأخيرة وتساءلت :
- لم لم ألتق بسليم الذي ينحدر مثلي من مدينة يافا ؟
لو كنت التقيت به لربما استخرجت له صورة من روايتيه ، علما بأنني وأنا أقرأ الروايتين كنت أقرأ روح يافاوي تماما ، وحين كنت أقرأ عن وسامة اليافاويين واناقتهم وروحهم وعاداتهم وتقاليدهم كنت أقرأ عن عالم أعرفه ؛ عن عالم أهل يافا في مخيم عسكر القديم . نسوة يافا . انفتاحهن . عادة الاستقبال . المرح . حب الغناء ، ولطالما كرر أبي " الراس اللي ما فيه كيف حلال قطعه بالسيف " .
حقا ادهشتني روايتا سليم النفار وادهشتني كتابته عن الواقع في سورية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين ، و " ليالي اللاذقية " تنتهي مع العام ١٩٨٨ .
عندما صدرت الرواية كان كاتبها يقيم في غزة ، وقد صدرت الرواية في العام ٢٠٢٢ . هل كان سليم ذا ذاكرة حديدية وقادة حين استرجع عوالم اللاذقية ومخيم الرمل الفلسطيني القريب منها ؟
كتب سليم عن عالمه الذي عاشه . استحضر شبابه وحياته في سورية واستحضر أهله ومعارفه وأصدقاءه . استحضر المكان والمقاهي والمطاعم والحدائق والشوارع والشاطيء واسترجع مدينته يافا من خلال ذاكرة أهلها الذين هجروا منها ، واسترجع الحياة تحت نظام حكم البعث . علاقة النظام بالاخوان المسلمين وبرابطة العمل الشيوعي / حزب العمل الشيوعي وذكرنا بخالد بكداش وبوظة بكداش في سوق الحميدية . ذم ومدح وهو يتلاعب على الدال " بكداش " .
والحقيقة أنني سررت بقراءة الروايتين وبقراءة شيء لسليم الذي لم أقرأ له سوى بضع قصائد . هل ينبغي أن يستسهد الكاتب لكي نقرأه ؟
لعلني أكتب عن سليم النفار روائيا ! أو لعل طالب دراسات عليا يلتفت إلى روايتيه ، فهما تستحقان.
خربشات ٣١ / ٧ / ٢٠٢٥

***

- سليم النفار في كتابه النثري " غزة 2014 : تأملات ويوميات شاعر في حال المدينة الرهينة " الصادر في العام 2017 عن مكتبة كل شيء في حيفا :

يقع الكتاب في 85 صفحة من الحجم المتوسط ويحتوي على مقطوعات نثرية عديدة بلغ عددها أربع عشرة مقطوعة ، وهي بالفعل تأملات شاعر يكتبها بلغة شعرية عن مدينة غزة في العام 2014 ويبث فيها همومه ومشاعره ويقدم رؤاه أيضا وربما توحي عناوينها بمحتواها ، والعناوين هي : هل يزهر الملح / ريثما نعود / أريد بيتي الصغير / حصيدة خاسرة / هي الأرض ... / نداء ... / لا تقلقوا علينا / تأملات في واقع الحال صباحات مختلفة / كهرباء / دين / فصائل / تأملات ما بعد الكارثة / حنين / ليست تماما صورتي .
الاهداء كان " إليهم / هم وحدهم من يسكنون فوق الأرض وتحتها / إلى أبناء شعبي في غزة الشهداء والشهداء الأحياء / فهم أسطورة الصمود ، فولاذ الإرادة ، وعشق الحياة "
ولا أعرف ماذا كان سليم سيكتب لو امتد به العمر ولم يرتق وأسرته وأسرة أخيه كلهم معا تحت انقاض البناية ويمحون من السجلات المدنية .



هل يزهر الملح في هذه الأرض ؟
يتساءل سليم عن بلاد مثل عجوز تمشي بقانون الصدفة ، وبه فقط ما تزال تحيا ... فهل حياة مثل هذه حياة ؟
" هنا بجوار الموجة الحزينة لا تجد صيادا يمارس هوايته في مداعبة الأسماك ، بل تجد طفلا يبحث في مخلفات الموج ، كي يشتري بها فرحة اقتناء حبة شوكلاتة ، أو كيسا من الشيبس أو ... أو ... وربما تجد بعض الضجرين العاطلين عن الحياة يزرفون يومهم فوق رمل لا يزهر الملح فيه ... فإلى متى ؟؟"
إلى متى ؟
وكان طوفان الأقصى وكان ما كان وصار أهل غزة يحنون إلى تلك الأيام ؛ أهل غزة التي لا تمتلك نفطا ولا حتى أرضا " نزرع فيها ما يكفينا لأكل الخضار " غزة التي لا يمتلكون فيها حرية النوم والصحو ولا حرية التمتع بزرقة السماء أو البحر ، ولكنهم يمتلكون أن يكونوا براميل بارود في وجه ذواتهم أولا ، ويمتلكون قدرة غرائبية في تشويه ذواتهم أيضا وتدميرها كلما اقتضت ضرورة الحسبة عند أي باشا من باشاواتهم ، فهل يزهر الملح ؟
ثمة تحذير مبطن مما قد تصل إليه الأوضاع التي تلم بأهل غزة الآن ، ويبدو أن سليم لم يقو على الإفصاح أكثر .
ويكتب سليم في " ريثما نعود " عن هجرة أهله من يافا في العام ١٩٤٨ وتناسل هذه الهجرة . لقد ولد هو في غزة وهاجر منها قبل أن يعود إليها في ١٩٩٣ " فكم من مرحلة نحتاج كي نبلغ سن الرشد ، وكم من جلجلة ترانا نصعد ريثما نعود ؟؟ "
وارتقى سليم وعائلته ولم يعودوا ، وكان أبوه ارتقى شهيدا في العام ١٩٧٣ ، حيث قاتل في صفوف الثورة في ١٩٧٠ و ١٩٧٣ ، عندما كان سليم فتى يانعا . لقد كبر وكبر الأولاد في المنافي التي ضاقت بها الأمكنة ، وهو لا يريد سوى بيته الصغير " بيت صغير ... لم أره ، لم يراني ، لكن جدتي التي طرزته لي ذات مساء قالت : إنه يحفظني عن ظهر قلب ، كما التلاميذ تتلو النشيد " .
" هذا سؤال أقذفه بوجه الكون ، وأضيف ثلاثا من حلفاني : بالله وبيتي ودمي الغالي "
" يا الله تعبنا ... يا الله ارحمنا .. يا الله : لا تدخلنا تجربة أخرى "
وكم تجربة عاشها أهل غزة بعد العام 2014 ؟
هل نجا سليم النفار حين ارتقى في بداية هذه التجربة الأقسى ؟
" من ارتقى فقد نجا " صار أهل غزة منذ طوفان الأقصى يرددون .
و ... و ... .
خربشات ٤ / ٨ / ٢٠٢٥

***

4- أهي الصدفة أم القدر ؟ : أنا والشاعر سليم النفار

في العام ١٩٤٨ هاجر قسم من أهل مدينة يافا إلى قطاع غزة وقسم آخر إلى مدينة نابلس ، وأرجح أن من كان من سكان المدينة بحارا أبحر نحو مدن بحرية ومن كان عاملا أو سائقا أو يملك سيارة هاجر إلى مدن الضفة الغربية وبخاصة طولكرم ونابلس .
الشاعر سليم النفار أهله من يافا وأنا كذلك . وفي روايته " ليالي اللاذقية " كتب عن الافلوكة التي أقلت عائلة يافاوية ، ولطالما كتبت أنا عن أبي السائق الذي قاد سيارته إلى نابلس . هكذا ولد الشاعر في مخيم الشاطيء ، وهكذا ولدت أنا في مخيم عسكر .
في المقتلة وحرب الإبادة هذه ثار جدل بين كتاب قطاع غزة وقسم من كتاب الضفة الغربية ، وربما كنت أول من كتب عن " الكتابة عن بعد "أو الكتابة في أثناء الجلوس على كنبة و" الكتابة عن قرب " أو من داخل المقلاة في أثناء الإقامة في خيمة والمعاناة من الجوع .
هذا الجدل غالبا ما يتجدد بين فينة وأخرى ، وغالبا ما أقرأه بتفهم وبسعة صدر حتى لو لم يخل من اتهامات وشتائم .
أمس وأول أمس وأول أول أمس ، وربما من أسبوع ، تجددت الكتابة وشارك فيها كتاب عديدون [ الشاعر سميح محسن والكاتبة غانية ملحيس Ghania Malhees والشاعر شجاع الصفدي وأنا ] .
هناك كتاب كثر من الخارج ومن داخل فلسطين صمتوا لأسباب عديدة كتبت عنها .
وأنا أفكر في أمري وكتابتي وما تجره علي تذكرت قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " التي لم استحضرها في يومياتي عن الحرب إلا نادرا .
أحيانا أرى في المقاطع الآتية من القصيدة إجابة ترضيني :
" كان يمكن أن لا أكون
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة "
" كان مصادفة أن أكون
أنا الحي في حادث الباص
حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية
لأني نسيت الوجود وأحواله
عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب "
" لا دور لي في حياتي
سوى أنني ،
عندما علمتني تراتيلها ؟
قلت : هل من مزيد ؟
وأوقدت قنديلها
ثم حاولت تعديلها "
" كان يمكن أن لا يحالفني الوحي
والوحي حظ الوحيدين
إن القصيدة رمية نرد
على رقعة من ظلام
تشع ، وقد لا تشع
فيهوي الكلام
كريش على الرمل " .
لو كان أبي قبل العام ١٩٤٨ بحارا ، لكنت الآن في مخيم الشاطيء ، ولو كان والد سليم النفار سائقا لكان سليم الآن في مخيم عسكر ، لو ... لكنت أنا من ارتقى وكان هو الآن يكتب هذه اليوميات .
ليس لنا إلا أن نغير المنكر بلساننا ، وذلك أضعف الإيمان .
نتمنى أن تنتهي المقتلة وألا تكون الضفة الغربية مسرحها القادم ، ولكن :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
أنا مثلكم
أو أقل قليلا " .
رحم الله الشهيد صلاح خلف ( أبو إياد ) لم يرتق في يافا ، علما بأنه كان من النجادة ، وارتقى في تونس ، ورحم الله أيضا شفيق الحوت ، فقد كان أيضا من يافا ومات في بيروت .
خربشات ١٠ / ٩ / ٢٠٢٥

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...