العربي عبدالوهاب - العامية تصنع تاريخها الخاص: قراءة فى ديوان الشاعر صلاح يوسف

كان شعر العامية شوكة فى جنب المستعمر والظالم والمستبد، وبالرغم مما وصلت إليه القصيدة العامية من تطورات، عبر أزمنة بعيدة، بدأت بالمواليا، والرجز، وصولا للمربعات، وفن الواو، والزجل، كل هذه الأشكال ظلت حاملة لجمالياتها الخاصة، حتى أن الشاعر الشعبي الذى مارس الفنون القولية، وتغنى بالسير والملاحم الشعبية، كالسيرة الهلالية، وغيرها، كان مدركا لجماليات كل نوع .​

حتى بدا فى الأفق شعر التفعلية، حيث أمسك غالبية الشعراء بلجامه، وقاموا بتطويعه مستفيدين من المساحات الشاسعة التى تمنحها القصيدة لهم، بعد ذلك فريق منهم أتخم القصيدة بالصورة الشعرية على نهج القصيدة السبعينية فى شعر الفصحى، ولكن سرعان ما راجع شعراء العامية أنفسهم، فتخلوا عن الغموض فى قصائدهم فى تسعينات القرن الماضي متوجهين لقرائهم، ومستمعيهم، جاعلين من القصيدة صوت الغالبية، كما كانت ـ من قبل ـ صوت الشعب، وسوطا يلهب ظهر المستعمر كما يقول ابن عروس(لابد من يوم معلوم .... تترد فيه المظالم

أبيض على كل مظلوم .. إسود على كل ظالم )

عادت القصيدة العامية إلى جذورها، فأفادت من موروثها وجمالياتها السابقة، وقامت بتوظيفها داخل تلافيف القصيدة، حتى بدت محتشدة، ومكتنزة، وقادرة على حمل الرسالة، وفى نفس الآن لم تتخل عن بساطتها المدهشة كما رأينا عند صلاح جاهين (القمح مش لون الدهب ..القمح لون الفلاحين) وبيرم عندما قال ( عطشان يا صبايا ..عطشان يا مصريين .. عطشان والنيل فى بلادكم متعكر مليان طين) وصولا لفؤاد حداد، وما فعله للقصيدة العامية، حتى أنه وظفها فى كل أغراض الحياة بدءا المسحراتى، والغناء للأطفال، حتى البكاء بين قضبان السجن، فى موال البرج.

تماما كما يأخذنا الآن الشاعر صلاح يوسف ولأول مرة عندما يطرح ملحمته الشعرية التاريخية (على الفيشاوي..حكاوي ومصرنا أسرار) وكما وظفت القصيدة العامية ـ من قبل ـ التاريخ، واستوحت منه أحداثا، واستقت منه الحكمة، وعرجت على صور البطولة ومجدتها كما فى صلاح الدين الأيوبي، أول مرة هنا يصبح (تاريخ مصر) مضمونا لديوان بالكامل، ومحتوى كليا له.

كيف تم ذلك؟ وهل إنجاز الشاعر للتاريخى، جاء على حساب ما هو شعري؟

يقول فى الاهداء . (ترددت كثيرا عند كتابة هذا الديوان. ولأنى مقتنع بأن الإبداع رسالة. فكان لابد وان يكون لكل أديب رسالة.

ويردف هذه الأسطر السردية برباعية شعرية.

بيحدفوا طوب فى نخيلك

ينزل رطب صافي وشافي

فرسان كتير جاهزة لخيلك

يا مصر بكرة هتتعافي

ذلك الاهداء يحمل فى أعماقه رؤية دالة على ماهية الشعر ودوره فى حياة الشعوب، ثم إضافة الرباعية للإهداء، منحت القارئ أملا فى ركوب الخيل ومواجهة كل من يستهدفون نخيل الوطن وقت الضعف والوهن.

العناوين :

عندما نتوقف متأملين العنواين التى تمحورت حولها قصائد تلك الملحمة الشعرية نلاحظ الآتي: (عمرو بن العاص، بعد الصحابة، الفاطميين، صلاح الدين، المماليك، محمد على، الاحتلال الفرنسي والانجليزي، جمال عبدالناصر، عصر النصر، السلام، الثورة، عشق الصبايا) ونلاحظ أن الفترات التاريخية تنوعت بين حمل إسم علم/ بطل هذا فى أزمنة الزهو والانتصار؛ وتارة أخرى تحمل مسمى عام مثل (بعد الصحابة، الفاطميين، الاحتلال الفرنسى والانجليزى) وتلك هى المراحل الطويلة المظلمة.

يبدأ الشاعر ـ قبل الفتح الاسلامي لمصر على يد عمرو ابن العاص ـ من مناطق معتمة فى تاريخ الوطن، وإستبداد الرومان، وعسفه بالشعب المصري، وبالأقباط من أهل مصر، حتى إستجاروا من الرومان الظالمين، بالمسلمين العادلين.

وبالإله أقسموا ليطهروا توبك

بالشبر والسنتى

سنى سنانك ودوسى على أى بيزانطى

يا حبيبتى بتزغرطي

وكنتى بتعيطى من قهر محتلك

ومن حرام النفوس خلك وحلل لك

وبان حلالك من حرامك ومين ضمك ومين ضلك

لاشك هنا أن الصور الشعرية المتواترة، تحتوى المقطع، ونستبين حجم المحنة والظلم، حتى تكف مصر عن البكاء حين يتضح (وبان حلالك من حرامك ومين ضمك ومين ضلك)

وبانكشاف الغمة وحلول العدل مع ابن العاص، تنتقل الولاية عبر مئات السنين لمن كانوا همهم الأول المقعد والسطوة والحكم، يحل مرة أخرى ظلم جديد، فى مرحلة بعد الصحابة، حتى مجئ الفاطميين، ولا يتراح الشعب طويلا، بعدما آمن لأهل البيت، ورائحة نسل فاطمة الزهراء، والأزهر، والحسين، والأوليا:

روح الحسين بتهف

تلبي لى طلبى

فيه اتصال م الروح على الحسين نادي

طلع صباح فتاح

ورد الخدود نادي

نادى الخليفة المعز

أنا جى لك يا حسين

وبرغم أن الأداء الشعري تخفف من الصورة هنا، إلا أنه استحضر حالات حلول الحسين، والنداءات الشعبية والتبرك، وما تلبية نداء الخليفة المعز للحسين، إلا تلبية لأهل مصر من تجبر وظلم الولاة من قبلهم، لكن سرعان ما تمر العهود الزاهية، ويستعيد الظلم بأسه وقوته، وتدخل مصر فى أزمنة من الظلام والتأخر والجهل، فتسقط فلسطين والشعوب العربية، تحت نيران الحروب الصليبية التى ينبرى لها البطل صلاح الدين، فيستعيد النصر والكرامة، وهكذا يرصد الشاعر، تحولات الحقب التاريخية، بقصائد معبرة، وبأداء شعري يتراوح بين الأسطر الشعرية البسيطة التى استفادت من السرد، فجعلت حاضرا بروحه، ولكنه موزونا، يطول السطر الشعرى، حتى يحمل بين جنباته أحداثا، وأخبارا، وتحولات زمنية، فنشعر بدراميته وصخبه

بصي بقى ودققى بعد النظر مطلوب

اسكندرية اتكيفت من حنكة المحبوب

فك الحصار عنها

لسوع لهم ع القفا

ضرغام وأموري

دا صلاح الدين فى قلبه الدفا وللبلاد بيجوب

فسطاط بتحضن فى اللى عدا واللى مر

ويهدأ الايقاع، وتقصر تفعيلاته حتى يصير عزفا رائقا، ثم يواصل صولاته

آدي شفايفك وأنا

رسمت هنا خطين

واحد بيرسم وطن شادد عليه قراقوش

وصلاح يشد الرحال

طاير على حطين

بين الشعر و السرد والتاريخ.

نتوقف أمام ملامح فنية إتكأ عليها الشاعر فى إنجاز ملحمته الشعرية النادرة.

إعتمد الشاعر على حيلة فنية مستوحاة من الموروث الشعبى؛ فى السير الشعبية، وواضحة بجلاء فى (ألف ليلة وليلة) حيث تتولى شهرزاد/ دورالراوية لليالي.. هنا جعل الشاعر من نفسه راويا، وحال جلوسه على قهوة الفيشاوى فى ذلك المكان الذى يطل على مقام سيدنا الحسين، وبالقرب من آثار مصر المملوكية، أخذ يستنشق عطر التاريخ، وتتواتر قصائد الديوان، لا يقطع تدفقها، إلا بحيل فنية، بارعة، مثل تبادل أطراف الحوار مع الجرسون، وطلب قهوة جديدة، أو مشروبا آخر .. هذه التوقفات المتعمدة من الشاعر، تقدم مزاوجات فنية وشعرية، من شأنها ربط العالم الشعري الملحمى، التاريخى بالزمن الحضر/ المعاصر، زمن الشاعر، وسياحته برفقة حبيبته مصر . منشدا تاريخ مصر شعرا فى قصائد، تتسم بالروح الملحمية، تستعين بالشعر لطوى بين سطوره روحا مصرية متوثبة نحو المعرفة، روحا راوية لكل القصائد، ما عدا قصيدة واحدة وهى الثانية المعنونة بـ (بعد الصحابة) و التى ترك فيها الحبيبة / مصر لتروى هى لنا تلك الفترة .

أنا عمرى ما أضعف واستكين ولا هانحني

أنا مصر فخر لكل عصر بدون حدود

بشهامة أرفع راسي بأولادي الجنود

يكفيني ....... الله الغنى

ذلك المقطع تحديدا يتكرر فى الديوان، وبه يستنهض الشاعر روح الفداء والوطنية، والقوة من خير أجناد الأرض، أبناء مصر الأبطال، نستشعر الاحساس (بالفخر، والعزة) وبرفض الضعف والاستكانة، لأنها مصر الحبيبة، رفيقة الشاعر، والوجه اللآخر للعملة، المروي عنها، والراوية ولو لمرة واحدة، الصامدة على مر العصور، لقد طوف بنا الشاعر فى أزمنة بعيدة، وتنقل بخفة وشاعرية بين سحب غائمة، بين مكائد ودسائس، ولم يكن فجا، بل كان لماحا، يمتلك حكمة المصرى القديم، وخفة ظله، وقدراته العظيمة على الاحتمال، ويؤكد الشاعر أنه مهما تبدلت الأزمنة والتواريخ، سوف تظل مصر باقية، منتصرة، يرفرف علمها خفاقا على مر العصور.

ــــــــــــــــــــــــ

صلاح يوسف ـ ديوان على الفيشاوي حكاوي ومصرنا أسرار ـ دار الاسلام ـ 2017

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...