أ. د. عادل الأسطة - سميح القاسم -ملف- (7--)

7- سميح القاسم والتعاويذ المضادة للطائرات : الطفل أبو الرجل؟

في ١٩ من آب ٢٠١٤ توفي سميح القاسم ، ومع مرور ٨ سنوات فإن أشعاره ما زالت موضع دراسة . آخر ما صدر عنها كان كتاب د نبيل طنوس " سميح القاسم : شاعر الغضب النبوئي ، دراسات وقصائد مختارة "( دار الرعاة ، ٢٠٢٢ ) . وفي الأعوام الأخيرة صدر للمؤلف نفسه كتابان آخران عن درويش " اقتفاء أثر الفراشة : دراسات في شعر محمود درويش "( مؤسسة محمود درويش ، ٢٠١٩) وراشد حسين " ويسكنه المكان : دراسات وقصائد مختارة " (دار الرعاة ٢٠٢١ ) .
كتاب د. طنوس عن سميح يقع في ١٩٨ صفحة نصفها الثاني قصائد مختارة لها صلة بالدراسات وقد جاءت أمثلة على اجتهادات الدارس وآرائه التي توصل إليها ، وضم نصفها الأول أربع دراسات عناوينها " ثلاثية الانتماء في شعر سميح القاسم " و" سيرورة الانتماء في شعره بعد النكسة " و " الألم والأمل وما بينهما في قصيدة " تعالي لنرسم معا قوس قزح " و " الأساليب الفنية في قصيدة الانتفاضة " تقدموا " " .
لم يحدد الدارس في مقدمة الكتاب المنهج الذي سار عليه ولم يكتب عن اختلاف دراساته عن دراسات السابقين ، والجديد الذي أتى به ، ويبدو أنه ترك هذا لقراء أشعار الشاعر ودارسيه ممن يتابعون الدراسات وممن سيقراون ما كتب . ويخيل إلي أن الدارس أفاد من بعض مصطلحات المنهج البنيوي الشكلاني " الثنائيات / الثنائيات الضدية " ومن الجانب الإحصائي فيه " التكرار ونسبته وعدد القصائد التي تنتمي إلى دائرة " وبعض دراسات في علم النفس ، كما أفاد من البلاغة العربية القديمة " الجناس التام والناقص" .
وأنا أقرأ الكتاب عدت أقرأ بعض قصائد سميح من جديد وبخاصة قصيدتا " خطاب من سوق البطالة " و" التعاويذ المضادة للطائرات " ؛ الأولى لأن البطالة بين أبناء الشعب الفلسطيني في ازدياد ، ولأن الجدل حول المقاومة وجدواها وتضييق الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين المقاومين وغير المقاومين ، من أجل الاستسلام ورفع الرايات البيض والإقرار بالهزيمة ، ما زال محتدما ، وأن هناك أصواتا ما زالت تقول " " سأقاوم " ، وهي الكلمة التي كررها الشاعر في قصيدته ، والثانية ، وهي الأهم لي هنا تتعلق بطفولة سميح وتأثيرها على مواقفه في العقود الثلاثة الأخيرة وبروزها في أشعاره وسيرته الذاتية " إنها مجرد منفضة " .
في " التعاويذ المضادة للطائرات " يأتي أنا المتكلم " سميح " على ما حل بالفلسطينيين في العام ١٩٤٨ والهزيمة التي لحقت بجيش الإنقاذ وخيانات القيادة وعار الرجال وما علموه إياه في حينه:
" كنت طفلا ، آنذاك ..
علموني أن مجرى الأرض في كف السماء
علموني أنه ، سبحانه ، يحيي ويفني ما يشاء
علموني أن أطيع الأولياء
....
علموني الدجل والرقص على الحبل
وإذلال النساء
علموني السحر والإيمان والأشباح "
وعلموه أيضا الخوف إذا جاء المساء وأن فرس الخضر كفيل به وحسبه الفقهاء .
عندما صار أنا المتكلم شابا رأى في تعاليم القبيلة إرثا أورثه الهزيمة والذل فقذف به للشيطان ، فخاطب والديه بالآتي :
" يا أبي المهزوم .. يا أمي الذليلة
أنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية "
ولم يكتف بالرفض فلقد أراد اجتثاثها من جذرها فبصق أحقاده وعاره " في وجوه الأولياء الصالحين " وركل قاذورات ذله وانكساره للتكايا والدروايش وأقزام الكراسي النابحين !
هل ظل الشاعر بعد ثلاثين عاما على ما توصل إليه؟
في كتابه " سميح القاسم : مبدع لا يستأذن أحدا "(٢٠١٣) يتوقف نبيه القاسم أمام ظاهرة استلهام سميح للتراث الفاطمي بسبب اكتشافه حقائق كان يجهلها " وهي أنه يعود بانتمائه المذهبي إلى طوائف دينية ، كان لها الباع الطويل في دفع الفكر العربي والفلسفة اليونانية والهندية والفارسية." وأن سميح " يعود بانتمائه إلى أحد دعاة القرامطة الثوريين " ( صفحة ١١٢) ، ما يعني أنه اكتشف من منظور تقدمي ماركسي أن تعاليم القبيلة ليست كما رآها يوم نظم قصيدته ، وأن ما تبرأ منه عاد إليه ونظر إليه نظرة جديدة مغايرة .
في العام ١٩٩٦ كتب سميح قصائد عنوانها " الإدراك " نشرها في مجلة " إضاءات " وأعاد نشرها في العام ٢٠٠٠ في كتاب عنوانه " الإدراك " ( دار الأسوار / عكا ) والقصائد تقول لنا إن ما تعلمه في طفولته من تعاليم القبيلة ومن كلام الأولياء الصالحين ظل منقوشا في ذاكرته ، ولا أعرف إن كان نظر أيضا إلى السحر والتعاويذ والأحاجي والألغاز كما نظر إلى الفاطميين والقرامطة الذين ثمن اليساريون ثوراتهم ( بندلي جوزي ، من تاريخ الحركات الفكرية الثورية في الإسلام ، مثالا).
في سيرته " إنها مجرد منفضة "(٢٠١١ ) يتصالح في شخص سميح الديني والقومي والعلماني ويذكر أنه منذ مرحلة الطفولة لم يكن محايدا ، فلا حيدة في جهنم . والمهم هنا تركيزه على مرحلة الطفولة ، المرحلة التي تلقى فيها تعاليم القبيلة التي رفضها شابا ، إذ سيعود كهلا إلى ما تعلمه في الطفولة وما اقتنع به شابا ناضجا بانتمائه إلى الحزب الشيوعي بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ليعترف لنا بما دار في خلده - " ولا تثريب عليك " والعبارة له يخاطب نفسه - " أنه ليس من الاعتباطية إمكانية المؤاخاة ، وفي صيغة عليا ، بين جوهر الماركسية وخلاصة الدين ... "( ١٨٣ ).
هل كان هذا هو موقف سميح يوم انتمى للحزب بعد هزيمة حزيران وكتب على إثرها " التعاويذ المضادة للطائرات "؟ .
أعتقد أن إعادة قراءة تجربة الشاعر في ضوء سيرته وفق منهج ( ادموند ولسون ) النفسي سيكون أمرا مجديا ، ولطالما حثثت بعض طلابي على إنجاز ذلك ، وأتمنى من الدكتور نبيل طنوس أن يحقق ذلك .
رأى الشاعر الإنجليزي ( وردزوورث ) أن الطفل أبو الرجل ، وآمن جبرا إبراهيم جبرا بمقولته فكتب " البئر الأولى " في ١٩٨٦ .
الاثنين إلى الحمعة
٨ إلى ١٢ آب ٢٠٢٢ .


( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ١٤ آب ٢٠٢٢ )
عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...