العربي عبدالوهاب - قراءة فى رواية (جمجمة) للكاتب والمترجم (الشرقاوي حافظ)

هل تسمح لنا هذه القراءة أن نتلمس خيوط الدراما والحبكة الفنية من خلال الظلال التى رسمها الكاتب فى نهاية روايته (1) لنعاود القراءة مكتشفين الأبعاد والدلائل والعلاقات :

يقول فى الصفحة الأخيرة:

"وكمن يشعر بأن ما سيتناوله هو آخر شئ فراح يتناوله بنهم شديد، إلتهم عادل ساندرا أو مديحة بكل نهم وبادلته نفس النهم، عاشا معا وقتا مفعا بالشهوة ولذة الحياة"

هذه هى الأسطر الأخيرة فى رواية جمجمة لشرقاوي حافظ وتتكرر فيها مفردة (النهم) كناية عن جوع شديد يشعران به ، لينتهي باقتطاف زهرة الموت، تلك الزهرة التى حددت بقانونها أسباب وجودها المقترن بموت أو حياة الشخصيتين المحورتين فى الرواية.

(ساندرا وعادل)

قبيل وصول (ساندرا/ مديحة) أصابه ذبول الزهرة بحالة من الرعب خشية الموت المتربص به والمقترن بمصيرها.

ولكن انتقال النهاية الصادمة، لساندرا، حسب التعويذة السحرية المرتبطة بالأسباب التى اصطنعها الكاتب ووضعها فى طريق بطله (عادل) المثقف الفقير، ذات مساء وهو عائد من ندوة الثقافية .. كان متوقعا.

يعتمد الكاتب فى بناء روايته على خلق إطارين للحكاية المسرودة هما:

الحكاية الأولى المركزية التى يبتدأ بها الرواية وينتهي إليها ، وهى تلك الحياة المشبعة بالخداع والفوارق الاجتماعية، وباغتراب الشخصيات عن واقعها، ومن ثم عن أنفسها، هذا الشعور الممض كأنه اللعنة التى تدفع بهم إلى التربح غير المشروع، وإلى خداع الشباب بمشاريع وهمية، لامتصاص عرقهم بأرخص الأجور .. وكأن الكاتب عبر روايته (جمجمة) ينفخ نفخته الأخيرة قبيل قيام قيامة شخصياته، جميعها بمعايشتهم حالة من الوهم، ينسلخ عن واقعهم وينسحب إلى حياة خاصة نبتت من جوعهم القديم، كاشفة السلبيات كانت منذ البداية مستقرة فى ركن قصي فى أنفسهم.

وعندما نلجأ إلى المعيار التقني الذى أقام عليه الكاتب بناءه الفني لروايته البديعة (جمجمة)، فاننا نلاحظ أنه بناء هندسي محكم .. ولم لا؟ .. والكاتب فى واقع الأمر مهندس مرموق ـ يعتمد على المزاوجة بين خطين أو مسارين دراميين ، لا يلتقيان إلا فى النهاية هما: ـ

المسار الأول : هو البعد الواقعي للحياة الاجتماعية ويشتمل على حياة مديحة/ ساندرا وعائلتها ثم زواجها وعلاقتها بحياتها الزوجية وما يتولد عنها من أحداث متنوعة.

المسار الثاني : هو البعد الميتا فيزيقي أو (الميتا واقعي) متمثلاً فى لقاء بطل الرواية (عادل) بالجمجمة.. وحوارهما معا، ورحلتهما الكونية تجسيدا لعالم الأرواح .. وهو مسار متخم بالأسئلة ، والأطروحات الفلسفية.

ويعمل الكااتب على تقاطع المسارين وتبادل الفصول بينهما حتى يتم المزج بينهما فى الفصول الأخيرة.

  • لماذا سميت الرواية بـ (الجمجمة)؟!!
لأن الجمجمة كانت لها اليد العليا فى تقرير مصير الشخصيات ودليل ذلك : ـ

تحويل اهتمام ساندرا أو مديحة من السعي وراء قلبها باتجاه المهندس شرف طوال الرواية، إلى السعي وراء تلبية رغباتها البيولوجية مع عادل.. وهذا ما ألحمت إليه شخصية الجمجمة بأنها بذلك سوف تمنح عادل فرصة جديدة للحياة مع ساندرا، وهذا ما ساهمت فيه الجمجمة عبر الايحاء فى مخيلة مديحة/ ساندرا .. كما هيأت لـ عادل بذبول أوراقها، واقتراب شبح الموت المرتبط بذبول الزهرة.

إذن فـ (سر )التسمية بالجمجمة هو استدعاء الكاتب لدلالة الموت المتربص بالانسان، ومناقشته بدلا من الهروب منه، وكون الكاتب يجعله حاضرا ومؤثرا باستمرار، فانه يقلل من حالات السكون فى واقع الشخصيات، ويضيف لها بعدا دراميا فاعلا، بامكانية اصطياد الموت للشخصيات فى أية لحظة.

  • الزمن الروائي
ينقسم الزمن الروائي إلى (زمنين)

الأول زمن السرد .. والثاني الزمن النفسي

فى زمن السرد تتحرك أحداث الرواية فى زمن قصير، تبتدأ بأحداث ليلة الندوة الثقافية ، ولقاء عادل بساندرا؛ وتنتهي بعدها بليلتين أيضا .. باجتماع عادل مع ساندرا/ مديحة فى حجرة عادل فوق السطوح.

أما الزمن النفسي فهو الزمن الذى يعالج اختلاجات النفس وقد يتسع لصفحات مضافا إليه الاسترجاعات التى تستعيد فيه الشخصيات تواريخها الخاصة، وأحداث حياتها الماضية قبل البدء فى زمن سرد أحداث الرواية.. وخلال ذلك ينفتح زمن الحكاية ويتشعب ممتداً بامتداد تواريخ وعلاقات الشخصيات

والملاحظ بأن الكاتب يوقف التدفق السردي بكثرة التحليل ومنح القارئ التبريرات المناسبة حول سلوكيات وانحرافات شخصيات روايته.. نتيجة لما ألم بهم من سقطات.

  • أوجاع الذاكرة وإعادة بناء الرؤى والعلاقات.
لما كانت مديحة فى ثوب براءة فتاة وطالبة فى ثانوي، كان من الطبيعي أن يخفق طائر الحب بجناحيه فى فضاء روحها، فتعجب بالمهندس شرف الذى يشتغل فى مشروع المستشفى الخاص بوالدها.. وتذهب للاعتراف بحبها له، لكنه يغلق أمامها الطريق طاعنا براءتها بأنه يستعد لاعلان خطوبته بعد اكتمال مستشفاهم.. تلك لم تكن الصدمة، سبقتها صدمات صغيرة من مشاحنات والديها، منذ تفتحت عيناها على الحياة؛

مؤكد أن تلك الصدمات كانت من العوامل المؤثرة على الشخصية التى تدفع بها إلى اتخاذ رودود أفعال قد تكون دفاعية أحيانا، ولكنها لم تتحول إلى ردود أفعال هجومية دامية إلا بعدما أيقنت أنها لن تنجب، وتحت وطأة المرض تم استئصال رحمها.. هنا خططت وأصبحت قاتلة لزوجها بدم بارد.. كما سنرى انعكاس هذا الأمر على والدها، بأن قام ببيع ممتلكاته لحرمان أقاربه من مشاركتهم لابنته فى الميراث، أو حصول زوج ابنته على حصة غير قليلة من مستشفاه عند الميراث فى ابنته.

كما انعكس ـ عدم إنجاب مديحة ـ أيضا على الدكتور عماد (حما) مديحة بانزوائه فى ركن قصي، لتكتمل أزمته بمقتل ابنه.

حيث تخلصت مديحة ـ عن طريق (قاتل مأجور) من زوجها. كى تحرمه من الزواج بأخرى.

السؤال هنا هل ورثت مديحة قساوة القلب من والدها؟، أم من تنكر المهندس شرف لحبها؟!!، أم انتقاما لنفسها من أن تتقاسم واحدة أخرى معها زوجها؟.. أم كل ماسبق مجتمعا؟؟..

لقد جعل منها الكاتب شخصية مركبة ومعقدة فى نفس الآن.. شخصية اتخذت من وجودية سارتر الملحدة شعارا لها، كي تعيش الحياة كما يحلو لها، بسبب الخواء النفسي والتفكك الأسري، وأسباب أخرى مرتبطة بالوعي والثقافة.

  • تقنية صراع الأضداد
وتتجلى على مستويين:ـ

أولا ـ على مستوى الشخصيات .

ثانيا ـ على مستوى مفارقة العالمين (الواقعي / وفوق الواقعي)

هذا الصراع تجسد فى انتقام مديحة من كل الشخصيات فى حياتها، وكأنها تنتقم منهم بسبب مصيبتها القدرية.. بعدم الانجاب.. صارت بلا انتماء لأي شئ سوى نفسها، تحللت من القيود الاجتماعية فى الخفاء، حيث قامت بتلبية رغباتها، فى السكر والتدخين، دون السقوط فى الانحلال، وبالرغم من أن الكاتب حاول خلق ظلال بعيدة لشخصية بطلة رواية عبدالقدوس (أنا حرة) وهى تشتهر بالنظارة السوداء، وبارتياد المحافل ومجالس الرجال، إلا أنها ظلتت تتربص بما تريده حتى تقتنصه.

ـ صراع والدها مع المجتمع بأنه أجاز لنفسه سرقة المال العام لبناء مستشفاه الخاص وللخلاص من الفقر والضياع، رغبة فى الارتقاء لطبقة اجتماعية أعلى ، لكنه بالرغم من صراعه هذا جعله مضطراً أمام لعبة القدر بتجفيف القدر لنسله من ابنته، أن يرتكن مرغما إلى الظل مخلفا وراءه كل ما كان يسعى إليه.

ونفس الحالة النفسية إنعكست على الدكتور عماد (صاحب العديد والعيدي من الصيدليات) وشريك والد مديحه فى بناء صرح ممتلكاتهما من الأدوية والأجهزة للمرضى فى المستشفيات العامة.

ـ المستوى الثاني هو صراع العالمين (الواقعى والميتا فزيقي) .. من خلال ظهور الجمجمة فى طريق (عادل) عند عودته من الندوة الثقافية، ومروره بالمقابر..

إن الكاتب بمنح الجمجمة الصوت والوعي المتجاوز؛ يخلق فى الفصول التى خصصها الكاتب لعادل والجمجمة حالة من السياحة الروحية، ربما كان عادل فى حاجة إليها، وممن ثم تمكن الكاتب عن طريقها بخلق الحبكة الفنية وتطويرها بالشروط التى عقدتها مع عادل أن تساعده على الجمع بينه وبين ساندراأو مديحه مقابل زراعة البذرة فى الجمجمة والارتباط السببي الذى سوف يجمع بينه وبين الزهرة والتحذير من قطاف زهرتها، لأن من يفعل ذلك يموت فى الحال.

والطريف أيضا ألا يتخلف عن ري النبتة التى سيزرعها ، وكأنها بتقادم أيامنا نغذي نبتة الموت التى تنتظرنا.

  • كما أنه يوجد شكل من أشكال صراع الأضداد تمثل فى صراع المفاهيم التراثية والشعبية مع وعي الكاتب المستنير، كما ورد فى تحليل عبارة (رابع المستحيلات) ، والسهم والصاروخ ص 7 وقد استعان الكاتب بتلك الأمثلة لاضافة مادة ثرية تضيف للحوار بينه وبين صوت الجمجمة وللتعبي عن عمق ثقافة الشخصية، وإن بدا لنا أن سطوة وحضور الكاتب أثر بالسلب على شخصية عادل.

  • كانت المنولوجات فى الرواية لها الدور الهام فى التعبير عن أعماق تحولات الأحوال النفسية للشخصيات وخاصة (مديحة وعادل) .. كما تمكنت من كشف أسباب التحولات المفاجئة للقارئ .. بالاضافة للكشف عن الأبعاد الاجتماعية التى تدين التحولات السلبية فى المجتمع خلال الربع قرن الماضي.
  • رواية (جمجمة) رواية معبرة عن مجتمع استخدم الشعارات فى خداع الشباب، من أجل إضافة مزيد من الثراء للأثرياء.. ومن ثم كشفت الرواية عن الخلايا المتسرطنة فى جسد المجتمع.

  • ملحوظة أخيرة لاحظنا انشغال الكاتب باحكام سطوته على شخصيات روايته، وذلك بتقديم مقاطع متعددة لتكون مبررات لتصرفات وسلوكيات شخوصه.. وهذا قلل من نمو الشخصيات وجعل من بعضها شخصيات تقليدية.. معلومة سلفا للقارئ بالمدى الذى سوف تصل إليه.
  • فى النهاية لا يسعني سوى تقديم الشكر للكاتب والشاعر (الشرقاوي حافظ) على روايته البديعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1 ـ الشرقاوي حافظ ـ رواية جمجمة ـ الناشر مكتبة زهراء الشرق ـ 2024م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...