- الخلاص من خيوط العبودية بالكتابة
هل لأن كتابة الأنثى عن نفسها، استبطان لمشاعرها، وقراءة لجروحها بتأن، أم هى سعي لرؤية العالم من منظور أنثوى، بالوقوف على تفاصيل خاصة وحميمة، إجتراح عوالمها الباطنية بمهارة لا تخلو من إكتشاف تواريخ ساعدت على إستلاب حقوقها فى الإختيار، وعدم إستيعاب الرجل لها، كتابة تعنى إستجلاء ما خفى والسعى للسير فى دروبه، بخفة، ورقى، بصوت هادئ، وغير مباشر.. كما فعلت الكاتبة.
ترسم شيرين فتحي(1) بفنيات كاتبة واعية، منمنمات رهيفة، ورقيقة، بها من المرونة ما يوفر لها المساحة الكافية لإجترار ذكريات الجدة، التى تتشابه معها فى الاسم (ليلة) الجدة مع (ليلى) بطلة الرواية ، ولا تتقاطع معها فى المصير.
فما هى حكايات ناهلة والجدة ورقية وليلى وحكايات عبدالرحيم الجد، ورشيد وسامح، وهل كانت الكاتبة مشغولة طوال الرواية بسرد حكايات تلك الشخصيات، أم بالوقوف أمام مشهد الخيوط الذى ترك آثاره على جسد ليلى بطلة الرواية، وجسد جدتها، عبر تاريخ من المرارة والمعاناة بحثا عن الذات، عن جدوى حياتهما ووجودهما، فالجدة (ليلة) لا تبتدأ حياتها إلا بعد وفاة الجد؛ حيث تتمكن من فعل كل ما تحب، تقوم بتعويض حرمانها من ممارسات يومية حميمة مثل الطبيخ، والخبيز، وتربية الطيور والحيوانات.
الرواية لا تدين أحدا بوعى فارق لكاتبة واعية، فالجد والجدة سقطا فى بئر سوء فهم الآخر..كانا بعيدين عن المصارحة، وكان للزمان القديم بسطوته وفرضياته، وملامحه الجارحة مما أسس لعبودية الأنثى، ولذلك ترجئ الرواية حضور الجدة إلى ساحة الأحداث لأكثر من نصف الرواية، حيث تتوفر لها المساحة الكافية لسرد أحداث رواية يعمل مؤلفها على حشرها فى مشهدين أثيرين؛
أحدهما فنى تقنى على مستوى التشكيل الدرامى لأحداث الرواية.
والثانى مشهد مركزى، تتقاطع معه خيوط الرواية، وترفضه البطلة حيث أنه يعيدها الى عبودية زمان الجدة، تفتح (ليلى) الأبواب المغلقة منذ سنين بعيدة، تعزف على روح الأنثى منمنمات رهيفة من المرض والانسحاق.
فهل يتم الخلاص من العبودية بالابداع ؟
وهل تمثل رواية (خيوط ليلى) علامة سيميولوجية لسعي ليلى للخلاص من ضغط باق وقار فى تلافيف روحها، مصدره إنسحاق الجدة، وتعاطف الحفيدة معها؟
أم هى كتابة منذ البداية تسعى للولوج إلى عوالم مسكوت عنها عمدا.. ومن المسئول عن تلك الروح؟
ولماذا لا تتمكن البطلة من مغادرة الرواية والخلاص من مشهد الخيوط المرادف تماما للجروح الناتجة عن أزمنة بعيدة من عبودية الأنثى ومذلتها فى حكم ذكورى قام بمصادرة رغباتها وحبسها فى الحرملك،
وهل كانت الرواية تسعى بالفعل للخلاص من تلك التواريخ القديمة التى جسدت إنسحاق الجدة (ليلة) حتى بدت كلوح من الثلج، أم لتحليل كل ما سبق ذكره وإعادة طرحه بشكل رهيف وإنسانى.. لاصلاح ما أفسدته النظرة القديمة للأنثى، كأنها بضاعة، أو تابعة، أو مجرد شيئ مهمل.. يبين هذا واضحا فى معاناة شخصية ناهلة، عندما يتداخل المرض مع الحياة فى عراك تقوم الكاتبة بتحويله إلى قراءة الجسد الأنثوى بشكل فريد، تتجول الكاتبة فى أبعاده السيميولوجية لتجعل منه أيقونة حضور الأنثى وتجليها، ونكتشف مقدار انتهاك ذلك الجسد فى حالات المرض، وفى مراحل حياتها منذ الطفولة حتى تسليم ذلك الجسد سليما دون ندبة ، لزوجها كى يتمتع به، ثمة قسوة فى السير بداخل تلك التفاصيل لاستجلاء مشاعر دفينة ، مسكوت عنها، فالرجل يجهل الكثير عن الأنثى، لذلك تفتح الكاتبة تلك الأعماق، والجروح، لا لتدين الرجل بقدر ما تحاول تطهير البؤر المتقيحة، المنسية فى تراكم الأيام.
ورغم أن شخصية ناهلة لا تحمل فى رحمها بذور الخضوع القدرى المفرط للمرض، ونلحظ رغبتها الدفينة فى التمسك بأهداب الحياة "لملمت بعضا من قماش الفستان الذى كانت ترتديه، وضمته إلى خصرها باستخدام كفيها لتبرز مدى نحافة وخفة جسدها، ........، ـ لا تغرنك تلك الدوائر الهالات والدوائر السوداء الغائرة أسفل عيني بوسعى أن أخفي ذلك بأدوات التجميل"ص22
تلك الخفة الموصوف بها جسد ناهلة ، يوحى بأنها على وشك التبخر، الرحيل ، حاملة على جسدها الآثار المتراتبة بسبب مرضها بـ (الكانسر)، والبادية فى الهالات السوداء، وفى الدوائر، دون تذمر، حيث تفضى إلى صديقتها (ليلى) بأنها كان يمكنها استخدام مساحيق التجميل، ولكن طالما الرحيل يفتح أبوابه، ويمهد الكاتب الضمنى (رشيد) طريقه، فلا داعى للتجمل والتزين للحياة، بل تكفيها كتابة وصاياها، وتلقين أبنائها بعض التعليمات البسيطة عن الحياة فى كيفية تغيير الحافضات للمولود الأصغر، تكفيها ما خزنته من أكلات لأولادها حتى يتذكرونها.
- الحبكة الفنية
يعانى المؤلف من تمرد شخصيات الرواية عليه، بعضهم لا يعي أنه يقوم بدور داخل نص كبير هو الحياة، وبعضهم مشغول بأوجاع ذاتية، وهموم وجودية ، شخصيات تتساءل باستمرار عن مصيرها الذى صنعه لها مؤلف لم يراع أوجاعها، ومن ثم تسعى بطلة الرواية (ليلى) للتمرد على مؤلفها، وتتبادل همومها مع شخصيات أخرى مثل ناهلة، ورقية، والجدة .
- تنوع السرد ساعد على تنوع الحكايات.
أجابتنى فى إنفعال:
ـ رشيد! رشيد كاتبنا يا سامح، مؤلف الرواية التى نؤديها أنا وأنت " ص133
إننا داخل معظم فصول الرواية إزاء تداخلات صوتية بين الشخصيات وبعضها ، وبينها وبين مؤلفها رشيد.. تتولى كل شخصية سرد تفاصيل حياتها، تتجول فى أعماقهما متوقفة أمام جروحها الذاتية، وتسأل فى نفس الآن عن الأسباب التى جعلت المؤلف يختار لها هذا المصير؛ تحاول الهرب من الرواية، هذا لأننا نعيش حالة تأليف روائى متجدد، نلاحظ توقف (ليلى) أمام مشهد الخيوط الملفوفة حول جسدها حتى تسللت إلى أعماق روحها، (خيوط ليلى) التى حملت الرواية عنوانها، تجسيد لأوجاعها وأوجاع وجروح عميقة بداخلها وبداخل جدتها عبر أزمنة بعيدة، لا تتمكن من التخلص منها، ربما تكون الكتابة على هذا المستوى الرمزى تمثل نوعا من الخلاص الفنى المؤقت.
كما تتبادل بعض الشخصيات أقنعة بعضها كما فى حالة (رقية) زوجة رشيد مؤلف الرواية، وبين ليلى بطلة الرواية، حتى أن رقية ترى فى ليلى صورة منها.
وعندما تقوم البطلة باستدعاء تاريخ وحياة جدتها راصدة العنف الذى عانت منه، أمام قيام الزوج بسلسلة من الحرمانات لكل ما تحبه عن عمد لأنها ـ فى ظنه ـ لم تحبه بقدر ما أحبت العجين الذى تقوم بخبزه، ومن ثم فعلت قسوته فى نفسها الأفاعيل، أفقدتها معرفتها بنفسها، وتحديد هويتها، فهو لم يسع لدعمها، وهى لم تتمكن من الاقتراب منه بسبب الخوف، فالعنف يولد الخوف، فهل مع الخوف ينمو الحب؟!!، مؤكد أن مشهد ذبح (الجد) للحمام الذى كانت تقوم الجدة بتربيته وسقايته بفهما فى حرارة الصيف الشديد يمثل مشهداً رمزيا دالا ، يلخص العلاقة بينهما، ومن ثم تتمكن الجدة بعد رحيله، بالعودة لممارسة حياتها الطبيعية، وفعل كل ما كانت تحب.
تمرد ليلى هنا فى هذه الرواية مبرر تماما، ويمثل رفضا لاستمرار تسلط المؤلف الموازى تماما لتسلط الجد، فمن حقها أن تقرر مصيرها بالبقاء داخل أحداث الرواية أو رفضها .. ولعل ما قامت به من كتابة حكايتها على جدار تحن له وتسجل عليها باستمرار، ما يؤلمها؛ يعكس الجدار مشهدا رمزيا آخر لسجن الأنثى داخل الجدران، فلا تجد سوى الافضاء بما يمور بداخلها لهذه الجدران.
الرواية تحمل رموزا ودلالات عميقة، لكاتبة أتقنت ببساطة مدهشة أن تجسد مصائر متعددة، لشخصيات متنوعة. حاصرها المرض والسجن والعبودية، شخصيات أنثوية رقيقة، محرومة من حقها الطبيعى فى تقرير مصيرها، وهى تسعى للإنفلات من سيطرة مؤلف لا ينصت لها.
فى نهاية الرواية خرجت الكاتبة بمهارة من تعليل الحبكة الفنية لروايتها على أنها رواية كونية، وأن ذلك المؤلف المتعنت ليس (إلهاً)، بل يقوم هو ـ الآخر ـ بدور مؤلف داخل رواية، تقع على تخوم روايات وحكايات أخرى تتنوع ووتتشاكل وتتصارع مع بعضها البعض لتشكل فى النهاية ما يمكن أن نسميه (الحياة)
ــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1 ـ شيرين فتحي ـ رواية خيوط ليلى ـ الهالة للنشر والتوزيع 2021