د. عبدالجبار العلمي - ديوانِ الشِّعْرِ الْمَغْرِبي الْحَديث قصيدة "البَحْر" للشَّاعر المَغْربي عبدالمَجيد بْنِ جَلُّون « دراسة وتحليل »

تنتمي قَصيدة « البحر » إلى الشكل المقطوعي الذي تبناه الشعراء الرومانسيون ومنهم شعراء جماعة أبولو ،وذلك في إطار بحثهم عن أشكال شعرية جديدة أكثر طواعية للتعبير عن أحاسيسهم ، يتيح لهم حرية لا يسمح بها الشكل القديم . من الشعر المقطوعي نذكر: المزدوج والمسمط والمخمس والمربع. يرى الدكتور سيد البحراوي « أن شيوع شكل المربع عند شعراء أبوللو إلى الدرجة التي شغلَ بها نصفَ نظمهم في القوافي المتنوعة ، يشير إلى دلالة أكيدة على مدى طواعية هذا الشكل بالنسبة إليهم » () وترجع هذه الطواعية : أ ـ إلى سهولة استخدام هذا الشكل / ب ـ إلى إتاحته إمكانيات تنويعية تخرج به ـ نسبياً ـ عن نمط الشكل القديم ، مثل تغيير القافية والضرب في قصيدة واحدة. ويذهب سيد البحراوي بخصوص شكل المربع إلى أن هذا الشكلَ يمكنُ أَن يكون تمهيداً لشكل المقطوعة الذي احتلَّ عند جماعةِ أبوللو أعلى نسبة شيوع بين أشكال التنويع بعد المربع.( موسيقى الشعر ، م. مذكور ، ص: 76 ). ويتحدد شكل المقطوعة باستعمال قافية لكل مجموعة من الأبيات.. فالمقطوعة في الشعر الرومانسي قد تكون مكونة من أربعة أبيات أو عشرة أو أقل أو أكثر . وقد يتقيد فيها الشاعر بنفسِ عدد الأبيات في المقطوعة الواحدة من قصيدته ( كما هو الشأن في قصيدة البحر لعبدالمجيد بن جلون )، وقد لا يتقيد. فثمَّةَ إمكانيات متعددة في شكل المقطوعة لم تكن متاحة في شكل المربع.منها : ـــ التصرف في عدد أبيات المقطوعة ـــ إمكانية تغيير الوزن الشعري بين مقطوعة وأخرى ـ إمكانية تغيير القافية ـ إمكانية تغيير الأضرب ( انظر المرجع السابق الذكر (ص: 87 )، يقول عبد الكريم غلاب مؤكداً هذا المنحى الجديد في شعر ابن جلون:«وهو ينوعُ أوزانه وقوافيه فيقدِّمُ قصائدَ منوعة الوزنِ والقافية ترتاحُ فيها النفسُ دونَ أن ترهقها الرتابةُ وتكرارُ الرؤى وتكتسي الصورةُ المتكاملةُ عندهُ طابعَ القصة.»( ) وسنحاول في مقاربة هذه القصيدة التركيز على مكونات البنية العروضية والبنية الإيقاعية، ومن الجدير بالذكر أنها تتألف من خمس مقطوعات كلُّ مقطوعة من عشرة أبيات, ومجموع أبياتها خمسون بيتاً، وسأقتصر على بعض أبيات القصيدة في بعض المقطوعات مراعاة لحيز النشر بالجريدة،على أن أحيل القارئ الكريم على صفحة القصيدة في الديوان.
القَصيدة: البَـــحْـــر ، الديوان، ص: 18
ما كِدْتُ أُبْصِرُ طلعةَ البحرِ
حتَّى غفلتُ هناك عن أمْـــــــــــري
ونسيتُ أصحابي الذين معي
وسَعيتُ نحو مياهه أجــــــــــــــــــــري
وذكرتُ أيامي التي سلفــــــتْ
فوقَ الشواطئ في الصبا النَّضرِ
فرمالها الصفراءُ كمْ حضنتْ
جسْمي الصغيرَ بساحلِ البَحْـــرِ
ولكمْ أقمتُ عليه من تـــــرعٍ
وبنيــتُ من حصــنٍ ومن قصــــــــرِ
وسبحتُ بين الموجِ مُغتبطاً
ببــــــروزه مـــــن حيـــــــث لا أدري
فَأكادُ أغرقُ إذ يفــــــــــــاجئني
وألـــــــــــــوذُ بالأحجار والصــــــــخرِ
صورٌ على صورٍ قد اندفعَتْ
وتباعثَتْ مِنْ ســـــــــــــالفِ العمـــرِ
فالبحْرُ خلٌّ لستُ أُنـــــــــــكرهُ
منْ بعدِ طــــــــــــولِ البينِ والهجرِ
بل قد جريتُ إليه في لهفٍ
لمَّـــــــا بـــَدتْ لي طــــلْعةُ البَحـــــــرٍ
****
يا بحرُ تلكَ طفولتي انصرمتْ
فعلامَ ذكْرى ســـالفِ العهـــــدِ ؟
فوق البسيطةِ لســــتُ أول منْ
قد ضـــاعَ بينَ المــــهدِ واللحدِ
تعْلو على الشطآنِ مصطخبــاً
وتعـــــــــودُ من بدءٍ إلى عَــــــــــــــودِ
تَعْلو وتغمرُ ما تصادف فيــــــــ
ـــها من حضاراتٍ ومن مجــــــدِ
فهديــــــرُكَ الجَبَّــــــــارُ قَهْقَهَـــــــــة ٌ
من نزعة الإنســـــــان للخُــــلْــــــــدِ
أمواجـــكَ الزرقــــــــــاءُ تخلُبـــُني
لكنَّمـــــــــا يــــــــا بَحْرُ تـُـــــرْعِبُـــــــــني
فَلأنْتَ مثــــــــل الأرضِ مقبـرةٌ
لِنفــــــائسِ التَّاريــــــــــــخِ والزمـــــــنِ
في العمقِ أشـــــــــــــــلاءُ مخبأةُ
مستورةُ بروائــــــــــــــــــعِ الفتـــــــنِ
إني لأنصتُ في الظلامِ إلـى
هذا الهدير يكــــــــــادُ يَصْعَقنــي
فكأنَّ صوتَ المـــــــوج مرثيـةً
جَبَّارة الألحــــــــــــــــــــانِ تجرحـــــني
وأَرى بهـــــا الأبْدانَ هائمـــــــــةً
في الماءِ أُبصرُها وتُبْصِــــــــرُني
ألْحــــــــانُها في اللَّيْلِ نائحَـــــــةٌ
مَمْلــــوءةٌ بالحزنِ والشَّـــــــــــــجَنِ
والروحُ فـوقَ المَوْجِ تـــائهــــــةً
كـــالطَّيرِ بـــــاحثةً عن البَـــــــــــدنِ
أرواحُ مَنْ غَرقوا تُطــــــــــــالعُني
وأنينُهـــــــــا بالحُــزْنِ تَمـــــــــــــــلَأني
****
ولقد تثــــــــورُ بمــــــــــائك اللجِــــــــبِ أرواحُ غــرقى ســـــــــائــرِ الحِقَـــبِ
تتقَمّـــــــَصُ الأمْــــــــواجَ هائمـــــــــــــــــــــةً فإِذا جَميـعُ البَحْرِ في غَـضَـــبِ
متقاذفاً في الجوِّ محتدمــــــــــــــــــــــــاً متحَدِّيــــــــــاً للأَنْــــــجُمِ الشُّهُـــــــبِ
فإِذا وضـعْتُ بها الجِبَـالَ غدتْ في ثَوْرَةِ الأمْــــــــواجِ كالْحُصـــبِ
والموجُ كـــــــالْحَيــــــــوانِ مُفْتــَــــــــرسٌ قَـــــدْ هَيَّجَتْهُ شِــــــدَّةُ السَّغَــــــــــــــبِ
واللــــــــجةُ الهــوجـــــــــــــــــاءُ مُرسِلــــــةٌ بِرَشاشهــــــا في أَوْجُــهِ السُّحُـبِ
يا للطبيعـــــــةِ..! ليسَ يُدْرِكُــــــــــــها مــــا يُدْرِكُ الإِنْســــــانَ مــن تَعَـبِ
بَلْ مـــــا تَــــــــــزالُ تتيهُ يـــــــــــــــــــــــافِــعَةً وتثـــــــورُ في عُنـْفٍ وفي صخَـبِ
****
إِنِّي تَركْـتُ البَحْرَ في صِـــــــــغَري وَرَجَعْتُ أَبْحَثُ عَنهُ في كبَـــري
أيْــنَ احْتِدامـــــــي اليومَ منْ لَعِبــي بالأمسِ فوقَ الشَّاطِئ النضــــــرِ
شَخْصي القَديمُ ـــ ويا لَرَوعَتِـــــــهِ قَد ضاعَ في الأَحْــــــداثِ والْغِيَرِ
بَلْ كلُّ مــــــا في الأَرْضِ مُنقَلبٌ مُتَغَيِّــــــرٌ في كَـــــــفَّـــــةِ الْقَــــــــــــــــــــــدرِ
إلا مِيـــــــــاهَ البَحْرِ فَهْــيَ كَمـــــــــــا كانَتْ هنـــــا مِنْ أَقْدَمِ الْعُصُـــرِ
وَلسَـــوْفَ تأتـــــي بَعْــــــــدَنا أُمَـــــمٌ وَتَمُــــــرُّ مِثْلَ الركْـــــــــبِ بالعُمُـــــــرِ
فَترى ميـــــــــــاهَ البحْرِ زاخـــــــــــــرةً فاقتْ مســــــــاحَتُها مدى البَصَرِ
زرقــــــــــــاء.. مُرْعِبـــــة .. مُحبَّبَّــــة لَــــمْ تمْتثــــلْ كــــــالأرْضِ للبشــَــــــرِ
وَتَرى مِيــــــــــاهَ البحْرِ واحــــــدةً وَتكٍّــــــــــرُّرَ الشُّطــْـــــــآن والصُّــــــــوَرِ
تَمْتَدُّ في الآفـَـــــــاقِ في عِظــــــمٍ وَتَعُــــــجُّ بالأسْــــــــــــرارِ والْعِبَـــــــــــــــــرِ
وقبل أن أشرعَ في دراسة وتحليل القصيدة، مقتصراً على بنية الإيقاع ، وددت أن أعرض ما قاله الأستاذ عبد الجليل ناظم في قصيدة «البحر » في دراسته الموسومة بــــ« عبد المجد بن جلون: الطفولة بين القصيدة والسيرة. » ( ) يرى الباحث " أنَّ ما يَلفتُ النظر هو انصهار الذات في البحر ، وهو جزء من الطبيعة اللانهائية في إطار البحث عن التجدد عن الطفولة " ورجعتُ أبحثُ عنهُ في كبري (أي الطفولة) "لأنها وحدها تملكُ القدرةَ على هذا الانصهار » ( ص: 67 ). ويبدو أنَّ الشاعر بسبب ذلكَ عاد إلى الاحتماء بيوتوبيا الطفولة في كتابة كتاب ضخم كامل عنها وليس في قصيدة من خمسين بيتاً، وذلك بحثاً عن الفطرة والبراءة والظهر ، وفراراً من عالم تسوده الجهامة والقبح وانهيار القيم الأصيلة، لكن هذه المرة مستخدما النثر لا الشعر.ويذهب الأستاذ عبد الجليل ناظم في مقارنته الدقيقة بين طفولة القصيدة وطفولة السيرة إلى أننا « سنفاجأ حينَ نضعُ طفولةَ القصيدة مقابلَ طفولةِ السيرة. سنجدُ أنفسَنا أمامَ تحسُّر مزدوج: تحسر على الماضي، على السعادة المفقودة، مع إيحاء بأنَّ الحاضر زمن الشدة، من جهة أخرى تحسرٌ على فقدانِ خيال القصيدة » ( ص: 70 ) ، ويستنتجُ الباحثُ بعد هذه المقارنة العميقة أننا في نهاية الأمر « نخلص إلى عزلةِ الطفلِ وغربته سواء في القصيدة أو في السيرة ، مع فارق هام هو وجود العزاء في معانقة الطبيعة كقوام شعري فلسفي في الحالة الأولى ، وغياب هذا العزاء في الحالة الثانية» ( ص: 70) ألا يمكن القول هنا إنَّ الشاعر عبد المجيد بن جلون نزل بأجنحته إلى نثر الحياة اليومية بانغماره في كتابة المقالة الصحافية أو غيرها من الكتابات النثرية؟ نجد الجواب عند الباحث نفسه في نفس الدراسة وهو يقول باستغراب : « إن أغرب شيء نلاحظه هو أن ابن جلون أحسَّ بأنه غادر ذاتهُ وحريتهُ عندما غادر القصيدة ليكتب المقالة والسيرة على رغم أن قواعد الشعر وقيوده قد تمنع الشاعرَ من الانطلاق والحرية. » ( ص: 69 ) وأنا أوافق الأستاذ الباحث عبد الجليل ناظم في رأيه المتمثل في أنَّ ابن جلون ـ حقيقة ـ بقي في نفسه شيء من حتَّى ، حين تخلى عن الشعر وهاجر إلى المقالة وغيرها من أجناس النثر. ويؤكد ذلك وفاؤه لبراعمه الشعرية ولصاحبها عبد المجيد بن جلون في مرحلة شبابه الذي لا يتجاوز العشرين. فقد خطر له أن يمزق تلك الأشعار، لكنه أحجم عن ذلك لباعث خفي وعميق، وفي النهاية لم يقرر أن لا يمزقها فحسب، لكنه أيضاً قرر أن ينشرها على الملأ. بعد إفادتنا من هذا البحث الطريف حول الطفولة بين القصيدة والسيرة من خلال قصيدة « البحر » موضوع عملنا في هذه الدراسة، نقول :
تتحدث هذه القصيدة عن موضوع واحد هو «البحر ». غير أنه يتفرع إلى مشاهد وأحداث متنوعة . وبالنظر إلى هذا التنوع لجأ الشاعر إلى تنويع قوافيه في كل مقطوعة من مقطوعات القصيدة الخمس. وتتمثل القضايا الرئيسية التي تتحدث عنها القصيدة فيما يلي:
أ ـ ذكريات الطفولة على شاطئ البحر المغمور بالسعادة والفرح .
ب ـ تأملات حول جبروت البحر وابتلاعه لانجازات البشر الحضارية والعمرانية .
ج ـ الحديث عن أمواج البحر العاتية المثيرة لعجب وخوف الشاعر في نفس الآن .
د ـ ثورة البحر التي تجسد ثورة أرواح الغرقى من مختلف العصور والأحقاب .
هـ ـ مقارنة الشاعر بين نظرته للبحر وهو طفل بريء، ونظرته له وهو رجل يرى فيه مجالا لأخذ العبرة والحكمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...