شكري محمود أحمد - الشطار والعيارون

في المجتمع العباسي طبقات غريبة ظهرت في فترات مختلفة من الزمن، نشأت وتجمعت بسبب عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية، ولكل طبقة منها اسم خاص بها، ولها تنظيمات وعادات تنفرد كل طبقة بها دون غيرها. وربما كان لبعضها لغة خاصة. فمن هذه الطبقات الشطار والعيارون والطرارون والظرفاء والفتيان واللعابون والمخنثون والحرافيش والساسانيون والزواقيل، وغيرهم وقد ذكر الجاحظ منهم طبقات كثيرة.

وكانت هذه الجماعات أخلاطاً من مولدي العرب والفرس والترك والروم والبربر والديلم والنبط والجركس والأكراد والكرج وغيرهم من الأقوام الذين زخر بهم المجتمع العباسي.

وقد تغلبت على هؤلاء اللغة العربية، وكان للساسانيين لغة خاصة بهم ذكرها الثعالبي في اليتيمة والخفاجي في شفاء الغليل.

والذي يعنينا من هذه الطبقات هم الشطار والعيارون، وقد سجل كثير من مؤرخي الإسلام أخبارهم وأعمالهم وما قاموا به من قطع الطرق ونهب الأموال وقتل الناس وغير ذلك، ومن هؤلاء المؤرخين ابن الأثير والمسعودي والطبري وأبو الفداء وابن الفوطي وابن الجوزي في المنتظم وتليبس إبليس والتنوخي في الفرج بعد الشدة والأربلي في خلاصة الذهب المسبوك والبيروني في الجواهر والبيهقي في حكماء الإسلام وغير هؤلاء من المؤرخين.

وقد ظهر الشطار والعيارون في مختلف الأمصار الإسلامية، فهم يعرفون في العراق باسم (الشطار) وفي خراسان يسمونهم (سرابدران) وفي المغرب يطلق عليهم اسم (العقورة)، وسماهم ابن بطوطة (الفتاك).

كانت هذه الجماعات ترتزق باللصوصية والنهب وقطع الطرق والتحيل على الناس، وفي الغالب باغتصاب الأموال وفرضها على المدن والمحلات أو الأغنياء. فقد ذكر ابن الأثير (أنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار)، أو أنهم كانوا يهاجمون بيوت الأغنياء ويأخذون ما فيها من المال والجواهر، جاء في المنتظم (. . وكبست دار تاجر فأخذ منها ما قيمته عشرة آلاف دينار) وفي كثير من الأحوال كان يستفحل أمرهم ويستشري بلاؤهم حتى تعجز الحكومة عنهم، وربما استعانت بهم في الحروب كما حدث في الفتنة بين الأمين والمأمون والمستعين والمعتز. قال ابن الجوزي (كان طلاب السلطة يستعينون في حروبهم ببعضهم على بعض ويعدون بالآلاف، فقد كان مع أبي دلف عشرون ألفاً منهم). يستخدمهم لأغراضه ويسخرهم في أعماله.

سبب ظهورهم:

إن الاضطرابات السياسية التي مرت على العراق تركت أثرها في الحياة الاقتصادية حيث كسدت الأعمال، وغلت الأسعار وقلت الأقوات، فاضطرب نظام الحياة، وانتشرت المجاعة بين الناس، وكان الحكام أنفسهم يخزنون الأٌقوات والحبوب، لذلك تعمد العامة والسوقة إلى الارتزاق بمختلف الطرق وشتى الوسائل حتى انتظموا جماعات كثيرة لمناوأة أصحاب المال من التجار وغيرهم، فهم طبقات ضاقت بهم سبل الحياة، وسدت عليهم أبواب العيش، فتوسلوا بطرق الفوضى والاغتصاب للانتقام من مجتمعهم.

وفي كتاب الفرج بعد الشدة قصص كثيرة تصف هؤلاء الشطار والعيارين وكيف انتظموا في هذه العصابات. ونقل لنا على لسان كردي من هؤلاء التقى به في الطريق بين واسط والبصرة (. . قلت له: يا هذا كيف بلغت هذه الحال؟ قال: نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب السلطان فما قبلني أحد، فانتظمت إلى هؤلاء وطلبت الطريق، فلو كان أنصفني السلطان وأنزلني بحيث استحق من الشجاعة لانتفع بخدمتي وما فعلت هذا. .)

وقد كان هؤلاء الشطار والعيارون ينتقمون على الدولة والسلطان أشد النقمة، لأنهم أحرجوهم فأخرجوهم، وتركوهم يقطعون الطرق ويسلبون الناس أموالهم، ويصبون الفزع في قلوبهم، ففي قصة ابن حمدون اللص تظهر شدة نقمة هؤلاء على السلطان وقد ذكرها التنوخي، قال هذا اللص: (. . . يا هذا! لعن الله السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا فاحتجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعل ارتكاب أمر أعظم منا يرتكبه السلطان. أنت تعلم أن ابن شيراز في بغداد يصادر أموال الناس ويفقرهم حتى يأخذ الموسر المكثر فلا يخرج من حبسه وهو يهتدي إلى شيء غير الصدقة، وكذلك يفعل البريدي في واسط والبصرة والديلم، ويتجاوز ذلك إلى الحرم والأولاد. . . فاحسبونا مثل هؤلاء).

وربما هاجم هؤلاء الشطار والعيارون المحلات والقرى فنهبوا النساء والصبيان علانية وجعلوهم رهائن عندهم، ففي أخبار سنة إحدى ومائتين يذكر أبو الفداء (. . . وفيها اشتد أذى فساق بغداد وشطارها حتى قطعوا الطريق وأخذوا النساء والصبيان علانية، ونهبوا القرى مكابرة، وبقى الناس معهم في بلاء عظيم، فتجمع أهل بعض المحال ببغداد مع رجل يقال له خالد بن الدريوس وشدوا على من يليهم من الفساق والشطار فمنعوهم وطردوهم)

ولقيت بغداد من هؤلاء الشطار والعيارين أشد أنواع العذاب والإرهاق، وقد كانت تدافعهم بمختلف الطرق فما أغنى ذلك عنها شيئاً، ففي سنة سبع عشرة وأربعمائة كان (العيارون يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره، وعلم الناس الأبواب على الدروب فلم تغن شيئاً).

وكان الشاطر إذا شاخ وعجز عن العمل ربما تاب فتستخدمه الحكومة في مساعدتها على كشف السرقات، وكان في خدمة الدولة العباسية جماعة من هؤلاء يطلق عليهم اسم (التوابون) ولكن هؤلاء كانوا في الغالب يقاسمون اللصوص ما يسرقونه ويكتمون أمرهم.

وكثيراً ما كان الوزراء والحكام وأصحاب السلطة والنفوذ يقاسمون الشطار والعيارين الأموال، ففي حوادث سنة ست وثلاثين وخمسمائة يذكر ابن الأثير: (. . وفي هذه السنة وصل السلطان إلى بغداد فرأى تبسط أمر العيارين وفسادهم ما ساءه فأعاد بهروز إلى الشحنكية فتاب كثير منهم، ولم ينتفع الناس بذلك لأن ولد الوزير وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين فلم يقدر بهروز على منعهم).

وقد ذكر ابن بطوطة استفحال أمر الشطار والعيارين على عهده (القرن الثامن) وأشار إلى اجتماعهم على الفساد وقطع الطرق وهجومهم على مدينة بيهق فملكوها وملكوا غيرها، فجندوا الجنود وركبوا الخيول، وجعلوا أحدهم سلطاناً عليهم، وانحاز إلى هذا السلطان العبيد، فمن رأى فيه شجاعة أمره وأعطاه مالا وفرساً.

وكان لهؤلاء الشطار والعيارين عيون على الناس من النساء والرجال يتبعونهم في الحانات والقصور والصيارف والجوهريين، فإذا رأوا من قد باع شيئاً تبعوه وأخذوا ما معه.

رأيهم في أعمالهم:

الذي يظهر لنا من دراسة حياة هذه الجماعات أن أعمالهم هذه كانت موجهة إلى أصحاب المال والأغنياء الذين يكدسون ثرواتهم ويخزنون أموالهم، ويتركون العامة في عوز وفاقة، لذلك لم يعترضوا لأصحاب البضائع القليلة ولم يعرضوا لامرأة ولا إلى من يستسلم إليهم، وكانت هذه صفة ابن حمدون الشاطر والبرجمي العيار.

ولم يكن هؤلاء الشطار والعيارون يعدون اللصوصية جريمة وإنما هي صناعة يحللونها لأن ما يستولون عليه من أموال التجار الأغنياء زكاة تلك الأموال، فقد ادعوا أنهم فقراء فإن أخذوا تلك الأموال كانت لهم مباحاً، وهذا التعليل يسرده لنا ابن سيّار الكردي ويذكر خبره التنوخي قال: (كنت مسافراً ببعض الجبال فخرج علينا ابن سيار الكردي، فقطع علينا وكان بزي الأمراء. . فقربت منه أنظر إليه وأسمع كلامه فوجدته يروي الشعر ويفهم النحو، فطمعت فيه وعملت أبياتاً مدحته بها، فقال: لست أعلم أن هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة وأنشدني بيتاً، فعملت في الحال أجازة له ثلاثة أبيات. فقال لي: أي شيء أخذ منك لأرده عليك؟ فذكرت له ما أخذ مني فرده إليَّ. ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها كيساً فيه ألف درهم فوهبه لي. فجزيته خيراً ورددته إليه، فقال لي لِمَ لا تأخذه؟ فوريت في كلامي، قال: أحب أن تصدقني، فقتل: وأنا آمن؟ فقال: نعم، قلت: لأنك لا تملكه وهو من أموال الناس أخذته منهم الساعة ظلماً فكيف يحل لي أخذه، فقال لي أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص عن بعضهم قال: (إن هؤلاء التجار لم تسقط عنهم زكاة الناس لأنهم منعوها فصارت أموالهم بذلك مستهلكة، واللصوص فقراء إليها، فإن أخذوا أموالهم كان ذلك لهم مباحاً لأن عين المال مستهلكة بالزكاة. ثم قال لي: خذ الآن الكيس فأخذته وساق القافلة)

بلاؤهم في الحروب:

كان للشطار والعيارين في الحروب والفتن المحل الأول والشأن الكبير، ففي الفتنة بين الأمين والمأمون لما عجزت جنود الأمين عن الدفاع استنجد بالعيارين والشطار في الدفاع عن بغداد، فنظمهم نظام الجند على كل عشرة منهم عريف، وعلى كل عشرة عرفاء نقيب، وعلى كل عشرة نقباء قائد، وعلى كل عشرة قواد أمير.

وكانوا يقاتلون عراة في أوساطهم الميازر، وقد اتخذوا لرؤوسهم دواخل من الخوص سموها الخوذ، ودرقاً من الخوص والبواري قد قرنت وحشيت بالرمل والحصى، وساروا للحرب يضربون المأمونية بالمقلاع والحصى، وفي هؤلاء يقول الشاعر:

خرّجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطان ولا لنزار

معشر في جواشن الحصر يعدو ... ن إلى الحرب كالليوث الضواري

ليس يدرون ما الفرار إذا الأبطا ... ل عاروا في القنا للفرار

واحد منهم يشد على ألف ... ين عريان ما له من ازار

ويقول الفتى إذا طعن الطع ... نة: خذها من الفتى العيار

ومن ظريف بلائهم في هذه الفتنة ما ذكره ابن الأثير قال: إن قائداً من أصحاب طاهر من أهل النجدة والبأس خرج يوماً إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من نرى؟ استخفافاً بأمرهم واحتقاراً لهم، فقيل له: نعم، هؤلاء هم الآفة، فقال لهم: أف لكم حين تنهزمون من هؤلاء وأنتم في السلاح والعدة والقوة وفيكم الشجاعة، وما عسى يبلغ كيد هؤلاء ولا سلاح معهم ولا جنة تقيهم. . . وتقدم إلى بعضهم وكانت في يده بارية مقيرة وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة فكان الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار فيقع السهم في باريته أو قريباً منها فيأخذه العيار ويصيح دانق - أي ثمن السهم دانق قد أحرزه - فلم يزل كذلك حتى فنى سهام الخراساني. . . ثم حمل عليه العيار ورماه بحجر من مخلاته في مقلاع فما أخطأ عينه، ثم خر وكاد يصرعه، فانهزم وهو يقول: ما هؤلاء بناس.

وحدث مثل هذا من العيارين والشطار في حرب المستعين والمعتز سنة 251هـ إذ حوصر المستعين بالله ببغداد مثل حصار الأمين فاستعان بالعيارين وفرض لهم الأموال وجعل عليهم رئيساً اسمه بينونه.

ومن العيارين رجال خلدهم التاريخ وكتب حولهم القصص الشعبية مثل الزيبق وقصته مشهورة معروفة تقرأها العامة كما تقرأ قصة أبي زيد الهلالي وقصة عنترة وغيرهما من القصص الشعبية.

أزياؤهم:

ذكرنا زيهم وسلاحهم في الحروب وأما في السلم فقد وصفه لنا ابن منظور قال (خرج أبو نواس إلى مصر في زي الشطار وتقطيعهم بطرّة قد صففها، وكمين واسعين، وذيل مجرور، ونعل مطبق). وكان للشطار مئزر يأتزرون به على صدورهم يعرف بأزرة الشطارة. وكان لهم سراويل يلبسونها تشبه سراويل الفتوة. وكانوا يخرجون إلى الأسواق ومحلات الجوهريين بثياب التجار فلا يعرفهم الإنسان حتى يأخذوه.

هذا مجمل ما استطعنا أن نقف عليه من أخبارهم وأعمالهم معتمدين على أهم المصادر التي ذكرت تاريخهم متفرقاً هنا وهناك فإن فاتنا شيء من أمرهم فمعذرة.

(بغداد)

شكري محمود أحمد
مدرس العربية بدار المعلمين الابتدائية



مجلة الرسالة - العدد 741
بتاريخ: 15 - 09 - 1947

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...