مصطفى فودة - قراءة فى كتابات نوبة الحراسة(رسائل عبد الحكيم قاسم)أعداد وتقديم محمد شعير

قراءة وتعليق مصطفى فودة



ولد عبد الحكيم قاسم عام 1935(1) فى بيت جده لأمه بقرية ميت القرشى دقهلية وكانت أمه الزوجة الثالثة لأبيه وقد ولد عليلا ثم أعتقل عام 1959 وقضى فى السجن خمس سنوات ، ثم سافر إلى ألمانيا لحضور ندوة فقضى فيها أحد عشر عاما ، ثم عاد إلى مصر وتقدم فى انتخابات مجلس الشعب عن حزب التجمع ولما خسر الإنتخابات أصيب بالشلل بيده اليمنى ثم توفى عام 1987 وتظهر حياته أنه كان يعيش فى جو من الغربة والإغتراب منذ طفولته فكان فى حالة قلق مستمر وشعور بعدم الاستقرار ، وقد كانت شخصية عبد الحكيم قاسم وحياته أشبه بالبطل التراجيدى(2) فى الملاحم الإغريقية أو مسرحيات شكسبير مثل هاملت ومكبث والملك لير ويوليوس قيصر، وكتاب نوبة الحراسة يتناول بعض رسائل عبد الحكيم قاسم أثناء تواجده فى برلين بألمانيا الغربية حينذاك إلى بعض أصدقائه وهو من أروع ما قرأت من رسائل واعترافات وبوح وفضفضة لكاتب ذى تجربة أدبية أشبه بالعاصفة أو الزلزال، وأعتقد أن من لم يقرأ هذا الكتاب فسينقصه الكثير لمعرفة تجربة عبد الحكيم قاسم الأدبية.
يقع الكتاب فى 253 صفحة طبعة الهيئة المصرية للكتاب مكتبة الأسرة سنة 2013 وبلغ عدد الرسائل خمس وثلاثون رسالة أُرسلت إلى إحدى عشرة شخصية وهى متفاوتة الطول والعدد إلى كل شخصية فهناك رسالة واحدة إلى كل من حسنى عبد الفضيل وسامى خشبة وسعيد الكفراوى وهناك عشرة رسائل إلى محمود عبد الوهاب كما تفاوتت الرسائل إلى باقى الشخصيات مابين صفحتين إلى أربع صفحات ، وبلغت أطول رسالة خمس عشرة صفحة من ص 113 إلى 127 إلى صديقه الكاتب حسنى عبد الفضيل كاتب قصة والذى درس الهندسة ثم توقف عن الكتابة بعد ذلك ..
بدأ الكتاب بمقدمة ضافية من الكاتب محمد شعير بعنوان الكتابة بدون مكياج وبالفعل هو عنوان دال على الرسائل ، ذكر فيها الكاتب أهمية الرسائل فى الأدب العالمى مشيرا إلى كافكا ورسائله العاطفية إلى ميلينا ورسائل رامبو وأشار إلى بعض الرسائل فى الثقافة العربية مثل كتاب الرسائل المشترك بين محمود درويش وسميح القاسم، كما أشار إلى غياب كتابة الإعترافات فى الثقافة العربية بأشكالها المختلفة (سيرة ذاتية رسائل..) وذكر أن عبد الحكيم قاسم من الاستثناءات النادرة فى الثقافة العربية "تسأله المحاورة أين وجدت نفسك أكثر فى القصة أم فى الرواية ؟ فيجيب فى الكتابة، حتى إذا كانت الكتابة رسالة أو نص نقدى، أنا أستمتع بالكتابة وأتذوق الكلمة وحينما أكتب أنتشى ولا أستقر على مكتبى أبدا، أتمشى وأهتف بالكلمات وأرقص"ص9 ، ويضيف الكاتب أن هذه الرسائل تؤالف بين السيرة الذاتية والشهادةعلى الزمن والحياة والناس، كما أنها تحمل إضافة مكثفة لنصوصه، تفك شفرتها، وتكشف عن طبيعة ثقافة حقبة أدبية وفنية وبها الكثير من آرائه فى الفن والدين والسياسة والجنس والمرأة والموت والحياة، وهى أقرب لأن تكون كتابة بلا مكياج خاصة وأن قاسم اشتهر بعنفه وصدقه الجارح فى أوقات كثيرة،ويمكن أن نعتبرها روايته فى حالتها الخام قبل أن تمتد لها يد الفنان حذفا وتزيينا (من مقدمة الكتاب بتصرف).
حوت الرسائل آراء قاسم فى بعض الكُتَّاب وكانت غاية فى الصراحة ففى رسالة إلى الدكتور ناجى نجيب وهو ناقد أدبى مصرى وسافر إلى ألمانيا ونسب إليه قاسم الفضل فى دعوته إلى ألمانيا، وقد بلغت الرسالة عشرة صفحات حوت آرائه فى بعض كتاب الستينيات يقول قاسم"..يجب أولا أن ننحى الأستاذ أنيس منصور والأستاذ مصطفى محمود عن اعتبارنا ، فالثانى منهما يعتبر بحق دجالا(....) يسخر لفائدته الشخصية تلك الأزمة الآخذة بخناق الوجدان المصرى .. يزعم أنه يستخرج من النصوص الدينية القديمة مفهومات حديثة ..وضع للقرآن تفسيرا (التفسير العصرى للقرآن )، والأول منهما وهو الأستاذ أنيس منصورلا يقل (...) (والمفهوم من الكلمة المحذوفة دجلا عن سابقه والغالب أن الحذف من الكاتب محمد شعير) ..يغرق هذه العقول الشابة فى تيه من الخرافات ذات الأسماء العلمية الغربية... هذان كاتبان يبيعان المخدرات للناس، ولا مجال لهما فى الظاهرة الثقافية، إنهما وغيرهما خفافيش تهرب إذ يمتلأ المكان بالضوء. وعلينا أن نستبعد الأستاذين يوسف السباعى وإحسان عبد القدوس فهما يتجنبان المسائل الصعبة، ويحكيان الحكى السهل اللذيذ ..بعد أن تخدر أو تلغى المناطق الفاعلة المبدعة..أما الأستاذ نجيب محفوظ فهو ظاهرة تمت فى غير وقتنا بعيدة عن الماضى ..لقد نضج فى الأربعينيات من هذا القرن فى وقت له عناصر تكوينه ومزاجه المختلف..وأن له رؤية للواقع لا تنفى الاحتياج الشديد لرؤية الشباب الجديد لهذا الواقع نفسه، وإذا كان فن الأستاذ يتطور مع الزمن فإنه تطويرلا يتناول جوهر الموقف أو الرؤيا أو مكونات الحس والاستجابة "ص39،40
حوت الرسائل آراء نقدية فى الكتابة غاية فى العمق فيقول فى رسالة إلى محمد روميش وهو أديب مصرى من جيل الستينيات "أنا أحب الكتابة والكتّاب وأحب كتَّاب جيلنا بشكل خاص والبعض منهم أرى فيهم وجها من وجوه الحياة والإنسان يندر فى تصورى أن يتكرر"، ويرى أن الإشكالية الذهنية عند روميش مثل الكتاب الكبار كديستويفسكى تتحول لديهم إلى مرض عضوى وهذا لون من توحد الفكر والروح والجسم لا يتاح دائما إنه إخلاص صوفى لا مثيل له ( وهى نظرة فى غاية العمق والرهافة )، يقول إن قصة العازف لإبراهيم أصلان لا تكتب إلا تحت نظام ناصرى وهى إذا كتبت الآن فهى بلا معنى ، ويوجه نقدا إلى السياسة الناصرية التى سعت إلى "الاستحواذ على عقلية أبنائها"ص91 .
ويرى قاسم أن أوساط الناس ليس لهم مجال فى الأدب ، لأنهم أوساط بمعنى أنهم يلتزمون السلوك الاجتماعى المطروح من أوساط الناس، فليس لهم مجال فى الأدب ، لأنهم أوساط بمعنى أنهم يلتزمون السلوك الاجتماعى المطروح من أوساط القوى المسيطرة فى المجتمع يفعلون الصواب ويمتنعون عن الخطأ، (وهو رأى غاية فى العمق والدقة )، ويرى أن المجتمع والنفس عاملان حاسمان فى التاثير على سلوك الفرد جامعا بين فرويد وعلماء الاجتماع .
أما عن اللغة فهو من أكثر الكتاب عناية باللغة وببلاغة الكلمة واللغة تختلف من عمل أدبى إلى آخر يقول " إن تعقد اللحظات يتطلب لغة تقول كثيرا فى كلمات قليلة وتلك لغة الشعر ، ومن الصعب فى رأي أن تتجنب القصة القصيرة اللغة الشعرية سواء كان الأمر كامنا فى الصياغة الأسلوبية أو فى الصورة التى تجسدها الكلمات أو فى المحتوى الذى يقوله انتظام الصور ..اللغة مفروضة علىَّ وهى مختلفة (فى سطور من دفتر الأحوال) عن لغة رواية "قدر الغرف" أو لغة "المهدى" أو لغة "الأخت لأب" ..ويرى أن الكتابة هى محاولة يومية للفهم وتذوق لانتصار الفهم الذى نكتشف بعد بضعة أيام أنه قاصر، فنبدأ نكتب قصة جديدة .
يطرح عبد الحكيم قاسم آراء نقدية فى الكتابة مثيرة للجدل حيث ينتقد الواقعية ويختلف معها والتى تذهب إلى أن (الشخصية ينبغى فى العمل الفنى أن تتكلم وتتصرف بشكل يمكن توقعه منها أو بشكل واقع فى حدود إمكانياتها وهذه أفكار الواقعيين الأوربيين الذين اتسع نفوذهم بعد انتشار الأفكار الاشتراكية بعد الثورة الصناعية فى أوروبا ، لأنه لايمكن خلق صورة للواقع بل هوجدل معه وأنه من الممكن أن ترى ناس لا تنطق بما يتوقع منها بل تتكلم فى مواقف كلاما معجزا وأن واقعية الشخصية وتجنب الخطابية من ثمرات النقد الواقعى الذى دخل مصر على التقليد الماركسى وهذه نظريات نقدية لا ينبغى أن تؤخذ مأخذ المسلمات بل أن يعاد النظر فيها بهدف صوغ نظرية نقدية مصرية جديدة أكثر توافقا مع واقعنا الثقافى وطموحاتنا الفنية ص207 .
ورغم طلاوة الطرح وجاذبيته فإننى أرى أن التوفيق قد خان قاسم وأن رأى صديقه محمد روميش ومحمود عبد الوهاب هما الأقرب صوابا وإلا كانت الشخصيات عبثية وغير مقنعة وتفتقد الصدق الفنى، وربما فسرت آرائه تلك سبب ضعف بعض أعماله الأخيرة خاصة رواية رجوع الشيخ وسطور من دفتر الأحوال .
ومن آرائه فى الحضارة الغربية وخاصة فى ألمانيا أنها قومية مريضة ، تحس بأنها أحسن من الآخرين دائما مظلومة مضطهدة محاصرة متعالون وأن هتلر لم يكن شيئا طارئا فى تاريخ ألمانيا لقد كان أبا ألمانيا معبودا ، لقد رأيت فى التلفزيون هنا ما يسمى مواكب الشموع تحية لهتلر كانت ملايين الفتيات(ملايين بحق) يخرجن فى الليل يحملن الشموع المضاءة وهتلر واقف على المنصة يفرد يديه كمسيح"ص120 وهم يكرهون الدين الاسلامى لأن فيه قدرا عظيما من الحس القومى ، لا يتصور أحد تصورا حقيقيا ما بذلته فرنسا لفرنسة الجزائر وفشل الحزب الشيوعى فى قيادة المقاومة وقادتها عناصر متدينة ..من هذا المنطلق يحقدون على الدين الإسلامى وعلى ثقافتنا القومية إلا إذا كانت انعكاسا لما تراه أوروبا"ص121 وهى أراء فى غاية العمق والشجاعة والاستقلال فى الرأى من شخص ذى توجه شيوعى .
تعتبر الرسالة الأخيرة التى كتبها قاسم قبل شهور من وفاته إلى الدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب يطلب فيها زيادة مكافأته من أكثر الرسائل مأساوية وإيلامًا يقول قاسم"الصديق العزيز الأستاذ الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة ..أكتب لك عشمانا فيك بأن ترفع أجرى عن "أيام الإنسان السبعة " المترجمة إلى ألف جنيه وأن يتم الصرف بسرعة ..إننى محتاج وأنت زميلى وقاضى الحاجات لى"ص7 وهى ليست ضمن الرسائل فى متن الكتاب ولكن الكاتب أوردها أو بعضا منها فى مقدمة الكتاب، والرسالة تعبرعن حالة بؤس الأدب والأدباء فى مصر خاصة ذوى الموهبة الفائقة مثل عبد الحكيم قاسم وعدم تقديره التقدير المادى والنقدى الذى يستحقه فى بلادنا (3)، وهناك من الرسائل الكثيرة التى لم ترد فى الكتاب والتى أرجو من الكاتب الأستاذ محمد شعير أن تصدر فى جزء ثان من الكتاب حتى تكون تلك المعلومات المهمة تحت نظر القراء والباحثين ومتاحة لهم والتى بالتأكيد ستؤثر تأثيرا بالغا فى الكتابة عن أدب الكاتب الكبير عبد الحكيم قاسم .
....................................................................................
الهوامش
( 1) عاش عبد الحكيم قاسم فى غربة وإغتراب من مولده حتى وفاته حيث ولد عام 1935وكانت أمه الزوجة الثالثة لأبيه وعاش فى بيت جده لأمه فى قرية ميت القرشى دقهلية، ثم التحق بمدسة الأقباط الابتدائية، ثم التحق بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، فى عام 1959 ترك الجامعة عقب وفاة والده وعمل بهيئة البريد ثم قبض عليه وحكم عليه بخمس سنوات فى سجن الواحات وأفرج عنه عام 1964، حصل على ليسانس الحقوق عام 1966 وعمل فى هيئة التأمين والمعاشات، فى عام 1974 تلقى دعوة للمشاركة فى ندوة أدبية بألمانيا وظل هناك 11 عاما، بعد عودته خاض انتخابات مجلس الشعب على قائمة الحزب الوطنى عام 1987 وعقب خسارته أصيب بشلل فى يده اليمنى ثم رحل فى نفس العام عن 52 سنة ، من أشهر أعماله رواية أيام الإنسان السبعة، وروايات المهدى ، طرف من خبر الآخرة،الأخت لأب، سطورمن دفتر الأحوال، رجوع الشيخ، تجلى السر فصل من رواية كفرسيدى سليم(لم يكملها)، كما له خمس مجموعات قصصية هى الأشواق والأسى، الظنون والرؤى، الهجرة إلى غير المألوف، ديوان الملحقات، الديوان الأخير (نشرت بعد موته)
(2)الشخصية التراجيدية هى بطل نبيل فى عمل أدبى أومسرحى يتميز بخصال ممتازة لكنه يحمل خللا ما أو يعانى من سوء حظ يؤدى به إلى الهلاك والمأساة وأرى أنه قد توافرت فى عبد الحكيم قاسم صفات الشخصية التراجيدية بإمتياز.
(3) لم ُيقدر عبد الحكيم قاسم التقدير الكافى نقديا إذ لم يتجاوز الكتابة عنه فيما أعلم سوى فى موضعين الأول فى أحد فصول كتاب الرواية الجديدة فى مصر للدكتور محمد بدوى بعنوان استراتيجية السمر الريفى فى أيام الإنسان السبعة وكانت رسالته للدكتوراة ، والثانى كتاب نظرية القراءة روايات عبد الحكيم قاسم د على عفيفى ، ثم شهادة عبد الحكيم قاسم فى مجلة فصول العدد الثالث من المجلد الثانى القاهرة 1983 وهى عدد فليل جدا بالنسبة لهذا الكاتب الكبير.
*قراءة وتعليق مصطفى فودة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...