ناعم زينب جيهان - الطفولة المبكرة في الجزائر: مرحلة مفصلية في بناء الإنسان وتشكيل وعيه:

تُمثّل الطفولة المبكرة مرحلة مفصلية في مسار البناء الإنساني، فهي ليست مجرد فترة زمنية يمرّ بها الطفل، بل مرحلة تأسيسية تُسهم في تشكيل هويته العاطفية والنفسية والمعرفية، وتضع الأسس الأولى لقدراته على الانخراط الإيجابي في المجتمع لاحقًا. في هذه السنوات الأولى يتداخل النمو الوجداني مع التفتح العقلي والتفاعل الاجتماعي، فينشأ الطفل ككلٍّ متكامل لا كمجموعة من القدرات المنفصلة. فالتربية في جوهرها ليست عملية تلقين أو ضبط للسلوك فحسب، بل هي بناء داخلي يبدأ بتمكين الطفل من لغة لعواطفه ومنحه فرصة لفهم ذاته وما يجري بداخله، قبل مطالبته بالامتثال للقواعد. إن الأمان العاطفي شرط أساسي لكل تعلم حقيقي، ولا يمكن للقدرات الذهنية أن تزدهر في بيئة يسودها الاضطراب أو القسوة، كما لا يمكن للحدود أن تكون فعالة إذا فُرضت كقيد قمعي بدل أن تكون إطارًا حاميًا ومحررًا في الوقت ذاته.
وفي السياق الجزائري، تتأثر هذه المرحلة بخصوصيات ثقافية واجتماعية متشابكة، حيث ينعكس التعدد اللغوي، والاختلاف الجهوي، والبنية العائلية الممتدة على أنماط التنشئة المبكرة، فيجد الطفل نفسه أمام رسائل متباينة بين البيت والمدرسة، وبين القيم التقليدية والمعارف التربوية الحديثة. ومن بين السمات البارزة في المجتمع الجزائري استمرار السلطة الأبوية كمرجعية ضابطة لمسار التربية، إذ يُنظر إلى الأب بوصفه الممثل الأعلى للقرار والانضباط، فيما تتحمّل الأم غالبًا عبء الرعاية اليومية والعاطفية. هذا التوزيع التقليدي للأدوار، وإن كان يجد جذوره في الثقافة المحلية، كثيرًا ما يؤدي إلى اختلال في توازن العلاقة التربوية، حيث يتلقّى الطفل أنماطًا مزدوجة من التوجيه: حزم صارم من جهة وحنان مفرط من جهة أخرى، ما قد يُحدث لديه ارتباكًا في استيعاب الحدود ومعنى السلطة. وإلى جانب ذلك، يظل التفريق في التربية بين الذكور والإناث أحد الملامح الموروثة التي تُلقي بظلالها على مسار الطفولة المبكرة، إذ تُمنح الفتيات مساحة أقل من الحرية والاستقلالية مقابل مساحة أوسع للذكور، مما يُرسّخ منذ الطفولة المبكرة تصورات غير متوازنة عن الهوية والأدوار الاجتماعية، ويُضعف فرص بناء شخصية متساوية الكفاءة بين الجنسين.



وتزداد خطورة الأمر حين ندرك أن الأخطاء التربوية البسيطة، التي قد تبدو في ظاهرها عابرة، تُخلّف آثارًا عميقة وطويلة المدى، إذ يمكن أن تُرسّخ مقارنة عابرة أو كلمة قاسية أو تجاهل لدمعة شعورًا بالنقص أو زعزعة للثقة بالنفس يمتد أثره إلى مراحل متقدمة من العمر. وهذا يفرض على المربين والأسر إدراك أن التربية ليست ردود أفعال متسرعة ولا وصفات جاهزة، بل ممارسة واعية متجددة تتطلب النظر أولًا في الذات قبل توجيه الطفل، وفهم دوافع ردود الأفعال والانفعالات قبل إصدار العقاب أو فرض الأوامر. فالتربية الواعية في عمقها فنّ إصغاء للطفل ولذواتنا في آن واحد، وهي استثمار طويل المدى في صناعة إنسان متوازن قادر على حمل سلامه الداخلي إلى مجتمعه، بدل أن يحمل ندوب الخوف والتشويش.
ومن ثم فإن العناية بالطفولة المبكرة في الجزائر لا تُعد ترفًا معرفيًا أو رفاهًا تربويًا، بل هي استحقاق تنموي وحضاري من الدرجة الأولى، يقتضي إعادة صياغة المناهج والسياسات التربوية بما ينسجم مع حاجات الطفل النفسية والمعرفية والاجتماعية، وتجاوز رواسب السلطة الأبوية والتفريق في التربية عبر بناء مقاربات جديدة تقوم على المساواة بين الجنسين، وعلى تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات، وعلى الاستثمار في أدق تفاصيل هذه المرحلة باعتبارها البذرة الأولى التي يتحدد على ضوئها شكل المستقبل فردًا وجماعة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...