ناعم زينب جيهان - محمد تريكي… من "مدينة الغروب" إلى أفق الإبداع: حين يتحوّل علم النفس إلى رواية تنبض بالحياة

في مشهد أدبي جزائري متجدد، يطلّ الكاتب محمد تريكي، ابن مدينة "غروب الشمس" تيسمسيلت، كصوتٍ مختلف استطاع أن يمزج بين التخصص الأكاديمي في علم النفس العيادي وبين الكتابة الإبداعية ليصوغ عوالم روائية تنبض بالوجع والأمل في آنٍ واحد. تريكي ليس مجرّد أديب تقليدي، بل هو أخصائي نفسي ومعلم رئيسي في قسم خاص بأطفال التوحد والمتأخرين ذهنياً ومتلازمة داون (تريزومي 21)، وهو أيضًا ناشط جمعوي ورئيس الجمعية الجزائرية للثقافة والفنون والحرف وترقية السياحة والثقافات الشعبية – مكتب تيسمسيلت. هذا التعدد في الأدوار جعل منه كاتبًا يرى الأدب بعيون الواقع ويترجمه إلى سرد حيّ يتجاوز الترف الفني ليصبح مسؤولية ورسالة إنسانية.
"بي تي أس دي… العودة من الظلام": الرواية التي تفتح ملفات المسكوت عنه
من أبرز أعماله التي تركت بصمة قوية، رواية "بي تي أس دي… العودة من الظلام"، الصادرة عن دار "أدليس بلزمة" في طبعتيها الأولى والثانية. الرواية، وإن كانت قصيرة (107 صفحة)، إلا أنها جاءت مشبعة بالأسئلة الكبرى التي تواجه الإنسان في واقعه المعاصر. فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تتوغّل في أعماق النفس البشرية لتكشف هشاشتها أمام صدمات الفقد والفقر والخيانة والاكتئاب والانتحار.




اختار الكاتب عنوانًا يُحيل مباشرة إلى اضطراب نفسي خطير هو اضطراب الضغط ما بعد الصدمة (PTSD)، ليجعل من الرواية مرآة علمية – أدبية، حيث وظّف أدوات علم النفس العيادي في رسم ملامح بطل الرواية "آدم"، ذلك الطفل الذي فرضت عليه الحياة أن يكبر بين الوجع والانكسارات، ليجد نفسه لاحقًا أسير تراكمات نفسية واجتماعية معقدة. وهنا تتجلى قوة الكاتب، إذ يقدّم لنا معالجة سردية رصينة تجمع بين التشخيص النفسي الدقيق والسرد الفني المشوّق.
بين الطابوهات والواقع… الأدب كأداة كسر الصمت
لم يتوقف محمد تريكي عند حدود معالجة الاضطرابات النفسية في نصوصه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال روايته "طابوهات على لسان الشؤم" الصادرة عن دار "تحفة" للنشر والتوزيع. الرواية تسلّط الضوء على المسكوت عنه في المجتمع، تلك القضايا التي يهاب الناس حتى مجرد ذكرها: من الحب في مرحلة المراهقة وما يرافقه من انحرافات، إلى النظرة المجتمعية الجائرة للمرأة المطلقة، وصولاً إلى موضوعات حساسة كعمل المرأة وما تتعرض له من ضغوط وابتزازات.
العنوان بحد ذاته "طابوهات على لسان الشؤم" يكشف جرأة الكاتب في مواجهة الموروثات الاجتماعية، إذ يربط بين ثقافة الصمت والخوف وبين النظرة السلبية التي تلاحق الفرد، خصوصًا المرأة، حين يخرج عن الأعراف السائدة. إنها رواية تنبش في عمق البنية الاجتماعية الجزائرية والعربية، وتدعو القارئ لإعادة التفكير: هل نعيش وفق الدين الحق أم وفق العرف والمجتمع؟
كاتب بين التنظير والممارسة:
بعيدًا عن الروايات، يمتلك محمد تريكي تجربة ثرية في الإشراف والمشاركة في عشرات الكتب الجماعية مثل: "طريقي إلى الهداية"، "جزائرنا سيمفونية التاريخ والحضارة"، "نزيف تحت الركام"، "ضوء في نهاية النفق" وغيرها. كما نشر العديد من المقالات في الصحف والمجلات الجزائرية والعربية، ما يجعل حضوره الأدبي والإعلامي متجذرًا ومتعدد الأبعاد.
تكريمه محليًا، ووطنيًا، وحتى دوليًا، يعكس مكانته في الوسط الأدبي والثقافي، لكن الأهم أن أعماله استطاعت أن تصل إلى وجدان القرّاء، حيث لاقت رواياته صدى واسعًا في ولايات عدة داخل الجزائر (تيسمسيلت، وهران، العاصمة، سطيف...) وحتى خارجها مثل قطر.
بين قسوة الواقع وجمالية السرد:
ما يميز محمد تريكي هو تلك القدرة على جعل القارئ يعيش حالة تأرجح وجداني بين البكاء والابتسام، بين الألم والأمل. نصوصه ليست سهلة الهضم؛ إنها نصوص تضعك أمام مرآة نفسك، وتكشف ما قد تحاول إخفاءه. فهو لا يكتب للتسلية، بل يكتب كي يوقظ الوعي ويُشرّع باب النقاش حول قضايا مسكوت عنها.
إن تجربة محمد تريكي تؤكد أن الأدب ليس انعزالًا عن الواقع، بل هو إعادة صياغة له بمنظور فني وإنساني. فهو يكتب بروح الأخصائي النفسي، لكنه لا يفقد حساسية الفنان وجرأة المثقف. وبين "العودة من الظلام" وكسر الطابوهات، يواصل تريكي مسيرته ليبرهن أن الرواية الجزائرية قادرة على أن تفتح آفاقًا جديدة، وأن تظل أداة تفكير ونقد وبناء.


ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...