ناعم زينب جيهان - رابح كريم... الأدب كمرآة للذات والواقع

من قلب ولاية سطيف، وفي عمر التاسعة والعشرين، يطلّ علينا رابح كريم كأحد أبرز الأصوات الأدبية الشابة التي تفرض حضورها في الساحة الثقافية الجزائرية والعربية. يجمع بين خلفيته العلمية في العلوم الطبيعية والحياة، وشغفه بعلم النفس، وميله الفطري إلى الأدب، ليقدم نصوصًا وروايات ليست مجرد سردٍ للحكايات، بل محاولات جادة لتفكيك النفس الإنسانية، وتشريح أعماقها الخفية.
البدايات… إرهاق الكلمات وبداية المسار
انطلقت رحلة كريم الأدبية بإصداره الأول "إرهاق" عن دار الأنٌس للنشر والتوزيع، وهو مجموعة نصوص حملت بصمات أولى لأسلوبه المتفرد، حيث ينساب النص بين التأملات الفكرية والبوح الوجداني. كان الكتاب بمثابة إعلان عن ميلاد كاتب يبحث في المسكوت عنه داخل النفس البشرية.
الرواية… من العاصفة إلى الولادة الجديدة
توالت بعد ذلك أعماله الروائية، فكانت روايته الثانية "ميستريوس ستورم بين البوح واللوح" (دار ماروشكا)، تجربة روائية نفسية اجتماعية لاقت صدى واسعًا، واستطاعت أن تبلغ القائمة الطويلة لمسابقة دار أكوان المصرية، ما شكّل اعترافًا عربيًا مبكرًا بموهبته.
لكن المحطة المفصلية كانت مع روايته الثالثة "هل هذه أنت؟ – عقم رحلة وميلاد جديد" (دار فهرنهايت للنشر والتوزيع)، التي لم تكتف بفتح أسئلة وجودية ونفسية عميقة، بل تألقت أيضًا على مستوى التتويجات، حيث وصلت إلى القائمة القصيرة لثلاث مسابقات عربية مرموقة:
مسابقة دار فواصل للنشر والتوزيع بورقلة.
مسابقة دار ديوان العرب المصرية.
مسابقة الدار المصرية السودانية الإماراتية.
هذا الحضور لم يكن صدفة، بل ثمرة قلمٍ واعٍ اختار أن يكتب الرواية كفضاء للتفكير والتحليل، لا كترف أدبي عابر.



الأدب النفسي… مشروع حياة
لا يكتب رابح كريم روايات لمجرد الحكي، بل يضع نصب عينيه هدفًا أكبر: تحويل الرواية إلى مختبر نفسي، يضع فيه القارئ أمام ذاته، وجهاً لوجه.
شخصياته تعاني من الهلوسة والاكتئاب والرهاب والخوف، وتصارع مع ماضيها، كما تواجه أسئلة عن الصداقة والكراهية والمحبة والإخوة. لكن النص لا يقف عند حدود التشخيص، بل يحاول أن يلمّح إلى طرق للخلاص أو التخفيف، فيمزج بين الأدب كفن، والنفس كعلم، ليمنح قارئه تجربة مزدوجة: جمالية وفكرية، وجودية وإنسانية.
في حواراته، يؤكد كريم أنه لا يكتب فقط من أجل الترفيه أو جذب الانتباه، بل لأنه يرى أن الأدب يجب أن يكون أداة وعي وتحرير، وأن كل رواية هي بمثابة رحلة علاجية داخلية لكل قارئ، يمكن أن تضيء له مناطق مظلمة وتفتح له نوافذ جديدة.
حضور ثقافي وإعلامي:
لم يكتف كريم بالكتابة، بل كان حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي الجزائري من خلال مشاركاته في معارض الكتاب الوطنية والدولية، إلى جانب مشاركته في ورشات تكوينية متخصصة في الرواية والكتابة المسرحية. كما حضر في الإعلام عبر برامج تلفزيونية مثل "أوراق في الظل" على قناة السلام و"مرحبا" على القناة الوطنية الرابعة، إضافة إلى إطلالات إذاعية في إذاعة البهجة والإذاعة الثقافية.
صحف وطنية على غرار الأوراس، المساء، عين الجزائر خصّصت له حوارات مطوّلة، ما يعكس الاهتمام النقدي بما يقدمه من أعمال.
وقد تُوّج هذا المسار المبكر بفوزه بـ المرتبة الثالثة في المسابقة الوطنية للكتابة الإبداعية (الطبعة السابعة – ولاية المسيلة، فرع القصة القصيرة)، ليؤكد أن تجربته ليست مجرد محاولة فردية، بل مشروع أدبي متكامل.
بين العلم والأدب… رؤية مختلفة
ما يميز رابح كريم أنه ليس كاتبًا تقليديًا، بل ابن خلفية علمية في مجال العلوم الطبيعية والحياة، ما أكسبه نظرة تحليلية دقيقة، وظّفها في أعماله الأدبية. اهتمامه بعلم النفس، وانفتاحه على التجربة الإنسانية بكل أبعادها، جعلاه يكتب بروح الباحث والإنسان معًا، واضعًا أمامه غاية نبيلة: أن يكون الأدب مرآة صادقة للنفس والواقع.
المستقبل… قلم يَعِد بالكثير
اليوم، يقف كريم عند عتبة مرحلة جديدة من مسيرته، محمّلًا برصيد مهم من الإصدارات، وتجربة غنية بالجوائز والحضور الإعلامي. ومع ذلك، لا يزال يعتبر أن كل ما أنجزه ليس سوى بداية، وأن القادم سيكون أكثر عمقًا وثراءً.
إنه نموذج الكاتب الجزائري الشاب الذي يجمع بين الجدية والطموح، وبين الالتزام الأدبي والوعي الفكري، في زمن يبحث فيه القارئ عن نصوص تمنحه متعة القراءة وصدق المواجهة مع الذات.
بقلم: ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...