ناعم زينب جيهان - ابتكار جزائري يخطو نحو العالمية… قصة ڨرڨور زهرة التي جمعت بين الذكاء الاصطناعي و عالم الفلاحة

في عمر الخامسة والعشرين فقط، استطاعت الطالبة الجزائرية ڨرڨور زهرة، ابنة قصر الشلالة بولاية تيارت، أن تضع بصمتها في مجال علمي مبتكر يجمع بين تخصصها في البيئة النباتية وشغفها بالتكنولوجيا الحديثة. لم تكن مجرد طالبة باحثة، بل تحوّلت إلى أيقونة أمل لجيلٍ كامل من الطلبة والطالبات في الجزائر، بفضل مثابرتها وتفوقها ورغبتها في جعل العلم أداة لخدمة المجتمع.



طالبة متفوقة تحوّلت إلى باحثة مبتكرة:
زهرة التي وُلدت ونشأت في قصر الشلالة، ودرست في ملحقة قصر الشلالة التابعة لجامعة ابن خلدون – تيارت، لم تكن مجرّد طالبة عادية، بل مثالًا للجدية والجد والاجتهاد منذ أولى سنواتها الدراسية. فمن الابتدائي إلى الثانوي، كانت دائمًا ضمن الأوائل، وحين وصلت إلى الجامعة واصلت على نفس النهج، لتكون الأولى على دفعتها طيلة خمس سنوات كاملة.
وبالنسبة لها، لم يكن الحصول على الدكتوراه مجرد محطة أكاديمية عابرة، بل كان حلمًا رافقها منذ سنوات، فسعت إليه بخطوات ثابتة حتى حققته، لتتوج مسيرتها العلمية بالتحاقها بمرحلة الدكتوراه في علم البيئة النباتية (Écologie végétale) بجامعة نور البشير – البيض، بعد أن أنهت دراستها للماستر في النظم البيئية السهبية والصحراوية (Écosystème steppique et saharien).
وتؤكد زهرة أن الفضل في عشقها للتخصص يعود بدرجة كبيرة إلى أستاذتها المشرفة الدكتورة الشادلي سهيلة، التي زرعت فيها هذا الشغف بالبيئة وعرفتها على جماليات البحث في الأنظمة النباتية. تقول زهرة: "أستاذتي لم تكن مجرد مشرفة، بل كانت مصدر إلهام، جعلتني أرى أن العلم رسالة سامية، وأن التخصص ليس مجرد دراسة بل عشق يستحق التضحية."
الفكرة التي ولدت من معاناة الفلاحين:
رغم أن مجال دراستها يركّز على الأنظمة البيئية في البيئات الجافة وشبه الجافة، فإن زهرة لم تقف عند حدود التخصص الأكاديمي، بل قررت أن تبحث عن حل عملي لمشكلة تؤرق فلاحي منطقتها: ضعف مردود الزيتون رغم الجهد والتكاليف الكبيرة المبذولة.
من هنا، وُلدت فكرة مشروعها: تطبيق ذكي يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة وتطوير قطاع الزيتون.
التطبيق يتيح للفلاحين:
اختيار النوعية الأنسب للمناخ والتربة.
تحديد طرق الري الفعالة لتفادي الهدر المائي.
رصد الأمراض مبكرًا ومعالجتها قبل فوات الأوان.
الاستفادة من صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة لمتابعة الغطاء النباتي والتغيرات المناخية.
من فكرة إلى براءة اختراع:
مشروع زهرة لم يكن مجرد فكرة على الورق، بل تُوّج بالحصول على براءة اختراع، ليصبح مثالًا حيًا على كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى خدمة مباشرة للمجتمع والبيئة.
ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة مثابرة واجتهاد. فقد التحقت زهرة بدورات تكوينية في الذكاء الاصطناعي رغم بُعدها عن مجالها الأصلي، لتتمكن من فهم البرمجة والتحليل الرقمي، وتربط بذلك بين مجال البيئة والتكنولوجيا الحديثة في مشروع واحد متكامل.
أيقونة مثابرة… وعائلة داعمة:
زهرة تعترف بأن نجاحها لم يكن ممكنًا لولا دعم من حولها. فقد كانت الدكتورة الشادلي سهيلة "السند الأول" الذي ذلل أمامها الصعوبات، وفتح أمامها الأبواب لمواصلة البحث، كما كان لعائلتها حضور قوي في كل محطة، يشجعونها ويدفعونها للاستمرار. تقول زهرة بابتسامة:
"وقفوا معي في كل شيء، من أيام التعب إلى لحظات الفرح، وكانوا القوة التي حملتني نحو النجاح."
الزيتون… من رمز الأرض إلى رمز الابتكار:
ما يميز مشروع زهرة أنه لم يبتعد عن هويتها ولا عن بيئتها. فالزيتون ليس مجرد محصول زراعي في الجزائر، بل هو رمز للأرض والجذور والبركة. ومن خلال مشروعها، أرادت أن تعطي لهذا الرمز بعدًا جديدًا: أن يصبح أيضًا رمزًا للابتكار والاستدامة.
فمنطقة قصر الشلالة، ذات الطبيعة السهبية الجافة، لطالما عانت من التغيرات المناخية وشح الموارد المائية. واليوم، بفضل مشروع زهرة، يمكن أن تتحول إلى نموذج لكيفية توظيف العلم في مواجهة تحديات البيئة والزراعة.
رسالة زهرة إلى شباب الجزائر:
تقول ڨرڨور زهرة:
"الإبداع لا يحتاج إلى مدينة كبرى ولا إلى إمكانيات ضخمة، بل يحتاج إلى شغف وإصرار. أنا ابنة قصر الشلالة، مدينة صغيرة، لكنني آمنت أن الفكرة الكبيرة يمكن أن تنطلق من أي مكان لتصل إلى كل مكان. إلى شباب الجزائر أقول: لا تنتظروا الظروف المثالية، بل اصنعوا أنتم الظروف، فالعلم والإرادة كفيلان بأن يفتحا لكم الأبواب التي تظنونها مغلقة."
نحو المستقبل:
وبإصرارها وعزيمتها، تواصل زهرة اليوم العمل على تطوير مشروعها وتجسيده على أرض الواقع، ليصبح الزيتون رمز الأرض والخير أكثر إنتاجية واستدامة بفضل ذكاء اصطناعي جزائري الهوية. تقول بثقة:
"بإذن الله سأسعى لمراتب أعلى وأسمى واترك اسمي يلمع في هذا المجال."
ڨرڨور زهرة… صورة مشرقة للمرأة الجزائرية:
إن رحلة ڨرڨور زهرة ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي انعكاس لصورة المرأة الجزائرية الطموحة التي تجمع بين التفوق الأكاديمي والالتزام المجتمعي. لقد أثبتت أن المرأة قادرة على اقتحام أصعب المجالات، والمزج بين العلم والابتكار، لتصبح نموذجًا يُحتذى به ليس فقط لبنات جيلها، بل لكل الشباب الجزائري. ومن قصر الشلالة، تكتب زهرة اليوم فصلًا جديدًا في كتاب المرأة الجزائرية المبدعة، فصلًا عنوانه: الإرادة أقوى من الظروف، والعلم أجمل طريق نحو المستقبل.


ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...