ويسألونك عني" للشاعرة خديجة بن عادل...
حين يتحول النص إلى مرآة للروح
قراءة تأويلية – انطباعية
بقلم - أيمن دراوشة
حين يتحول النص إلى مرآة للروح
قراءة تأويلية – انطباعية
بقلم - أيمن دراوشة
مرة أخرى، أمسك بديوان "ويسألونك عني" للكاتبة خديجة بن عادل. أشعر أنني لا أقرأ كلمات عادية، بل أتتبع نبض روح تبحث عن معنى ما. الكتابة هنا ليست مجرد جمل متراصة، إنها أشبه ببوح داخلي عميق، كما أنها ليست زخرفة لغوية، وليست لعبًا بالصور، بل هي محاولة عميقة لإعادة تعريف الذات وسط عالم صاخب بالأسئلة.
أود أن أبدأ بشكر خاص للكاتبة. لقد قدّمت لنا شعرًا صادقًا لا يتصنع المشاعر. الكتابة بهذه الطريقة تحتاج إلى شجاعة، لأنَّ الكاتب يضع جزءًا من روحه بين يدي القارئ. وهذا شيء نادر هذه الأيام.
ما يلفت الانتباه في هذا العمل هو تلك اللغة الشاعرية التي تلامس القلب. الكلمات لا تسرد فقط، بل تخلق صورًا وتثير مشاعر. تقول الكاتبة في أحد المقاطع:
"أتى الله بقلبي الخلّي عشقًا، فأشرقت بأنواره المعاني وكلّ الدنيا". هذه العبارات تجعل القارئ يتوقف ليتأمل المعنى الخفي.
هناك أيضًا ذلك البعد الصوفي الذي يظهر بوضوح. النصوص لا تتحدث عن أمور سطحية، بل تغوص في الأسئلة الكبيرة عن الوجود والحب والحقيقة.
ما يميز هذه النصوص حقًّا هو ذلك الطابع الشعري الخاص الذي يصعب العثور عليه في كتابات أخرى. الكلمات هنا تحمل إحساسًا مختلفًا، مليئة بالرموز والتخيلات التي تدفعك للتوقف عند كل فكرة.
هناك جانب صوفي واضح في الكتابة، حيث يصبح الحديث مع الذكرى أشبه بصلاة، والغياب يتحول إلى وجود من نوع آخر. في إحدى الجمل تقول الكاتبة: إنَّ قلبها أصبح سيلًا أزرق من النسمة، وكأنَّ القلب لم يعد مجرد عضو عادي، بل تحول إلى عالم صغير يحمل أسرارًا عميقة.
الجرأة في التجريب واضحة أيضًا، فالشاعرة لا تلتزم بقوالب تقليدية، بل تتنقل بين أشكال مختلفة. نجد خليطًا من قصائد النثر، وحوارات داخلية، وتأملات فلسفية، وفي بعض المقاطع نلاحظ محاولة جريئة لكسر القواعد اللغوية المعتادة لخلق إيقاع جديد.
لكن ربما أهم ما في هذه النصوص هو صدق المشاعر التي ليست مجرد كلمات مزينة، بل تبدو وكأنها خرجت من قلب يعيش التجربة بحقيقتها. هذا ما يجعل القارئ يشعر بقرب من النص، حتى لو لم يفهم كل الرموز المستخدمة.
الشاعرة منحتنا عملًا يفيض بالصدق، ولم تتخفَّ وراء الأقنعة، بل وضعت قلبها على الورق، بكل ما فيه من وجعٍ وتوهّج. أن تكتب بهذا العمق يعني أنك تغامر بروحك أمام قارئ قد يحتضنك أو قد يتردد أمام غموضك. هذه الشجاعة وحدها تكفي لتجعل الكتاب جديرًا بالاحتفاء.
إشراقات الديوان:
1- اللغة الشعرية
القصائد مكتوبة بوهج شعري من النادر أن نصادفه. لغة مليئة بالرموز والخيال، قادرة على إيقاف القارئ عند كل جملة.
تقول الكاتبة في إهدائها لوالديها:
أتيت الله بقلبي الخلي عشقًا،
فأشرقت بأنواره المعاني وكلّ الدنا
هنا يتحول القلب إلى مصباح، والعشق إلى نور يضيء الوجود.
2- البعد الصوفي
تسكن هذه النصوص في فضاء صوفي خالص حيث تصور الشاعرة لحظة انقشاع الظلام وذوبان الحدود بين الكلمات والأجساد، ليتحوّل اللقاء بين قلبين إلى وحدة روحية يضيئها الود والنور الداخلي.
تقول:
تتبدد العتمة
خارج معالم الحروف
ثمة وجهان، بل قلبان
الود بنور الروح، أتوحد
3- صدق التجربة
كُتبت القصائد بصدق وشعور طاغٍ فلم تكم محاولة للزينة اللفظية، بل صادرة من قلبٍ يحترق. وهذا ما يجعل القارئ، حتى لو لم يفهم كل الرموز، يشعر بحرارة التجربة
4- التجريب والجرأة
الشاعرة لا ترضخ للشكل التقليدي، بل تكتب مقاطع مفتوحة، تتأرجح بين قصيدة النثر، والمونولوج الداخلي، والخاطرة الفلسفية. ومن ذلك قولها:
"بين آن وآن، فتبرق صوامع الخلجان"
هنا نلمس جرأة في تفجير اللغة وإعادة ترتيبها لتخلق إيقاعًا جديدًا.
5- الإفراط في الغموض
في بعض المقاطح نلحظ غموضًا ربما يتسبب في إرهاق القارئ، ويُشعره أنه أمام جدار لغوي مغلق.
وقوسي
سحرًا معجونًا.. نجمًا دؤوبًا
في ريق الملكوت
يضرب مسًّا بمَس
يهمس في أذن الغنج
القيمة الشعرية
العمل ثري ومختلف، وهو ليس كتابًا للقراءة السريعة، بل نصوصًا تستدعي التوقف، وربما إعادة القراءة أكثر من مرة. هو مؤلَّف يسير على الحافة: حافة الفلسفة، وحافة الصوفية، وحافة الشعر.
الكاتبة كصوت نسوي جديد
خديجة بن عادل تظهر كصوت نسوي مميز، ليس مجرد صوت يروي تجارب شخصية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى عالم أوسع، عالم الروح والكون. في كتابها، تحاول أن ترسم صورة لامرأة تبحث عن شيء أكبر من نفسها، شيء مقدس ربما. هذا النوع من الكتابة يضيف شيئًا جديدًا للأدب العربي في وقتنا الحالي.
في النهاية، أود أن أقول للكاتبة شكرًا لكِ؛ لأنكِ منحتنا هذه التجربة الفريدة. وشكرًا لأنكِ كتبتِ بروحكِ وليس فقط بقلمك.