سيد التوني - إشكالية التلقي وسوء الفهم لقصيدة النثر

لم تكن قصيدة النثر، منذ بداياتها، مجرد تمرّد شكلي على بحور الخليل أو على التفعيلة، بل كانت في جوهرها إعادة بناء لذائقة القارئ، أو بالأحرى هزّ جهاز التلقي التقليدي من جذوره. ولعل الصعوبة الكبرى التي واجهتها لم تكن في شرعية وجودها كجنس أدبي، بل في قدرتها على أن تُقنع القارئ أن الشعر يمكن أن يكون خارج الوزن، وأن موسيقاه قد تتولّد من صمت أو من تكرار خافت، لا من قافية صاخبة.
المسألة إذن ليست أزمة نص، بل أزمة قارئ. القارئ الذي يتربّى على أن الشعر موسيقى خارجية يتعثر حين يقرأ نصًا مثل قول عبد المنعم رمضان:
"لم نعد نعرف من أين يأتي الغبار،
من خطو الأحبة أم من تفتّت الكلام.
كلما هممنا بالنجاة،
نضع الحبال حول أعناقنا
وننتظر أن يصفّر القطار..."
هنا الجمال كله ينهض من الإيقاع الباطني: حركة التكرار ("من... أم من...")، والانكسار الدرامي في "نضع الحبال حول أعناقنا"، والفراغات التي تصنع إيقاعًا خفيًا لا تدركه الأذن بل يلتقطه الوجدان. لكن قارئًا مقيّدًا بالوزن سيرى النص مجرد نثر لا أكثر.
الأمر نفسه نلمحه عند محمد الماغوط، الذي كان أوضح من فجّر هذا الالتباس بين الشعر والنثر، يقول:
"السماء مطفأة،
والشوارع بلا فوانيس،
وأنا وحدي...
أحمل مظلّة مثقوبة
وأبحث عن وطن
بحجم كفّي."
الماغوط لم يطلب من القارئ أن يُصغي لبحر الطويل أو الكامل، بل أن يتأمل العزلة الكونية المتجسدة في صورة مظلّة مثقوبة. هنا القصيدة تُحدث أثرها العاطفي مباشرة، لكنها قد تُرفض لأنها لم تُلبِّ توقعات أذن تربّت على البحور.
ويشتد الالتباس عند حسب الشيخ جعفر في نصوصه المائزة، مثل قوله:
"في الطريق إلى داري
تسبقني الحقول وتتعثر،
والليل يرفع أكمامه
ليخفي عني نجومه.
أعود... ولا أعود."
التوتر بين "أعود... ولا أعود" يكثّف كل ما أراده الشاعر: اغتراب الذات وتنافر العالم. غير أن قارئًا تقليديًا قد يُبادر بالقول: "أين الوزن؟" غافلًا عن أن الوزن هنا قد تحوّل إلى إيقاع دلالي، لا حسابي.
أما عند إيمان مرسال، فنحن أمام ما يمكن تسميته شعرية البساطة الموحية، حين تقول:
"كل ما أردته أن أضع رأسي على كتفك
كما تضع القطط رؤوسها على الحجر الدافئ،
لكنك كنت مشغولًا
بالحديث عن التاريخ."
قصيدتها تُعيد تعريف الحميمية والهشاشة، بعيدًا عن أي صخب إيقاعي. القارئ الذي يصرّ على البحور لن يجد هنا سوى "خواطر"، بينما القارئ الذي يملك أذنًا أخرى سيُدرك أن اللغة نفسها صارت جسدًا يتنفس.
وجمال القصاص يذهب في اتجاه آخر، حين يجعل الصورة هي الموسيقى ذاتها:
"أغسل وجهي بظلّي،
وأترك خطواتي معلّقة
على مشجب الريح،
كي لا يسرقها العابرون."
هنا الإيقاع ليس في الوزن بل في حركة الصورة ذاتها، في الانتقال المفاجئ من "غسل الوجه بالظل" إلى "تعليق الخطوات"، حيث اللغة تتحوّل إلى سلسلة من انزياحات متتابعة تشكّل إيقاعًا داخليًا.
وإذا أردنا أن نلمس هذا الإيقاع المركّب عند جيل أحدث، يكفينا أن نقرأ لمحمد أبو زيد قوله:
"في المساء،
حين تنام المدن
وتستيقظ القطط على الأرصفة،
أفتّش في جيوب معطفي
عن اسم جديد للحزن."
الإيقاع هنا ناعم، يتشكّل من الانتقالات الهادئة بين "المساء" و"المدن النائمة" و"القطط"، حتى يصل إلى ذروة "اسم جديد للحزن". إنها موسيقى تصنعها المدارج البصرية للنص، لا البحر الشعري.
من كل هذه الشواهد يتضح أن إشكالية التلقي ليست في النصوص نفسها، بل في القراء الذين لم يحدّثوا أفقهم الجمالي بعد. قصيدة النثر تُطالبنا أن نقرأها بوعي جديد: وعي يضع الوزن كخيار تاريخي، لا كجوهر أبدي للشعر.
إن سوء الفهم هذا ليس أكثر من عرض انتقالي. ومع مرور الوقت، حين تتشكل الذائقة من جديد، سيتبيّن أن قصيدة النثر لم تكن خيانة للشعر، بل إعادة تعريف له، وإعادة فتح لأسئلته الكبرى: هل الشعر موسيقى الأذن وحدها، أم موسيقى الروح أيضًا.
سيد التوني القاهرة في سبتمبر 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...