إسماعيل أزيات - "المقارنة" الناقصة...

نشر يعقوب صرّوف (1852 ـ 1927) في مجلته "المقتطف" شهر مايو 1886 مقالة "يقارن" فيها بين الشاعر العربي أبي العلاء المعري (973م ـ 1057م) وبين الشاعر الإنجليزي جون ملتون (168 ـ 1674).
إدراك الآخر (الغرب) شرع في البزوغ.
كيف أجرى صرّوف "مقارنته" أو مقابلته؟
في البدء ركّز على المشترك بين شخصيتي الشاعرين من جوانب ثلاثة: سعة العلم، الذكاء النّادر، وهما معا أثمرا غزارة في إنتاج الكتب ثمّ حرية الرأي. وقدّم لكل جانب شواهد مناسبة من زاوية نظره. مثلا، تفتّقت موهبتهما الشعرية في عمر مبكّر (المعري في الاثنتي عشرة وملتون في الخامسة عشرة)، كلاهما سافرا من أجل المعرفة (المعري إلى بغداد ومكتبتها، وملتون إلى إيطاليا ومكتبة الفاتيكان)، هما معا آمنا بحرية الرأي (ذكر صرّوف، في هذا الصدد، شكّ المعرّي وموقفه الشهير مع الشريف المرتضى.. بينما ملتون زار العالم جاليليو وهو سجين محاكم التفتيش دون خوف من رجال الدين المتعصّبين، فضلا عن



مهاجمته القوية للملكية وأنصارها..).
لكنّ المثير للانتباه أنّ "المقارنة" بين الشاعرين من حيث الإنتاج الأدبي أغفلت تماما الإشارة إلى كتاب بالغ الأهمية للمعرّي وهو "رسالة الغفران". ليس لها ذكر إطلاقا، بينما تمّ ذكر "الفردوس المفقود" لملتون.
هذا الإغفال يطرح أكثر من علامة استفهام: هل إنّ صرّوف كان يجهل رسالة المعرّي، فلم يسمع بها ولم يقرأها؟ هل استبعدها لأنّها ليست شعرا ولا يجوز أن تقارن بقصيدة الفردوس؟ هل إنّ "رسالة الغفران" كانت كتابا مخطوطا في ذلك الوقت، ومن ثمّ فهي في حكم غير الموجود؟
"غرقت "رسالة الغفران" في بحر اللامبالاة لعدّة قرون، إلى أن أهلّ القرن العشرون، فاكتشفها البريطاني رينولد نيكولسون" هذا ما كتبه الأستاذ عبد الفتاح كيليطو في "التخلي عن الأدب" (ص42). لكنّه لم يترجمها، وإنّما كتب عنها وربطها بالكوميديا الإلهية لدانتي، " (تاريخ الأدب العربي،1907). و"منذ ذلك الوقت بدأت قصّتها، قصة جميلة تُروى وتتناقلها الألسن" (التخلي عن الأدب، ص42).
لم تتحقّق الترجمات الفعلية للرسالة إلاّ في ثلاثينيات القرن العشرين.
يعقوب صرّوف إذن لم يلتفت إلى رسالة المعرّي جهلا، وإنّما، على الأرجح، لعدم اكتراث!
ما هي خلاصته على هذا الصعيد الأول؟ يرى أنّهما اتّفقا "في عمى البصر، وحدّة البصيرة، وتوقّد الذهن، وسرعة الخاطر، وحرية الفكر، والمجاهرة بالرأي ولو خالف الجمهور..."
أمّا على صعيد الشعر، فهناك اختلاف جوهري "في الوضع والأسلوب". من الأحسن أن أورد ما قاله بخصوصهما لمتعته وفائدته :
"إنّ أشعار أبي العلاء جنّات فيها من كلّ فاكهة زوجان،ولكنّها منفصلة متفرّقة، وكلّ جنّة، بل كلّ دوحة، قائمة بنفسها، ومستقلّة بغرسها، فهي كأمثال سليمان، أو كحكم لقمان، أو كالحكايات الأدبية الموضوعة على ألسنة الحيوانات، أو كشذور الذهب المنتشرة بين الصخور، أو كحجارة الماس المتفرّقة بين الرّمال (...) وأمّا أشعار ملتن فكالمدن الكبيرة، الكثيرة الأسواق والشوارع، والبيوت والمصانع، يتنقّل فيها الغريب من حال إلى حال: فيرى كلّ يوم شيئا جديدا، يصادف في كلّ بيت معنى فريدا. أو كالبحار الواسعة الأطراف، .. أو كعنان السّماء.. أو كبساط الأرض.. أو كالمكاتب (يعني المكتبات) الكبيرة، الجامعة من نخب الكتب التاريخية والأدبية والعلمية والعملية. فالذي يقرأ مثلا، "الفردوس المفقود" يطّلع على أكثر معارف المتقدّمين والمتأخرين، حقيقية كانت أو وهمية، منظومة الفرائد، محبوكة القلائد، مكسوة من البلاغة حللا، ومن النظم نسيبا وغزلا ـ يرى فيه خطب القوّاد، ومؤامرات الأشرار، وتعاليم الصالحين، ومسامرات العاشقين، ... وكلّ ذلك يستطرد بعضه بعضا على أحسن أسلوب، حتى كأنّ الذي يقرأ يقرأ ابلغ رواية غرامية، أو قصة تاريخية، ، ضرب فيها الخيال أطنابه، ونصب التصوير عليها قبابه"..
هذا الاختلاف بين أبي العلاء وملتون عائد بحق، كما كتب صرّوف، إلى "الوضع والأسلوب" أي إلى الزمن والنوع الأدبي، وهذا أمر واقع.
لكن ماذا كان سيقول لو أمكنه الاطّلاع على "رسالة العفران"، فردوس المعرّي؟
الطريف أنّ بين الشاعرين، رغم ذلك، بعض المعاني المشتركة القليلة، منها انعكاس صورة الإبل ـ مع السماء ونجومها ـ على صفحة الماء عند المعرّي، شبيهة بما قالته حوّاء وهي ترى صورتها منعكسة هي الأخرى على صفحة الماء عند ملتون...
أبعد من "المقارنة" في خطواتها الأولى عند يعقوب صرّوف، نلمح المعرفة ونمط الكتابة في زمن بين زمنين...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...