أ. د. عادل الأسطة - هوامش من وحي ما يجري في غزة... تداعيات الحرب في غزة ٢٠٢٣ -ملف -ج7- (101--115)

ج7

101- عن الدموع والعواطف والبكاء

في صباح ١٤ أيلول كتب الناشط الغزاوي عبد الكريم عاشور الذي عاش أخوه في بيروت، أيام حصارها في العام ١٩٨٢ وخرج مع الخارجين، ومن المؤكد أنه قص عليه الكثير عن النزوح، كتب هو الذي سينزح في ١٨/ ٩/ ٢٠٢٥ عن غزة نحو جنوب القطاع، في يومياته «يحدث في غزة»، الآتي:
«عالم المصالح لا يعرف الرحمة، وغزة منسية.
كما الأفراد، تحرك الدول المصالح فقط، لا القيم والمبادئ. فلا تغرنكم الشعارات الغربية عن «الشرعية الدولية»، و»حقوق الإنسان»، و»القيم الإنسانية المشتركة». كل هذه الخطب ليست سوى ستار مزخرف يخفي الحقيقة العارية:
في عالم اليوم، لا يحكم سوى المصالح، ولا شيء غير المصالح.
الشعارات بلا وزن، والعواطف بلا قيمة. وحدها القوة الملموسة تمنح الاعتبار.
وإن لم تمتلك بلدك تميزاً نسبياً في أحد المجالات الآتية:
- إنتاج صناعي أو سلعي متطور/ - موارد طبيعية فريدة/- صناعة فكر وثقافة «قوة ناعمة»/- موقع جغرافي استراتيجي، فإنك ستجد نفسك عارياً منبوذاً بلا قيمة بلا تأثير.. ضائعاً في هذا العالم القاسي».
ويرى أن غزة لا تملك أياً من هذه المزايا، ولهذا فإن مصيرها مكشوف وعجزها كذلك. إنها ليست مكاناً، بل صرخة في صمت المصالح يتجاهلها الأقربون كما القوى الكبرى.
إنها لا تعني، للعالم الخارجي، شيئاً، وإن كانت للغزي كل شيء. إن العواطف والبكاء والدموع بلا قيمة، وهذا موقف شخص كلاسيكي، والكلاسيكية بخلاف الرومانسية، فقد حلت الأخيرة المشاكل بذرف الدموع وقدمت العاطفة على العقل، وكانت لذلك موضع سخرية الأولى.
ويبدو أن ما رآه عاشور يصيب كبد الحقيقة، فبعد العام ١٩٤٨ بكى الفلسطينيون الديار في حياتهم وفي أكثر أدبياتهم ولم يفعلوا شيئاً، وظلوا قابعين في خيامهم أولاً وفي بيوتهم الإسمنتية لاحقاً، ولم يدقوا جدران الخزان.
إن هذه العبارة التي وردت في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» تختصر مرحلة كاملة، وإن لم يكن كنفاني الوحيد الذي عبر عن ذلك.
إن كل من درس أدب النكبة خلص إلى أن ظاهرة البكاء والحنين صبغت نصوص الأدباء، ومنهم الشاعرة فدوى طوقان في قصيدتها «لن أبكي» التي كتبتها بعد حزيران ١٩٦٧، بعد لقائها بشعراء الأرض المحتلة. لقد خاطبتهم قائلة:
«يمينا بعد هذا اليوم لن أبكي».
موقف طوقان تجسد معكوساً في رواية كنفاني «عائد إلى حيفا» على لسان خلدون/ دوف الذي تركه والداه في حرب ١٩٤٨ وربته عائلة يهودية. لقد خاطب والده البيولوجي سعيد. س، بعد لقائه به بعد ١٩ عاماً، قائلاً:
«- مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.. ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي..! أهذا ما تقوله لي الآن؟ هذا هو سلاحك التافه المفلول؟».
ويدرك سعيد. س ما أدركته فدوى ويتوصل إلى أن الحل لن يتحقق إلا بين ندين لا بين منتصر ومهزوم، وتكون البداية في رواية لاحقة له هي «أم سعد».
لقد انتظر أبو سعد عشرين عاماً ولم يحقق شيئاً. بكى وحن وانتظر وظل في المخيم.
منذ عامين وشعوب كثيرة ومنها الشعوب العربية تتعاطف مع أهل قطاع غزة وتدبج المقالات وتكتب القصائد، وهذا كله لم يوقف الحرب ولم يطعم الجوعى المحاصرين ولم يداوِ الجرحى ولم يوقف الإبادة وتدمير المباني، والسبب معروف وواضح، فالأمة العربية كلها لا تملك مما عدده عبد الكريم عاشور في منشوره، إذا استثنينا النفط الذي لم تعد تستخدمه منذ ١٩٧٣ كسلاح، شيئاً.
في مقال نثري كتبه محمود درويش تحت عنوان «في وصف حالتنا»١٩٨١ توصل إلى أن الدعاء لم يوقف العبث بمصير الشعب الفلسطيني، وفيه شخص أيضاً حال الأمة العربية:
« إن الصلاة،/ خير من التفكير بالبلد البعيد وبالضحايا،/ إن الزكاة/ بفارق الأسعار والبترول خير من مساعدة السبايا/ خبأت جسمي في الشظايا/ والشظايا ملء جسمي/ فاختلطنا: المعدن البشري واللحم الحديدي/ اختلطنا/ أنا لا أريد دعاءكم... أنا لا أريد سيوفكم/ فدعاؤكم ملح على عطشي/ وسيفكم علي».
وكان مظفر النواب في قصيدته «تل الزعتر» أتى على فكرة الدموع والعواطف التي لا يهتم الغرب بها، فقال:
«ويقول القبطان بدون عويل شرقي وببطء:
آباء الغرب المحترمين سلاما/ نحن النجس الشرقي/ جئنا لنقدم هذا الشكر لكم/ فوق سفينتنا همس القبطان:
- بدون عويل وبدون صراخ شرقي.. صفا صفا، فالغرب يحب التنظيم
ولا يهتم بعاطفة متأخرة يذرفها الشرق البائس».
هل نقول إن تعاطف الشعوب الغربية مع غزة لم يوقف أيضاً الحرب، علماً بأن مواقف حكوماتها بدأت تتغير؟

***

102- دفاتر الأيامm كأني أعود إلى ما مضى

مساء الجمعة ١٩ أيلول، أصغيت إلى مواطن من غزة نزح إلى الجنوب يتحدث عن معاناة النازحين في دير البلح واستغلال أصحاب الأراضي لهم، إذ طلب الأخيرون أجرة قطعة الأرض التي سيقيم النازحون خيامهم عليها، وهو ما استغربه شاب نازح طلب من أصحاب الأراضي أن يرحموا النازحين الذين لا يملك أكثرهم أجرة مواصلات النزوح، فمن أين سيدفعون أجرة الأرض التي سينصبون عليها خيامهم، وسنقرأ، فيما بعد عن نازحين كثر ناموا في الشوارع، بل وقرب مكبات النفايات وفوقها، كما قال مراسل إذاعة أجيال محمد عمران الأسطل للإذاعة.
في صباح اليوم نفسه، كنت قرأت في صفحة الناشط عبد الكريم عاشور عن معاناته في ترك غزة والتوجه إلى دير البلح، ولكنه كتب إن بعض أصدقائه وفروا له مساحة من أرضهم، لينصب فيها خيامه دون مقابل.
«إن خليت بليت» يقول مثلنا الشعبي، وفيما عشناه بعد نكبة ١٩٤٨ عانينا أيضا من ظلم لا يتمثل بدفع أجرة الخيام التي ولدنا فيها، فقد استأجرت وكالة غوث اللاجئين أراضي لمدة ٩٩ عاما وتكفلت هي بتوفير الخيام.
ولكننا عانينا في جوانب أخرى، أذكر أننا في مخيمنا - حين كانت المياه التي توفرها لنا الوكالة تنقطع - أذكر أننا كنا نذهب، بحمالة المياه وتنكتي الماء، إلى قرية مجاورة فيها نبع ماء كان أحد سكانها يبيع الماء بجالونات على ظهر حماره، وغالبا ما كان يمنعنا فيصدنا ونعود خائبين، وفي فترة متأخرة، عرفت السبب الذي من أجله أقيمت مخيمات الخليل بعيدا عن المدينة، وهو سبب يبعث الأسى في نفس اللاجئ.
في مساء اليوم نفسه ١٩/ ٩، قرأت للناشط الغزاوي أشرف نصر منشورا يوجه فيه رسالة إلى (نتنياهو) و(كاتس) و(زامير) يحكي فيه عن «الناس اللي قاعدة بغزة»، وهو منهم، ويوضح فيها أن النازحين لا يجدون مكانا ينصبون خيامهم فيه، وأنهم لا يملكون أجرة للنزوح، ولا مالا لدفع إيجار للأرض التي سيقيمون عليها، وهذا في رأيه لا يخفى على الثلاثة المخاطبين ويطلب أشرف منهم أن يميزوا بين «حماس» و»الجهاد» وبين الناس الأبرياء الذين لا دخل لهم في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، وينهي منشوره بالآتي:
«إذا قَدمت لي خيارين؛ الأول أن أنزح للجنوب وأعيش المعاناة وقلة الماء وتعب الحياة، والثاني أن أظل بغزة وأنفرم، راح اختار الثاني برضاي»، وما كتبه أشرف في رسالته سمعته من غزاويين عديدين عبر أشرطة فيديو أدرجوها.
ما قرأته في الرسالة وما سمعته أعادني إلى كتاب «التطهير العرقي» لـ(إيلان بابيه) وإلى ثلاثية إلياس خوري «أولاد الغيتو: اسمي آدم».
في كتاب (بابيه) نقرأ، في الصفحة ١٢٥ من الترجمة العربية التي أنجزها أحمد خليفة تحت عنوان «إنجاز المهمة في الشرق»، نقرأ عن عرب تعاونوا مع اليهود لأعوام كثيرة، وكان السؤال هو:
- هل يجب طردهم أيضا؟
وكانت الإجابة: نعم.
لقد طرد قسم من هؤلاء وتردد بعض الضباط في طرد آخرين، فوصف الضباط المترددون، مثل (بالتي سبيلا)، من بعض اليهود بأنهم خائنون.
لقد توقفت في كتابي «أسئلة الرواية العربية: أولاد الغيتو، اسمي آدم. إلياس خوري نموذجا» أمام قصة مفيد شحادة في الرواية، وهي قصة ذكرتني بقصة الكاتب الإسرائيلي (بنيامين تموز) «منافسة سباحة» التي كتبها في العام ١٩٥١، وأتى فيها على علاقات طيبة بين العرب واليهود في فلسطين قبل ١٩٤٨؛ علاقات لم تمنع اليهودي من غض النظر عن قتل صاحبه العربي عبد الكريم الذي كان يسبح معه في بركة الأسرة العربية التي تردد عليها طفلا صغيرا مع أمه.
كان مفيد شحادة ووالده صديقين لليهودي الدكتور (ليهمان)، وكانا يوصلان الخضرة لكبانية اليهود في بن شيمين، وتحسبا لتوتر الأوضاع بين العرب واليهود أعطى (ليهمان) والد مفيد رسالة لعلها تنقذه وعائلته إن اشتدت المعارك وحوصروا.
في وقت حصار اللد/ الغيتو تذكر مفيد الرسالة فأعطاها لجندي إسرائيلي علّها تشفع له، ولكن دون جدوى.
هل ينسى كبار السن منا من متابعي الحرب في لبنان بعد العام ١٩٨٢ قصة انطون لحد الذي تعاون مع دولة إسرائيل وما آل إليه في نهاية حياته، حيث تخلت عنه ولم يجد مالا يدفعه للعلاج؟
مؤخرا، انتهيت من قراءة رواية جديدة للروائي الفلسطيني المقيم في رام الله أحمد رفيق عوض عنوانها «دابة الأرض» (٢٠٢٥) يكتب فيها عن فلسطيني في السلطة الفلسطينية ينسق، بحكم وظيفته، بضابط اتصال إسرائيلي، يزور الأردن لحضور مؤتمر يخص الأوضاع في الضفة الغربية، وحين يعود وتكون الطرق في أريحا مغلقة لأسباب أمنية لا يسمح له بالعودة إلى مدينته، وعندما يتصل بالضابط يعلمه الأخير بأنه لا يستطيع مساعدته وأن عليه الانتظار مثله مثل الآخرين. يعني قاومت أو تعاونت أو نسقت فالدولة الإسرائيلية في النهاية أهم منك، لأنك إن عشت فيها فإقامتك عابرة وإلى حين.
منذ العام ١٩٤٨ ما أرانا نعيش إلا التجربة نفسها. نعيش في الهامش وعلى الهامش؛ لأننا في نظر الإسرائيليين هامش و»عابرون في كلام عابر»؟؟!!

***

103- جدل أدبي في ظلّ المقتلة

في ٢٣/ ٩/ ٢٠٢٥، نشر الشاعر عبد الناصر صالح القصيدة الآتية التي عنوانها «قدمان»:
« قدمان محاربتان../ الأرض سواد وشظايا ودم فوّار/ وحطام بيوت/وصواريخ من الجو/ قدمان مشققتان/ مطهرتان بلون أماني العمر/ كأن الدنيا خرجت من لونهما للتوّ ../ قال المهزومون بدون حروب: ماذا لو فوضنا القاتل/ واعتذر المقتول عن القتل/ وطلب العفو؟/ ماذا يحدث لو قمنا../ماذا يحدث لو رحنا/ لو جئنا../ ماذا لو.. ./ يخرج أبناء الشمس من الأنفاق/ ينتشرون/ فيندلع الماء وتخضر الأوراق/ لا غفلة في صيدهم الوافر/ أو سهو../ لا خطبة في مؤتمر القمة تغتال النحو/ قدمان تطالان المجد/ بفخر وسمو../ وكلاب الليل على أطرافك غزة/ تنبح خوفاً/ عو/ عو/ عو/عو».
وعبد الناصر من طولكرم، والقصيدة تقول ما تقول وقد أثارت تعليقات كثيرة بلغ عددها، حتى يوم الإثنين ٢٩/ ٩/ ٢٠٢٥، 121 تعليقاً، قسم منها «تعليقات مجاملة» وقسم منها أثار جدلاً؛ خاصة بعد أن علّقت: «شعر مقاومة يكتب خارج قطاع غزة. في غزة الشعر شعر بكاء ورثاء وندب وألم»، وسألت مجموعة من شعراء غزة إن كانوا يكتبون شعراً مثل هذا؟!
وبلغ عدد الردود على السؤال أربعة وثلاثين رداً، عدا إبداء آخرين رأيهم، دون أن يكون ما كتبوه إجابة عن السؤال.
وأنا أتابع ما يكتبه أدباء غزة، لم أقرأ قصائد تمجد المقاوم بأسلوب واضح مباشر أو غير مباشر، فأكثر ما قرأته شكل لدي انطباعاً أن الشعراء كتبوا في رثاء الأهل والأحباب والبيوت ووصفوا معاناتهم وحياتهم اليومية. لقد أشرت إلى أسماء قليلة مدحت المقاوم أو كتبت فيه مثل ياسمين العابد، ومرة ذهبت إلى أن هذا اللون من الكتابة تفتقده كتابات أبناء قطاع غزة، فكتبت عن «نص غزة الغالب»، ولما كنت أتابع شعر بعض الشعراء الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي العالم العربي، لاحظت أنهم هم من يتغنون بالمقاوم، من المتوكل طه إلى عبد الناصر صالح، إلى صلاح أبو لاوي، إلى عبد الله أبو شميس، فتميم البرغوثي، وغيرهم.
لم يرق رأيي للكاتبة عبلة جابر، فكتبت:
«أختلف معك اختلافاً كاملاً بحكم اطلاعي على كتابات أهل غزة والداخل والخارج والضفة، وقد رصدت أن شاعرات غزة تحديداً، رغم الألم والقهر والحزن، إلا أنهن يظهرن أنساق صمود ونجاة ومقاومة ناعمة وإدانة للعالم، وعلى النقيض النصوص خارج غزة تشي بالخوف والقلق والانكسار والخذلان».
ولم تكتف عبلة بالكتابة، فقد أرسلت إلي نماذج شعرية للشاعرة آلاء القطراوي وسمية وادي وسمية أبو عيطة، والأخيرة غادرت القطاع إلى تركيا. ومن ضمن القصائد القصيدة الآتية لسمية وادي:
«كنا نريدك للنهاية/ بطلاً على كتفيك/ تكتمل الحكاية../ كنا نريدك/ أن تظل/ تقول ما لم نستطع تفسيره/ تمشي كأي فتى يحب/ يغار، يغضب/ يشتهي نكتاً،/ يعود لبيته متأخراً/ ويضل معناه النبيل/ كنا نريدك لا تموت/ كأن موتك/ من بنات المستحيل/ كنا نريدك/ كالبلاد/ تمص من دمنا/ وتكبر../ مثل عنقاء الرماد/ كنا نريدك/ أن تعود/ وتحرس المعنى الوحيد/ كنا نريدك/ يا شهيداً/ قبل لحظتك الأخيرة/ كنا نريدك يا حبيبي/ يا بقايانا/ ويا كل الذخيرة».
ومن قصائدها من ديوانها الأخير «غواية في حضرة الموت» ومطلعها:
«الناي في خديك أطول سنبلة/ واللوز في عينيك أعنف قنبلة/العابرون على خطاك مراحل/ وخطاك تعبرهم وتنهي المرحلة/ لا شيء يعطي السنديان جماله/ إلا التفاتك نحوه لتجمله/ ورد من الأشواك، صرخة هادئ/ وبقلبك اجتمع التصبر والوله/ قدماك أشرعة، يداك منارة/ شفتاك أجوبة، وصمتك أسئلة».
وتنهيها بقولها:
«لا عيب فيك سوى اكتمالك في فم/ الزمن المعفر بالحكاية المهملة/ فاصعد وحيداً نحو غيم عذابنا/ لتحرر المطر البعيد وتنزله/ ما أجمل الرجل الذي اختتمت به/ بلدي الفصول جراحها، ما أجمله!».
وواضح في البيت الأخير تأثرها بمحمود درويش في «مديح الظل العالي»، ومما قرأته من أشعارها لاحظت هذا التأثر.
وأما آلاء القطراوي فقد أصدرت ديوان «فراشتي التي لا تموت» الذي لم تنشره على صفحاتها، وفيه قصائد تمجيد للمقاوم كما أخبرتني عبلة جابر.
مرة تساءلت: ماذا كان محمود درويش سيكتب لو كان يقيم في غزة؟
واسترجعت قصائده بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ وإبان الحرب الأهلية في لبنان ثم في حرب العام ١٩٨٢، بل وفي الانتفاضة الأولى. وأبرزها «أحمد الزعتر»، و»مديح الظل العالي»، و»عابرون في كلام عابر». هل سيكتب قصائد على غرارها أم سيرثي المفقودين والبيوت و...؟
وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، فاستحضرت قصائد إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي. «هو بالباب واقف»، و»سأحمل روحي على راحتي»، و»أنشر على لهب القصيد». وخمّنت أنهم، في هذه الظروف وأمام هذا التوحش الإسرائيلي، سيقفون إلى جانب شعبهم وسيكتبون قصائد تشبه قصائدهم السابقة، وقد أكون مخطئاً! قد!
كان إميل حبيبي يكرر العبارة الآتية: «لا تلوموا الضحية».

***

104- الكتابة من بيت النار وقلب الدرع والكتابة من خارجهما


شغلتنا منذ بداية طوفان الأقصى قضية الكتابة من داخل غزة والكتابة من خارجها؛ شغلتنا وشغلت معنا كتاب غزة أنفسهم وخضنا في الموضوع كثيراً، وإن لم تخن الذاكرة فباستثناء قليلين من أبناء قطاع غزة، وهنا أخص الروائي عاطف أبو سيف الذي وجد نفسه في الطوفان داخل غزة ويسري الغول، صدم الطوفان أكثر الكتاب هناك فترة قاربت الأشهر الثلاثة الأولى، إذ نادراً ما نشطوا في الكتابة، لانشغالهم بتدبير أمورهم وتأمين عائلاتهم أيضاً، ولارتقاء عدد منهم منذ الأيام الأولى، وهنا أخص الشاعر سليم النفار الذي أصدر في حرب ٢٠١٤ كتابه «غزة ٢٠١٤: تأملات ويوميات شاعر في حال المدينة الرهينة»، وأشير إلى ما كتبته يسرا الخطيب في شهادتها «موت فاضح» والشاعر ناصر رباح في يومياته «أربعة أيام» وقد نشرت كتابة يسرا في كتاب «الكتابة خلف الخطوط» وكتابة ناصر في كتاب «استعادات مقلقة» والكتابان من إعداد عاطف أبو سيف.
تجيب يسرا صديقها الذي سألها إن كانت كتبت يومياتها عن الحرب قائلة:
«- لم أكتب حرفاً واحداً عن الحرب. أنا الآن أكتب موتي فقط».
وأما ناصر الذي يتصل به خالد الناصري يطلب منه أن يكتب شهادته عما يجري فيرد: «- أمجنون أنت يا رجل؟!! بل المجنون الذي سيطاوعك ويكتب».
ومنذ أصغيت إلى كلمة محمد ضيف صباح ٧ /١٠ / ٢٠٢٣ وجدتني أكتب، وكانت الكتابة الأولى سطراً واحداً «محمد ضيف: اسم العملية «طوفان الأقصى»»، ووجدتني في المساء أكتب منشوراً أنهيته بعبارة: «اللهم احم غزة وأهلها هذه الليلة»، ومنذ ذلك الحين بدأت أكتب يومياً منشوراً أو اثنين وأسبوعياً مقالاً للجريدة تحت عنوان «تداعيات حرب ٢٠٢٣» ولاحقاً تحت عنوان آخر «هوامش من وحي ما يجري في غزة» وببساطة صرت كاتب يوميات الحرب إلى جانب أسماء أخرى مثل الشاعر خالد جمعة، وأرجح أن كلينا كتب ما لم يكتبه سواه.
بعد خمسة وثمانين يوماً توقف عاطف أبو سيف عن كتابة اليوميات، فقد غادر قطاع غزة عائداً إلى مكتبه في وزارة الثقافة في رام الله، وتفرغ لكتابة الرواية فأصدر روايته عن الحرب «القبر رقم ٤٩» وتجول في المدن الأوروبية يحكي عما عاش وشاهد. عن تجربته في غزة تحت النار.
وأنا أتابع يوميات عاطف كنت أنظر في الفارق بين ما يكتبه وما أكتبه، وألاحظ اهتمامه بالتفاصيل، فيم أكتب بأسلوب مختلف أتكئ فيه على ربط ما يجري في غزة بما مر به الفلسطينيون منذ كتب الثائر عوض في ١٩٢٩ تقريباً قصيدته على جدران زنزانته «ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال».
ببساطة لم أكتب عن غزة وحسب، وإنما كتبت عن غزة في ضوء ما مر به الشعب الفلسطيني وبلغت ذروته في طوفان الأقصى، تسعفني ذاكرة أدبية ومكتبة بيتية أعود إلى كتبها لأقتبس منها، ولا أظن أن هذا يمكن أن ينجزه من بقي في القطاع، فأكثر الكتاب خسروا بيوتهم وخسروا بخسارتها مكتباتهم.
في الأشهر الأولى كتبت في الموضوع وشارك في الكتابة فيه كتاب من داخل غزة وكتاب من خارجها، واجتهدنا كلنا في الموضوع، ووصل الجدل بيننا ذروته فيما كتبته في مقال الأحد الماضي الذي تمحور حول قصائد كتبها شعراء من خارج قطاع غزة وقصائد كتبها المقيمون في غزة.
ربما هنا أعود إلى عنوان من عناوين رواية غسان كنفاني «أم سعد» عن «الذين هربوا والذين تقدموا» و»في قلب الدرع»، ويجدر أن أذكر برواية عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط» والمشروع الذي اقترحه رجب لكتابة رواية عن عالم السجن، بل وربما يجدر أن أعود إلى رواية الكاتب الجزائري الطاهر وطار «اللاز».
في «اللاز» طالما توقف السجناء الفلسطينيون في ٧٠ القرن ٢٠ أمام المقطع الآتي وناقشوه ليبدوا وجهة نظرهم في الفرق بين رؤية الداخل ورؤية الخارج:
«خطان متوازيان، متعاكسا الاتجاه، يواصلان انطلاقهما في دائرة مغلقة، تدور على نفسها ذات الآن في اتجاهين؛ واحد من ناحية اليمين إلى الشمال وثان من الأسفل إلى الفوق، في حركة بطيئة هادئة، إلى درجة يصعب معها تمييز الدوران من الخارج. الخطان في شكل سهمين، والدائرة مشحونة بذرات صلبة التماسك».
تبدو الأمور أوضح في رواية منيف، فرجب، ومن ورائه منيف، يفكر في كتابة رواية عن السجن هي التي ينجزها المؤلف - أي شرق المتوسط -. كيف يصور السجين السجن من داخله وكيف يصوره أهل السجين الذين يزورونه أو له صلة بهم.
يقترح السجين رجب أن يكتب عن عالم السجن الذي يعيش فيه، وأن تكتب أخته وزوجها حامد وابنها عادل أيضاً، ويتمنى لو امتد العمر بأمه التي كانت تزوره وتعاني لتكتب هي أيضاً. ولقد أنجز منيف رواية تقوم على تعدد الأصوات؛ صوت الداخل يرويه رجب وصوت أنيسة أخته ترويه من الخارج، وضمت الرواية رسائل حامد وعادل، وهكذا قرأنا رواية عن عالم السجن من داخله ومن خارجه.
لماذا لم أعد إلى روايتي وطار ومنيف حين اشتعل الجدل؟!
كل شيء في أوانه يعسل.

***

105- لقد هدموا البيوت، فما جدوى المفاتيح؟

في العاشر من هذا الشهر تشرين الأول ٢٠٢٥، كتب الناشط الغزاوي عبد الكريم عاشور الذي يكتب يوميا تحت عنوان «يحدث في غزة» عن المفاتيح الآتي:
«مفاتيح ...
أما وقد وضعت الحرب أوزارها، فها هي المفاتيح التي اختبأت طويلا في ظلمة جيب بنطالي القديم خلال حرب الإبادة. تخرج، اليوم، تبحث عن أبوابها وأقفالها التي هجرتها طويلا، لتجد الأبواب قد تكسرت والأقفال تبعثرت تحت الركام.
كان أولها مفتاح بيت أخي أحمد في مدينة الزهراء، حملته بيدي يوم سقط البيت، وما زال يثقل قلبي كقطعة من الحديد ممزوجة بالحنين.
تلاه مفتاح مكتبي في برج مشتهى - أنصار، ثم مفتاح بيتي في السودانية، ومفتاح مكتب برنامج غزة للصحة النفسية في برج الشوا، يليه مفتاح مركز تطوير NDC في البرج ذاته، وكأن المفاتيح تتزاحم في يدي لتذكرني أن الخراب صار عنوان المرحلة.
ومع ذلك لم أنسَ المفتاح الأكبر... مفتاح بيت جدي ووالدي في مدينة المجدل - عسقلان، ذاك المفتاح الذي ورثته كما تورث الوصايا، مفتاح لا يفتح شيئا في الأرض، لكنه يفتح في القلب بابا إلى الذاكرة والحق». وأضاف: «كثيرة هي المفاتيح في أيدي أهل غزة تصرخ بصمت دامٍ، باحثة عن أبواب لم تعد موجودة وأقفال كانت تشبه أحلامنا الأولى. لكننا ما زلنا نحملها.. كمن يحمل وعدا لا يصدأ، بأن الأبواب مهما طال الغياب ستعود يوما لتفتح من جديد، لا أبواب البيوت فقط، بل أبواب الحياة».
أعادتني الكتابة السابقة إلى قصيدة مريد البرغوثي «المكيدة» في ديوانه «منطق الكائنات»:
«قال المتلهفون على الدخول:/عبثا احتفظنا بمفاتيحنا طوال العمر../ فقد غيروا الأقفال!»
وحثتني على البحث عن دال «مفتاح/ مفاتيح» في الأدب الفلسطيني، إذ حضر حضورا لافتا، كما حضر في لوحات فنانين فلسطينيين تشكيليين.
صار المفتاح أيقونة فلسطينية بامتياز واتخذ شكل ميدالية يحملها الفلسطيني معه كما حمل اللاجئون مفاتيح بيوتهم في منافيهم معهم، على أمل العودة وفتح أبواب بيوتهم التي أغلقوها وراءهم ساعة خروجهم الظانون أنه خروج مؤقت عابر لن يستمر طويلا، ولكن المؤقت دام حتى تساءل محمود درويش:
- أفلا يدوم سوى المؤقت يا زمان البحر فينا؟
ولك أن تسأل الذكاء الاصطناعي عن دلالة المفتاح في الأدب الفلسطيني ليجيبك:
«حق العودة والذاكرة والهوية والأمل والتصميم والصمود والمقاومة» ويشرح لك دلالة كل مفردة ويخلص إلى الآتي:
«بشكل عام يعتبر مفتاح العودة أحد أهم الرموز الوطنية في الأدب والفن الفلسطيني، جنبا إلى جنب مع رموز أخرى مثل الكوفية والبرتقال وحنظلة، وكلها تعبر عن الوجود التاريخي والصمود في وجه الاحتلال».
عندما بدأت استرجع حضور دال «مفتاح/ مفاتيح» في أديباتنا (لن أكتب عن الفن التشكيلي لعدم إلمامي الدقيق بالتفاصيل) تذكرت الآتي:
أولا: قصة غسان كنفاني «الصغير يكتشف أن المفتاح يشبه الفأس» (أيار ١٩٦٧) من مجموعة «عن الرجال والبنادق»، ويمكن عدها القصة القصيرة الأساس للكتابة عن المفتاح في الأدب الفلسطيني، وهي تحكي عن المفتاح الذي حمله اللاجئ معه على أمل العودة إلى قريته ولكنه ظل ينتظر عشرين عاما والمفتاح معلق على الجدار حتى كاد حامله الذي ورثه عن أبيه ينساه، ولم يلتفت إليه مجددا إلا في أيار ١٩٦٧ فتفاءل. وغير خافٍ تأثير اللحظة الزمنية لتحركه، ففي أيار ١٩٦٧ كانت طبول الحرب تقرع وكان اللاجئون متفائلين تفاؤلا كبيرا قبل أن تخيب حرب حزيران ١٩٦٧ أملهم.
ثانيا: ما كتبه سلمان ناطور في كتابه «هل قتلتم أحدا هناك؟ « ١٩٩٩ عن لقائه بالشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) في صوفيا في العام ١٩٨٠ وحديث الشاعر إلى سلمان عن احتفاظه بمفتاح بيته وتوريثه له لابنه، والتوريث ظهر أيضا في قصة كنفاني. مات أبو سلمى وربما مات ابنه ولا نعرف إن كان ورث المفتاح لابنه أيضا.
ثالثا: عناوين مسرحيات وروايات ظهر فيها دال مفتاح/ مفاتيح، مثل مسرحية عبد اللطيف عقل «المفتاح» ١٩٧٦ ورواية علي الخليلي «المفاتيح تدور في الأقفال» ١٩٨٠، ورواية راشد عيسى «مفتاح الباب المخلوع».
أتى علي على تجربته في السجن في بداية ثمانينيات القرن العشرين وكتب عن ساعات الإفراج عنه «دارت المفاتيح في الأقفال» و»حملت الأغنية خلفي. من باب إلى باب. تدور المفاتيح خلفي. ستة أبواب». وأما راشد عيسى فكتب عن الحجرة/ البيت في المخيم والأثاث فيها «باب حجرتنا بلا قفل ولا مفتاح، إنه واثق من نفسه أو لعله ساخر بنفسه». ماذا سيسرق اللصوص إن أتوا ليسرقوا؟
هل ينسى الفلسطيني قصة مفاتيح كنيسة القيامة في القدس واختلاف الطوائف على الأحق بمن يحملها، ثم الاتفاق على احتفاظ عائلة مسلمة بها لفتح الكنيسة وإغلاقها، تلافيا للمشاكل؟
في قصيدته «أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي» التي استلهم فيها التاريخ كتب محمود درويش عن تسليم مفاتيح غرناطة «وزمان قديم يسلم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا». هل ثمة دلالة رمزية؟
خاتمة: غير أن للمفاتيح معي قصة لن يصدقني أحد إذا كتبتها.


***

106- الفلسطيني ولوثة المفاتيح

بعد أن انتهيت من كتابة المقال الماضي، تذكرت رواية «باب الشمس»، فلا يعقل أن أكتب عن احتفاظ الفلسطينيين بالمفاتيح دون النظر في رواية عدها دارسون رواية النكبة التي جمع كاتبها فيها حكاياتها من أفواه اللاجئين، الرواية التي كتبها بعد أن قرأ النتاج الأدبي الفلسطيني وكتب عنه ودرسه.
سأبحث عما قصه اللاجئون عن مفاتيحهم، وسأجد فيها تقاطعات مع ما كتبه عاشور، وما كتبه ناطور، وتكمن في حضور شخصيات تحتفظ بالمفاتيح التي جمعتها أو تكتب عنها.
نزح عاشور في حرب ٢٠٢٣ من مكان إلى مكان واحتفظ بالمفاتيح. وأما سلمان فقص عن مفتاح أبو سلمى وسرد قصة طريفة هي قصة مفاتيح الشيخ عباس التي حملها عشرين عاما، ولم يخلُ السرد من التساؤل:
«ولماذا يجمعها الناس وقد حطمت أبوابها أو حرقت؟».
وهو تساؤل لاحظناه في قصيدة مريد، ويتكرر في رواية إلياس «نجمع المفاتيح؟ والبواب تكسرت». فما هي قصة الشيخ عباس؟
يقول سلمان، «صار المفتاح أغنية وأسطورة. ولماذا لا نحيك الأساطير حول مفاتيحنا الضائعة أو تلك التي ظلت في الأبواب تنتظر عودة أهلها فأكلها الصدأ وقد صدقوا أنهم عائدون بعد أيام، فتوالت الأيام والأسابيع والشهور والسنين وما عادوا؟».
انتبه الشيخ إلى المفاتيح المنسية في الأبواب، فسحبها واحتفظ بها في جيبه، وظلت تتراقص على خاصرته عشرين عاما إلى أن سقطت على الأرض بجانب جسده الذي مزقه الضبع ولم يجمعها أحد من بعده «لأننا فقدنا الأمل».
رواية خوري وشهادة سلمان نشرتا في الفترة نفسها تقريبا (١٩٩٨ و ١٩٩٩)، فهل كان الأمر توارد خواطر أم أنه استيحاء مما سمعه كل منهما من أشخاص عرفهم وأصغى إليهم؟
كتب الأول عن فلسطينيي اللجوء والثاني عن فلسطيني لم يلجأ ولكنه اهتم بمفاتيح من لجؤوا. لقد أصيبت بعض شخصيات الكاتبين بلوثة المفاتيح، والتعبير ورد في رواية خوري، فماذا ورد عن المفاتيح فيها؟
يروي الدكتور خليل على يونس الميت سريريا حكاية نعمان الناطور الذي كتب مقالا عن المفاتيح وعكا، فبكى الدكتور على المفتاح لا على عكا، وهذا مستغرب ولكن..!
نعمان فلسطيني من مواليد مخيم اليرموك، هاجر إلى الدنمارك وحصل على جنسيتها، ثم قرر أن يزور عكا مدينة والديه، وكانت أمه في المخيم تقص عليه عن بيتهم هناك، حتى حفظ تفاصيله. زار المدينة وبحث عن البيت وتعرف عليه واستقبلته عائلة فلسطينية، بعد أن استأجرته من حارس أملاك الغائبين، وعندما غادر البيت لحقه المستأجر ليعطيه مفتاح البيت، فقد أقام فيه مضطرا. رفض نعمان أخذه وقال لساكن البيت:
«لا لزوم»، «المفتاح القديم ما يزال معنا في دمشق».
تقود الحكاية هذه إلى حكايا أخرى عن المفاتيح والبيوت. تقود إلى قصة أم عيسى صافية وابنها دكتور الأدب العربي الذي تزوج في أميركا من مغربية من مدينة مكناس وذهب معها إلى مدينتها واستقر هناك ناسيا أمه وحيدة في بيروت يتراسل معها. ولم يزرها وزوجته إلا مرة. في آخر رسالة كتبها لأمه أخبرها أنه يجمع مفاتيح أهل الأندلس التي احتفظ بها الأحفاد.
«يا حسرتي علينا. صرنا نجمع مفاتيح أهل الأندلس. قال إن أحفاد أهل الأندلس الذين طردوا من بلادهم وهاجروا إلى مكناس ما يزالون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم الأندلسية».
سيقيم عيسى للمفاتيح معرضا وسيكتب فيها كتابا «قال يجمع المفاتيح والأبواب تكسرت» وتخاطب جارتها أم حسن:
«عجبك هالحكي. قال بدو يجمع المفاتيح ويكتب كتاب. قال إنه لازم نجمع مفاتيح بيوتنا في القدس. عجبك. قال نجمع المفاتيح والأبواب تكسرت».
الدكتور خليل المحاصر في مشفى، وهو يروي الحكايات على يونس، لا يسأل عن الدكتور نعمان من أجل المفاتيح. إنه يسأل عنه ليسأله عن إمكانية الهجرة إلى الدنمارك. «لكن أم حسن لا تصدقه، فقد اعتقدت أنه أصيب أيضا بلوثة المفاتيح، وأخبرته أن بيتهم في الغابسية لا باب له، وأنه لم يعد بيتا، لأن الأعشاب أكلته..»؟
«قالت أم حسن: ابق في بيتك هنا وبلاش قصة المفاتيح.
هل تستطيع تسمية هذه الأكواخ المقبرة في المخيم بيوتا.
كل شيء هنا يتداعى ألا توافق معي يا سيد أبو سالم..؟».
خاتمة: تناول مقال الأحد الماضي بشكل لافت ونبه من كتب عن المفاتيح في غزة، في الحرب، إلى قصته معها، فتذكر ما كتب مثل د.هيا فريج التي كتبت عن المفاتيح التي بحوزتها وشكرت الله أنها أضاعت مفتاح باب غرفتها «فقد أثقلني هذا الحمل الذي ينوء به الرجال والجبال» (٧/ ٤/ ٢٠٢٤)، أو تذكر ما حدث فكتب قصته مثل الناشطة أم أيمن الصوص التي رأت أن حرب الإبادة غيرت المعايير وقلبت الموازين، فبعد أن ظل مفتاح العودة رمزا للعودة تحول إلى ذاكرة أسى وشاهد على وجع جديد (٢٠/ ١٠/ ٢٠٢٥)، بل وهناك من أرسل لي صورة لمفاتيح بيته.
(ملاحظة: متمم لمقال «لقد هدموا البيوت، فما جدوى المفاتيح؟»)


***

107- حـول رثـاء يـحـيـى الـسـنـوار

في ١٨/ ١٠/ ٢٠٢٥، أشرت في صفحتي إلى ثلاث قصائد كتبها ثلاثة شعراء يقيمون في الوطن العربي هم تميم البرغوثي وصلاح أبو لاوي ولولوة الخاطر وزيرة التربية في قطر، فعلق سليمان عبدالله الزق المقيم في غزة بالعبارة الآتية:
«شف لي مين رثى السنوار من غزة؟».
وكان سؤاله موضع كتابتي مقالين هما (جدل أدبي في ظل المقتلة والكتابة من بيت النار وقلب الدرع والكتابة من خارجهما). أتيت في الأول على قصائد من غزة رثى فيها أصحابها الرجل، نبهتني إليها عبلة جابر، وهي لسمية وادي ولآلاء القطراوي ولسمية أبو عيطة..، ولم تكتفِ بلفت نظري بل أرسلت إلي بعض القصائد.
عندما قرأت تعليق سليمان تذكرت دراسة الدكتور الألماني (فيرنر إندة Werner Ende) التي ترجمتها ونشرتها في مجلة «الكاتب» المقدسية في أيار من ١٩٩٢ «من هو البطل المؤمن.. من هو الملحد؟: صورة صلاح الدين الأيوبي في آداب العالم الإسلامي»، وفيها تتبع صورة صلاح الدين غير المجمع عليها والمختلف حولها حتى أيامنا، فلا يخفى الجدل الذي أثاره الروائي المصري يوسف زيدان في موقفه السلبي جدا منه.
في زمن صلاح الدين، كرهه الفاطميون وأنصارهم من السنة، مثل الشاعر عمارة اليمني الذي أعدمه صلاح الدين لولائه وحبه لهم، فقد رثاهم وعرض بالأيوبيين.
تتبع (Ende) نصوصا أدبية متعددة مختلفة لغاتها، ورأى أن الصورة متغيرة ومختلفة في الزمان، فالجماعة التي ذمته في زمن مدحه أبناؤها في فترات الاستعمار الأوروبي، إذ نظروا إليه بطلا محررا أضعف الوجود الصليبي، حتى تمكن من جاء بعده أن يقضي، بعد مائتي عام من الاستعمار، عليهم نهائيا، وقد اتخذه يحيى السنوار في روايته «الشوك والقرنفل» مثالا له، طامعا في أن ينجز ما أنجزه فيفتح بيت المقدس.
في المقتلة الأخيرة في قطاع غزة، تعددت وجهات النظر في أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ - طوفان الأقصى. هناك من اعتبر السنوار بطلا وهناك من رأى فيه متهورا جلب لقطاع غزة وأهله الاحتلال والخراب والدمار والموت، والأخيرون رددوا عبارة قاسية بحقه، وإذا كانت العبارة صادرة عن شخص يبدو من عامة الناس، فإن المرء لا يعدم قراءة منشورات عديدة لمثقفين ضد طوفان الأقصى ومن بادر به مثل شجاع الصفدي وخضر محجز وآخرين.
في أكتوبر ٢٠٢٤ قضى الرجل، فحزن من عده بطلا ولم يأسف على رحيله من حمله مسؤولية ما يجري.
وأنا أتابع أدبيات الحرب، توقفت أمام ثلاث قصائد لثلاثة شعراء هم الواردة أسماؤهم، وسرعان ما يتذكر قارئها قصائد أبي تمام والمتنبي، بل وقصائد ابن القيسراني وابن منير الطرابلسي اللذين عاصرا نور الدين زنكي فيه. إنها قصائد لغتها وصورها وبناؤها الفني خارجة من معطف القصيدة العربية القديمة التي تمجد البطل وترى فيما أقدم عليه فعلا سماويا كما لو أنه نبوءة.
لقد بدأ تميم قصيدته بأبيات ذكر فيها الأنبياء وألمح إلى معاناتهم قبل أن يعترف بهم. ذكر موسى وعيسى ومحمد وما ألم بهم ثم جاء وقت غدت لهم فيه المكانة التي هم عليها الآن، وكل هذا تمهيد للحديث عن المرثي. هكذا يفتتح القصيدة «رمى بالعصى»:
«ألا كم كريم عده الدهر مجرما/ فلما قضى صلى عليه وسلما»
و
«أتعرف دينا لم يسم أهله جريمة/ إذا ضبط القاضي بها المرء أعدما»
ثم يستطرد بوصف الحالة التي كان عليها يحيى يوم ارتقى:
«مسيرة في شرفة البيت صادفت/ جريحا وحيدا يكتسي شطره دما»
ويبدأ يسبغ عليه من الصفات ما يرفعه لدرجة الأسطورة:
«وقل في جموع أحجمت خوف واحد/ وفي جالس نحو المشاة تقدما».
ولا يختلف أبو لاوي في قصيدته «رميت عصا التاريخ» التي مطلعها:
«أيدنيك منه أم تراك تطارده/ كأنكما في الغاب ذئب وصائده»
فيرى أن المرثي الذي أحاط العدو به من كل جانب فقد عاجلهم بالضرب حتى تركهم «كمنثور عقد خاب في الربط عاقده» وأنه رماهم بعصاه التي تأسطرت لدرجة أنهم ظنوه جمعا:
«فظنوك جمعا، أنت ألف بواحد/ وطوبى لجمع يهزم الجيش واحده».
لولوة الخاطر في قصيدتها «يا سيدي هذي عصاك» ترى ما قام به نبوءة ما ساقها جبريل و»قبسا من النار التي باتت من الجسد الطهور تسيل» وتطلب منه أن يلقي عصاه «كي تلقف العار الذي ما زال جيل يحتسيه وجيل»، وترى أن قابيل العربي لا يضير البطل حين سدد ليحيى طعنة في الظهر. كأنها تذكرنا بقول المتنبي الذي تناص معه محمود درويش في «مديح الظل العالي»:
«وسوى الروم خلف ظهرك روم/ فلا تدري على أي جانبيك تميل».
ومن يكتب عن روح الشعر العربي القديم في القصائد الثلاث سيكتب الكثير.
«لا خير في الأعراب يرجى أو فتى، فاضرب فأنت النص والتأويل».
من المؤكد أن الشعراء الثلاثة يرون في السنوار بطلا قياسا إلى مفهوم البطل في الشعر العربي القديم، ولكن هذا المفهوم تغير لدى الأدباء الفلسطينيين، وهذا ما كتبت عنه في أيار ٢٠١٨ تحت عنوانين «البطولة في أدب الانتفاضة» و»محمود درويش: مفهوم جديد للبطولة».
وعموما فإن عدة نقاط تحدد إن كان السنوار بطلا أم غير ذلك:
- مفهوم الشخص للبطولة وزاوية الرؤيا والموقع.
- حكم التاريخ، فالشيعة الذين عدوا صلاح الدين في فترة قاتلا، عدوه في زمن آخر مختلف بطلا.
الموضوع يجب أن يفكر فيه.


***

108- حكاية الفلسطيني والأبواب / البوابات (1 مـــن 2)

كنت كتبت عن المفاتيح وجدواها، وعن الفلسطيني ولوثة المفاتيح. قادتني الكتابة إلى الكتابة، فالحكاية تخرج من الحكاية والكتابة تسلّم نفسها إلى أخرى.
كتب الفلسطينيون عن المفاتيح التي احتفظوا بها، وتساءل بعضهم عن جدواها، فقد غيّر المحتلون الأقفال، وفي الحرب الحالية هدموا البيوت وسووها بالأرض، فلم تبق أبواب ولا أقفال ولا جدران ولا سقوف، وأعادوا الفلسطينيين، كما هددوا، إلى العصر الحجري، ليسكنوا الخيام.
ماذا كتب الفلسطينيون عن الأبواب؟
سوف أحكّ ذاكرتي الأدبية وأسترجع نصوصهم الأدبية التي حضر قسم منها وأنا أكتب عن المفاتيح، فالصلة بين الباب والمفتاح مثل ثنائية الذكر والأنثى، فما من مفتاح إلا له قفل/ سكرة، وإن كان المفتاح مفتاح بيت فكل مفتاح له باب، ولك أن تتوسع في هذين الدالين وتذهب إلى الاستعارة. باب الحكاية، وباب المعجم والقاموس (لسان العرب)، وباب البدل والعطف في كتب النحو، وباب جهنم والجنة ومالك ورضوان وأبواب السماء، كما قال أبو تمام: «فتح تفتح أبواب السماء له»، وباب السيارة، و بوابات المدينة، وباب العامود، وباب الحرية الذي غالباً ما نذكره ونحن نردد بيت الشاعر أحمد شوقي في قصيدته التي مطلعها «سلام من صبا بردى أرق»:
«وللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدق»... الخ.. الخ. وهو البيت الذي ردده يحيى السنوار في أيامه الأخيرة على أنقاض مدينة رفح.
والأبواب، كما كتب جوزيف حرب وغنته فيروز، لها حكايات. وداع الأصحاب والأحباب. ولذلك فـ «شي منها غرب وشي صحاب وشي مسكر وناطر رجعة الغيّاب». الأبواب وقت يسكّرها صاحبها، وهو يلوّح لمن فارقه، يأخذه الحنين، لأنه سيشتاق وهو ينطر سنين. علاقة الناطر بالباب علاقة متداخلة، فعمره محفور فيه، ولهذا يسميه باب العذاب. والأبواب لها صفاتها حسب علاقة أصحابها بها. «باب غرقان بريحة الياسمين وباب مشتاق وباب حزين وباب مهجور أهله سنين».
كان عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) من أوائل الشعراء الفلسطينيين الذين ورد دال الباب في شعرهم الذي عبّروا فيه عن حنينهم إلى بلدهم وإصرارهم على العودة «سنعود» فـ غداً ستعود آلاف الضحايا، ضحايا الظلم تقرع كل باب». (طبعاً لا ننسى قصيدة إبراهيم طوقان قبل النكبة «الفدائي» وقوله فيها: «هو بالباب واقف والردى منه خائف»).
وشغلت الكتابة عن البوابات حيزاً لا بأس به من النثر الفلسطيني. كانت البوابة مكاناً تجتمع فيه العائلة الفلسطينية، المشتتة والباقي جزء منها في فلسطين، مرة في العام، وهنا أخص «بوابة مندلباوم» التي وردت في قصة سميرة عزام «عام آخر»، وقصة إميل حبيبي «بوابة مندلباوم» وقصيدة توفيق زياد «رسالة عبر بوابة مندلباوم» ورواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا».
كتبت سميرة عن أم فلسطينية لاجئة تأتي من بيروت إلى القدس لتلتقي ابنتها التي تزوجت في الناصرة وبقيت فيها، وكلما جاءت الأم تغيبت الابنة بسبب المرض أو الولادة.
وكتب إميل عن لقاء العائلة التي تشتتت بسبب الحرب أيضاً، ووصف ما يجري على البوابة فلا منطق يقنع بما جرى. إنه منطق سرعان ما يتهاوى أمام كرة الطفل التي تجتاز شطرَي البوابة.
ونعت زياد البوابة بأنها بوابة الأحزان.
وأما غسان كنفاني فكتب عن بوابة فتحها الإسرائيليون بعد حرب حزيران ١٩٦٧ كان يجب أن تفتح من جهة أخرى. هنا يجب ألا ننسى مسرحيته «الباب» التي كتبها في العام ١٩٦٤ ورمزية الباب فيها. لكي نخرج من الغرفة التي حشرنا فيها علينا أن نحفر على الباب بأظافرنا وأن نحطمه، وقد ربط دارسو المسرحية بينها وبين رواية «رجال في الشمس» (١٩٦٣) التي مات فيها الفلسطينيون دون أن يدقوا جدران الخزان. كأن المسرحية تعمق ما كمن في وعي الكاتب: لكي نعود إلى فلسطين ليس أمامنا سوى خيار المقاومة.
بعد هزيمة ١٩٦٧ وتظاهرات الفلسطينيين في المدن عمل الاحتلال على إغلاق بعض مداخل المدن القديمة مثل نابلس بالبراميل وصبها بالإسمنت، وكان على المواطنين أن يقطعوا مسافات، عبر طرق التفافية، ليصلوا إلى بيوتهم.
غير أن هناك من كتب عن تجربة خاصة مع الباب، وأخص فدوى طوقان في قصيدتها «أمام الباب المغلق» التي حملت عنوان الديوان الصادر في ١٩٦٤.
تحكي الشاعرة عن تجربتها المرة بعد أن منعت من إكمال تعليمها وأجبرت على المكوث في البيت، لتغدو سجينته. إنه أمر رب البيت وقرار الذكور الذين لم يكترثوا لصرخاتها
«هلا تفتح لي هذا الباب/ وهنت كفي وأنا أطرق أطرق/ بابك/ أنا جئت رحابك استجدي/ بعض سكينة/ وطمأنينة/ لكن رحابك مغلقة/ في وجهي غارقة في الصمت/ يا رب البيت/ مفتوحاً كان الباب هنا/ والمنزل كان ملاذ الموقر بالأحزان/ مفتوحاً كان الباب هنا والزيتونة/ خضراء تسامت فارعة».
وفي سيرتها «رحلة صعبة.. رحلة جبلية» ١٩٨٧، تكتب فدوى عن البيت/ السجن الذي وضعها فيه أخوها يوسف بعد إخراجها من المدرسة ولم تتنفس هواء الحرية منه إلا بعد سفرها إلى لندن في العام ١٩٦٢ تقريباً.


***

109- حكاية الفلسطيني والأبواب/ البوابات (2 مـــــن 2)

أي قارئ للأدبيات الفلسطينية بعد العام ١٩٦٧ سيقرأ عبارة «افتخ باب»، يوردها صاحب النص على لسان جندي إسرائيلي يخاطب أهل البيت المطلوب تفتيشه أو اعتقال أحد أفراده، وقد يرد بالعبرية كما في قصيدة فدوى طوقان «كوابيس الليل والنهار»:
«الجند على بابي ويلاه!
حتى الله تخلى عني حتى الله
خبئ رأسك!
خبئ صوتك!
وبنو عبس طعنوا ظهري
في ليلة غدر ظلماء
Open the Door!
Ouvre Ia Porte
افتخ إت هاديليت
افتخ باب!
وبكل لغات الأرض على بابي يتلاطم
صوت الجند
يا عبلة إني...
يا ويلي!»
ودقة الجند على الباب تختلف عن دقة الفلسطيني كما في أغنية أبو عرب «دقة أحبابنا»:
يا يمة في دقة ع بابنا/ يا يمة هاي دقة حبابنا/ ي يمة هاي دقة قوية/ دقة فدائية....
وقبل أن تكتب فدوى عن دقات الجنود يقتحمون البيوت، كانت زارت يافا وكتبت قصيدتها التي أهدتها إلى شعراء الأرض المحتلة، وجعلت عنوانها «لن أبكي» وافتتحتها بقولها:
«على أبواب يافا يا أحبائي/ وفي فوضى حطام الدور/ بين الردم والشوك/ وقفت وقلت للعينين: يا عينين/ قفا نبك/
على أطلال من رحلوا وفاتوها/ تنادي من بناها الدار...».
هل تغيب عن ذهننا عناوين روايات فلسطينية حملت أحد هذه الدوال؟
هنا أشير إلى رواية سحر خليفة «باب الساحة» (١٩٩٠).
تبدو الكتابة عن الأبواب لافتة في كتابات أدباء المخيمات الفلسطينية التي وصفوا فيها بيوتهم في بدايات نشأة المخيمات، ومع أنه ينقصني مسرد إحصائي بها، فإنني سوف أكتفي بالتوقف أمام مثالين لكاتبين استرجعا طفولتهما في المخيم، الأول هو الشاعر راشد عيسى في روايته/ سيرته «مفتاح الباب المخلوع» (٢٠١٧) وثانيهما هو الكاتب زياد أبو لبن في مجموعته القصصية «سقف الزينكو» (٢٠٢٥).
يصف الأول باب بيته في المخيم في خمسينيات القرن العشرين:
«ليس في حجرتنا الوحيدة يا نبهون أثاث يلفت الانتباه سوى سراج مغلق باستمرار فوق أعلى الباب بقليل.. الباب ينغلق حتى لا يكشف أحد أسرار الحجرة وحين ينغلق ليلاً يستريح فينام...
باب حجرتنا بلا قفل ولا مفتاح، إنه واثق من نفسه أو لعله ساخر بنفسه.. سواء عنده إن كان مصكوكاً أو مفتوحاً.. طالما اعتذرت له عندما تركله إشا/ عائشة برجلها القوية.. هو الآخر شاهد على ما يجري في الحجرة أو الحوش، ولكنه يدعي الجهل والغفلة ويخنق صريره بإخلاص.. ويدعي أنه أعمى، الباب صديقي، ومع ذلك لم يفكر قط أن يطلعني على ما يراه لأنه يعلم أني باب مثله». (٩٦)
أما الثاني فيكتب قصة عنوانها «باب لا يغلق إلا بحجر» ويصف الباب فنقرأ:
«في بيتنا في المخيم، كان الباب لا يغلق جيداً، خشبة من نوع رخيص، مفصلاته تصدر أنيناً، ومقبضه يسقط أحياناً حين يدار، لكننا أحببناه كما هو.
كان أبي يقول:
«ما في داعي للقفل.. الحرامي هون ما بيلاقي إشي يسرقه».
يغلق الباب بحجر يدفع بالقدم أثناء الدخول ويزاح حين الخروج، وأحياناً كان ينفتح من أقل نسمة... حين كبر السارد سكن في بيوت تفتح أبوابها وتغلق بمفاتيح لامعة. كان طفلاً يشعر بالأمان مع أن باب بيته لا يقفل وصار حين كبر لا يشعر بالأمان. أحياناً صار يشتاق لباب الدار الرديء.
تنتهي القصة والسارد يقول في سره:
«بعض الأبواب، حتى لو لم تغلق جيداً قد أبقتنا آمنين، أكثر من كل الأبواب المحكمة».
عندما سألت الذكاء الاصطناعي عن دال باب وأبواب في الأدب الفلسطيني، أجاب بأنهما يرمزان إلى عدة معان عميقة منها الحرمان من الحقوق الأساسية ومقاومة الاحتلال والهوية المفقودة والتحديات الوجودية. إن استخدامها يظهر الدخول إلى عوالم من الذكريات والأمل «والأقفال التي تغير لتبعدهم عن أرضهم والأبواب التي تمثل الحرية والوطن الذي يسعى إليه».
إن معاني الأبواب في الأدب الفلسطيني هي:
- الحرمان والمقاومة.
- الهوية والوجود.
- الأمل والعودة.
قبل أن أنهي المقال أشير إلى رواية «باب العمود» للكاتبة نردين أبو نبعة المتخصصة في أدب الأطفال، وهي من أدب الرسائل والسجون، الرسائل المتبادلة بين أسير وزوجته يأتيان على ذكرياتهما.
والطريف أن هناك رواية عنوانها Damascus Gate باب دمشق لكاتب أميركي (روبرت ستون)، وتدور أحداثها في القدس خلال تسعينيات القرن العشرين.
هل نعد الجسر بوابة أيضاً؟
إن عددناه، فالكتابة عنه تستحق، إذ كم من كاتب كتب بعد العام ١٩٦٧ عن عذابات الفلسطينيين على الجسر والمعابر وأولهم فدوى طوقان!
وماذا عن الحواجز؟
لقد أعدت، في الحاجز، هديل كيال، وهي من الجليل، رسالة دكتوراه في جامعة النجاح الوطنية، وكنت كتبت مطولاً عن قصة القاص أكرم هنية «زمن حسان» في مجموعته «دروب جميلة» (٢٠٠٧).
والكتابة تطول.

***

110- حكاية الفلسطيني والجدار

في العام ١٩٧٥ سكنت في غرفة على السطح في جبل الحسين في عمان، ومن وحيها كتبت قصة قصيرة عنوانها «البصاص».
كانت البناية لامرأة تدرّس إحدى ابنتيها الطب، ويبدو أنها كانت قارئة أدب، فقد أعطتني مجموعة كتب منها مجموعة (جان بول سارتر) القصصية «الجدار» التي ترجمها هاشم الحسيني في ١٩٦٣ وأصدرتها دار مكتبة الحياة في بيروت.
قرأت القصة في حينه، ولم أكن قرأت بعد أي عمل لغسان كنفاني الذي عرفت لاحقاً، من خلال دراسة وليد أبو بكر لمسرحياته، أنه تأثر فيها بالأدب الوجودي، وما كتبه وليد يلاحظه قارئ المسرحيات والأدب الوجودي معاً. ما لم أقرأه، وقد يكون هذا لنقص في اطلاعي أو للذاكرة الخداعة، هو الربط بين روايات غسان والأدب الوجودي.
قادتني الكتابة عن الحاجز والجسر والمعبر والمفتاح والأبواب والبوابات في الأدب الفلسطيني إلى البحث عن الكتابة عن الجدار بمفهومه الأوسع من حائط الغرفة أو جدران المنزل، كما في سيرة فدوى طوقان «رحلة صعبة.. رحلة جبلية» أو في أثناء الكتابة عن قصيدة عوض «يا ليل خلي الأسير تا يكمل نواحو» أو في أدبيات السجون، حيث جدران البيت والزنزانة وغرف السجن أو سوره، هي الجدار. ما أقصده هنا «الجدار» الذي يفصل بين كيانين أو مناطق ومناطق، وهذا لم يبن قبل ٢٠٠٢.
عموماً تعد رواية غسان كنفاني التي أتى فيها على احتلال غزة، في ١٩٥٦، أول عمل أدبي أذكره ذكر فيه الجدار بمعان عديدة؛ الحائط والحائط النفسي والمجازي؛ في مشهد البحث عن الفدائي سالم الملاحق من قوات الاحتلال، وفي حديث مريم عن ضرتها، وفي رؤية حامد للشمس وهو في الصحراء. مؤخراً تساءلت إن كان كنفاني تأثر بقصة «الجدار» لـ (سارتر)، ولتوضيح ذلك أحتاج إلى مساحة أؤجلها للأسبوع القادم.
حضرت، قبل العام ١٩٦٧، في الأدبيات الفلسطينية دوال البوابة والباب ليس أكثر، وهو ما لاحظناه في مقالات الأسابيع الخمسة السابقة، أما دوال الجسر والمعبر والجدار، فلم تحضر؛ لأنه لم يكن هناك جسر ومعبر وجدار أو جدران.
لننظر، على سبيل المثال، في قصة توفيق فياض «الحارس» من مجموعته «الشارع الأصفر» التي كتبت قصصها قبل ١٩٦٧ ونشرت في ١٩٦٨.
يصور فياض معاناة بو علي الذي فرضت عليه وعلى سكان قريته أن يحرسوها من المتسللين إليها من القرى الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية تحت الحكم الأردني. ويخيل إلي أن القصة يجري حدثها إما في برطعة أو في باقة، فالقريتان ينطبق عليهما الوصف الذي نقرؤه على لسان بو علي الذي زوّج ابنته لفلسطيني من الجانب الآخر للقرية الواقع تحت الحكم الأردني.
يحرس بو علي القرية حتى لا تعاقبهم السلطات الإسرائيلية، إن تسلل لاجئ فلسطيني استبد به الحنين إلى بيته أو أهله، والحنين يستبد ببوعلي لرؤية ابنته في الطرف الآخر. وما الذي يفصل بين طرفي القرية الغربي والشرقي؟
«ولا يفصله عنها غير ثلم خطّه في الأرض ثور. لا أحد يصدق ذلك! إنه يكاد يسمعها تهلل لابنتها، بل إنه يسمعها..».
لم يكتب فياض عن جدار، بل كتب عن «ثلم خطه ثور».
عندما زرت باقة الغربية في ٢٠١٩ أتيت في حديثي مع بعض أبنائها على القصة وعلى ما كتبه الكاتب الإسرائيلي (ديفيد غروسمان) في كتابه «الزمن الأصفر» عن برطعة الغربية وبرطعة الشرقية تحت عنوان «برطعة الثانية». من أبناء باقة علمت أن هناك مربعات اسمنتية كانت تفصل بين الباقتين، وعندما زرت قرية «جت» رأيت الفاصل بينها وبين قرى الضفة الغربية: مساحة من الأرض ليس أكثر، كما أن ما فصل بين البرطعتين واد ليس أكثر (اُنظر ديفيد غروسمان «الزمن الأصفر» ترجمة محمد حمزة غنايم ١٩٨٧).
متى بدأ دال «الجدار» كسورٍ يحدد حدوداً يظهر في الأدبيات الفلسطينية؟
لا أستطيع الجزم، فلا تحضرني النصوص كلها التي كتب فيها الأدباء الفلسطينيون عن جدُر أو عن جدار، وغالباً ما يردد الفلسطينيون في حديثهم الآية (يحاربونكم من وراء جدُر). ولسوف أعتمد على الذاكرة في استحضار ما تحفظ.
في قصيدة محمود درويش «بيروت» ١٩٨١ وفي قصيدته «صهيل على السفح» ١٩٨٦ يظهر دال الجدار لافتاً، وغالباً ما كنت أتغنى فيه طرباً أو ألماً أو حزناً. في الأولى يطلب الشاعر من بيروت أن تعطي الفلسطينيين جداراً واحداً ليصيحوا: يا بيروت! ولكي يروا أفقاً ونافذة من اللهب، ولكي يعلقوا فوقه سدوم التي انقسمت إلى عشرين مملكة لبيع النفط العربي، ولكي يصيح الفلسطينيون في شبه الجزيرة: بيروت خيمتنا الأخيرة، بيروت نجمتنا الأخيرة!»، وفي الثانية حيث يعدّ لسيدته صورته، فقد قرر أن ليس أمامه إلا الصعود، وهذا قد يودي بحياته، ويطلب منها أن تعلقها، إذا مات، فوق الجدار:
« تقول: وهل من جدار لها؟ قلت: نبني لها غرفة.. - أين.. في أي دار؟».
ولا جدار للفلسطيني يستند عليه.
وعموماً يمكن القول إن الجدار والكتابة عنه بدأ يلفت النظر بعد حزيران ٢٠٠٢ حين شرعت السلطات الإسرائيلية تبني جداراً فاصلاً بين المناطق المحتلة في ١٩٤٨ والقدس وبين مناطق من الضفة الغربية، وأيضاً بين إسرائيل وقطاع غزة، وهذا ما نلحظه في كتابات كثر مثل ناصر أبو سرور «حكاية جدار» وسمير الجندي «خلود» و «باب العمود» وبسام سليمان «ثقب في الجدار» وغيرها، وهذا يستحق متابعة لعل هناك من ينجزها!

***


111- غسان كنفاني و (جان بول سارتر): هـل تـأثــر الأول بـالـثــانــي؟


كنت في مقال الأسبوع الماضي «حكاية الفلسطيني والجدار» تساءلت إن كان غسان كنفاني تأثر في روايته «ما تبقى لكم» (١٩٦٦) بقصة (جان بول سارتر) القصيرة «الجدار» التي صدرت ترجمتها إلى العربية في (١٩٦٣)، وذكرت أن الإجابة تتطلب كتابة خاصة.
عدت ابتداء إلى كتاب الدكتور محمد عبد القادر «غسان كنفاني: جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية» الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في ٢٠٢٣، وكانت طبعته الأولى صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون في ٢٠١٥، وقرأت فيه الفصل السادس من الباب الثاني؛ الفصل الذي خص فيه رواية «ما تبقى لكم» بالكتابة.
أتى محمد عبد القادر على ما كتبه دارسو الرواية عنها؛ رشاد أبو شاور وعبد الرحمن ياغي وصبري حافظ ورضوى عاشور وعبد الرزاق عيد ويوسف سامي اليوسف ومحمد شاهين ولم يأتِ على كتابة أي منهم عن تأثر غسان بـ (سارتر). لقد أتى أكثرهم على تأثره برواية (وليم فولكنر) «الصخب والعنف» التي ترجمها جبرا إبراهيم جبرا في ١٩٦١ قبل كتابة غسان روايته. ولكن في الصفحة ١٧٧ يذكر محمد عبد القادر الآتي:
«بالمقارنة بين رجال في الشمس وما تبقى لكم من حيث البعد الفلسفي للرؤيا، نجد أن غسان في ذلك الحين كان مسكوناً بالفكر الوجودي، الفكر الذي يعلي من شأن الإرادة والاختيار والوعي والحرية. وما من شك في أن غسان كان يؤمن بأفكار وجودية أساسية...».
وحين عدت إلى مراجع الدارس أنظر فيها لاحظت أنه لم يذكر (سارتر). لقد ذكر مرجعاً وجودياً واحداً لـ (جون ماكوري): «الوجودي» الصادرة ترجمته في ١٩٨٢.
ولو كان غسان كنفاني على قيد الحياة، أو لو كنت في العام ١٩٦٦ قرأت روايته، وكنت ألم بالمرجعيات النقدية التي ألم بها الآن، لسألته إن كانت قصة «الجدار» من قراءاته قبل كتابة روايته، والطريف أن أياً ممن قرؤوه وكتبوا عنه لم يلتفت إلى هذا، والطريف أنني أنا أيضاً لم ألتفت أيضاً إلى التأثر والتأثير، علماً بأنني درست الرواية في الجامعة لسنوات.
وربما يعود السبب بالتأكيد إلى أن الكتابة عن «الجدار» لم تكن من اهتماماتي؛ لأنه لم يكن ذا تأثير عميق في حياة الفلسطيني، كما صار عليه منذ حزيران ٢٠٠٢ وتزايد تأثيره منذ طوفان الأقصى.
إن الجدار لم يكن في حياة الفلسطيني قاتلاً كما هو في السنتين الأخيرتين حيث أصبح مصيدة لقتل المتسللين إلى القدس ليصلوا في المسجد الأقصى أو للعمل في الأراضي المحتلة في العام ١٩٤٨.
يسرد راوي قصة سارتر «الجدار» (بابلو إبيات) قصته وقصص شخصيات أخرى اعتقلتها الفاشية لكي تقدمها للمحاكمة فالإعدام. هو لأنه آوى المناضل (رامون غري) ويعرف مخبأه ويرفض الإفصاح عنه، و(جوان) الذي ينعته بـ «الصغير» الذي يتهم بأنه فوضوي، علما بأنه ليس كذلك، فالفوضوي هو أخوه (جوزي) «وأنتم تعرفون جيداً أنه ليس هنا. أنا لا أنتمي لأي حزب، ولم أعمل بالسياسة أبداً». ويتكرر نعت (جوان) بالصغير.
عندما يسوقون المتهمين إلى الساحة لإعدامهم أمام جدار في ساحة، يقرر السارد (إبياتا) أن يلعب معهم ليسخر منهم. ولم يكن ليهتم حين قالوا له:
- « إنها حياتك مقابل حياته. نحن سننقذ حياتك إذا قلت لنا أين هو؟».
لقد كان بإمكان (إبياتا) أن ينقذ حياته بتسليم (غري)، ولكنه رفض الإقدام على ذلك، وفضل أن يكون عنيداً ونظر إلى حارسيه بفضول كما لو أنه ينظر إلى حشرات من نوع نادر جداً، وهكذا قدم لهم معلومة خاطئة، ولكن المفاجأة كانت عندما عرف (إبياتا) من (غارسيا) الخباز الذي اعتقل للتو أنهم قتلوا (غري) فقد كان في المحل الذي دلهم عليه - في المقبرة.
كان (غري) استاء من أبناء عمه المختبئ عندهم لما سمعه منهم فغادرهم واتجه إلى المقبرة ليختبئ فيها، وهذا ما لم يخطر في بال (إبياتا).
تنتهي القصة بالسطرين الآتيين:
«كل شيء بدأ بالدوران، ووجدتني جالساً على الأرض؛ كنت أخجل بقوة، إلى حد أن الدموع باتت في عيني».
في رواية كنفاني يتم الإعدام أيضاً أمام جدار، ولكن هناك من التوازي والمشابهة بين الشخصيات والأحداث ما هو أكثر.
كما أن (رامون غري) مطارد ومطلوب وهناك من يعرف مكان اختبائه من المعتقلين ويرفض الإرشاد إلى مكانه حتى لو أعدم، فإن «سالم» أيضاً مطلوب لقوات الاحتلال الإسرائيلي وهناك من يعرفه، فهو بين المعتقلين الذين يقادون للإعدام معه رافضين الإشارة إليه، لولا ضعف «زكريا» الذي خاف من الموت فصرخ:
«- أنا أدلكم عليه»
وهو ما فعله، ما أدى إلى قتل سالم.
(ابياتا) أراد أن يسخر من القتلة، فأرشدهم إلى مكان لم يكن فيه (رامون)، ولكن زكريا خاف، فاعترف إذ كان سالم بين المعتقلين.
النقطة الثانية التي أود الإشارة إليها هي استخدام دال الصغير في قصة «سارتر». هذا الاستخدام تكرر تكراراً لافتاً ليس في «ما تبقى لكم» وحسب، بل في مجموعة «عن الرجال والبنادق» التي كتبها كنفاني بعد ١٩٦٥. أهي الصدفة أم التأثر؟


***

112- حكاية الفلسطيني والجدار

في العام ١٩٧٥ سكنت في غرفة على السطح في جبل الحسين في عمان، ومن وحيها كتبت قصة قصيرة عنوانها «البصاص».
كانت البناية لامرأة تدرّس إحدى ابنتيها الطب، ويبدو أنها كانت قارئة أدب، فقد أعطتني مجموعة كتب منها مجموعة (جان بول سارتر) القصصية «الجدار» التي ترجمها هاشم الحسيني في ١٩٦٣ وأصدرتها دار مكتبة الحياة في بيروت.
قرأت القصة في حينه، ولم أكن قرأت بعد أي عمل لغسان كنفاني الذي عرفت لاحقاً، من خلال دراسة وليد أبو بكر لمسرحياته، أنه تأثر فيها بالأدب الوجودي، وما كتبه وليد يلاحظه قارئ المسرحيات والأدب الوجودي معاً. ما لم أقرأه، وقد يكون هذا لنقص في اطلاعي أو للذاكرة الخداعة، هو الربط بين روايات غسان والأدب الوجودي.
قادتني الكتابة عن الحاجز والجسر والمعبر والمفتاح والأبواب والبوابات في الأدب الفلسطيني إلى البحث عن الكتابة عن الجدار بمفهومه الأوسع من حائط الغرفة أو جدران المنزل، كما في سيرة فدوى طوقان «رحلة صعبة.. رحلة جبلية» أو في أثناء الكتابة عن قصيدة عوض «يا ليل خلي الأسير تا يكمل نواحو» أو في أدبيات السجون، حيث جدران البيت والزنزانة وغرف السجن أو سوره، هي الجدار. ما أقصده هنا «الجدار» الذي يفصل بين كيانين أو مناطق ومناطق، وهذا لم يبن قبل ٢٠٠٢.
عموماً تعد رواية غسان كنفاني التي أتى فيها على احتلال غزة، في ١٩٥٦، أول عمل أدبي أذكره ذكر فيه الجدار بمعان عديدة؛ الحائط والحائط النفسي والمجازي؛ في مشهد البحث عن الفدائي سالم الملاحق من قوات الاحتلال، وفي حديث مريم عن ضرتها، وفي رؤية حامد للشمس وهو في الصحراء. مؤخراً تساءلت إن كان كنفاني تأثر بقصة «الجدار» لـ (سارتر)، ولتوضيح ذلك أحتاج إلى مساحة أؤجلها للأسبوع القادم.
حضرت، قبل العام ١٩٦٧، في الأدبيات الفلسطينية دوال البوابة والباب ليس أكثر، وهو ما لاحظناه في مقالات الأسابيع الخمسة السابقة، أما دوال الجسر والمعبر والجدار، فلم تحضر؛ لأنه لم يكن هناك جسر ومعبر وجدار أو جدران.
لننظر، على سبيل المثال، في قصة توفيق فياض «الحارس» من مجموعته «الشارع الأصفر» التي كتبت قصصها قبل ١٩٦٧ ونشرت في ١٩٦٨.
يصور فياض معاناة بو علي الذي فرضت عليه وعلى سكان قريته أن يحرسوها من المتسللين إليها من القرى الفلسطينية الواقعة في الضفة الغربية تحت الحكم الأردني. ويخيل إلي أن القصة يجري حدثها إما في برطعة أو في باقة، فالقريتان ينطبق عليهما الوصف الذي نقرؤه على لسان بو علي الذي زوّج ابنته لفلسطيني من الجانب الآخر للقرية الواقع تحت الحكم الأردني.
يحرس بو علي القرية حتى لا تعاقبهم السلطات الإسرائيلية، إن تسلل لاجئ فلسطيني استبد به الحنين إلى بيته أو أهله، والحنين يستبد ببوعلي لرؤية ابنته في الطرف الآخر. وما الذي يفصل بين طرفي القرية الغربي والشرقي؟
«ولا يفصله عنها غير ثلم خطّه في الأرض ثور. لا أحد يصدق ذلك! إنه يكاد يسمعها تهلل لابنتها، بل إنه يسمعها..».
لم يكتب فياض عن جدار، بل كتب عن «ثلم خطه ثور».
عندما زرت باقة الغربية في ٢٠١٩ أتيت في حديثي مع بعض أبنائها على القصة وعلى ما كتبه الكاتب الإسرائيلي (ديفيد غروسمان) في كتابه «الزمن الأصفر» عن برطعة الغربية وبرطعة الشرقية تحت عنوان «برطعة الثانية». من أبناء باقة علمت أن هناك مربعات اسمنتية كانت تفصل بين الباقتين، وعندما زرت قرية «جت» رأيت الفاصل بينها وبين قرى الضفة الغربية: مساحة من الأرض ليس أكثر، كما أن ما فصل بين البرطعتين واد ليس أكثر (اُنظر ديفيد غروسمان «الزمن الأصفر» ترجمة محمد حمزة غنايم ١٩٨٧).
متى بدأ دال «الجدار» كسورٍ يحدد حدوداً يظهر في الأدبيات الفلسطينية؟
لا أستطيع الجزم، فلا تحضرني النصوص كلها التي كتب فيها الأدباء الفلسطينيون عن جدُر أو عن جدار، وغالباً ما يردد الفلسطينيون في حديثهم الآية (يحاربونكم من وراء جدُر). ولسوف أعتمد على الذاكرة في استحضار ما تحفظ.
في قصيدة محمود درويش «بيروت» ١٩٨١ وفي قصيدته «صهيل على السفح» ١٩٨٦ يظهر دال الجدار لافتاً، وغالباً ما كنت أتغنى فيه طرباً أو ألماً أو حزناً. في الأولى يطلب الشاعر من بيروت أن تعطي الفلسطينيين جداراً واحداً ليصيحوا: يا بيروت! ولكي يروا أفقاً ونافذة من اللهب، ولكي يعلقوا فوقه سدوم التي انقسمت إلى عشرين مملكة لبيع النفط العربي، ولكي يصيح الفلسطينيون في شبه الجزيرة: بيروت خيمتنا الأخيرة، بيروت نجمتنا الأخيرة!»، وفي الثانية حيث يعدّ لسيدته صورته، فقد قرر أن ليس أمامه إلا الصعود، وهذا قد يودي بحياته، ويطلب منها أن تعلقها، إذا مات، فوق الجدار:
« تقول: وهل من جدار لها؟ قلت: نبني لها غرفة.. - أين.. في أي دار؟».
ولا جدار للفلسطيني يستند عليه.
وعموماً يمكن القول إن الجدار والكتابة عنه بدأ يلفت النظر بعد حزيران ٢٠٠٢ حين شرعت السلطات الإسرائيلية تبني جداراً فاصلاً بين المناطق المحتلة في ١٩٤٨ والقدس وبين مناطق من الضفة الغربية، وأيضاً بين إسرائيل وقطاع غزة، وهذا ما نلحظه في كتابات كثر مثل ناصر أبو سرور «حكاية جدار» وسمير الجندي «خلود» و «باب العمود» وبسام سليمان «ثقب في الجدار» وغيرها، وهذا يستحق متابعة لعل هناك من ينجزها!


***

113- عدنية شبلي: تفصيل ثانوي / تأملات قارئ (1من2)

تنتهي رواية عدنية شبلي «تفصيل ثانوي» (٢٠١٧) ببحث ساردتها عن مكان جريمة اغتصاب الضابط والجنود للفتاة البدوية وقتلها، تنتهي بمأزق يتمثل برؤية الجنود الإسرائيليين للساردة وارتيابهم في سيارتها، ما يدفع جندي ليصرخ آمراً إياها بالتوقف، فيما يرفع آخرون أسلحتهم.
لا بد أنهم انتبهوا إلى السيارة الصغيرة البيضاء التي دخلت المنطقة العسكرية «ولا محالة أثارت شكوكهم...».
تحاول الساردة أن تهدأ، وتلجأ إلى علبة العلكة التي اشترتها على الحاجز:
«أمد يدي، نحو جيبي لأتناول من داخله علبة العلكة. فجأة، يغمرني ما يشبه الحريق الحاد في يدي ثم صدري، يليه أصوات إطلاق نار بعيدة».
هل قتلت الساردة التي ولدت بعد ٢٥ عاماً من مقتل الفتاة البدوية المغتصبة؟
هل حالتنا حالة سيزيفية؟ وهل نحن منذورون للموت؟
لا بد من العودة إلى قصة الدكتور الجامعي الغزي ناصر أبو النور الذي ارتقى في الحرب والتذكير بها، وكان والده استشهد أيضاً في حرب ١٩٥٦.
(في ٢١/ ٢/ ٢٠٢٤ كتبت تحت عنوان «عائلات بأكملها تباد» اليوم ١٣٨ لطوفان الأقصى).

اغتصاب الفلسطينيات
هل سنقرأ بعد ٧٠ عاماً من حرب ٢٠٢٣ رواية على غرار رواية عدنية عن اغتصاب الفلسطينيات في غزة إبان حرب ٢٠٢٣؟
كتبت شبلي روايتها، بعد سبعين عاماً من ضياع فلسطين، عن اغتصاب فلسطينية بدوية في العام ١٩٤٨، واغتصاب الفلسطينيات كتبت عنه في أثناء كتابتي عن رواية أكرم مسلم «بنت من شاتيلا».
لم تتكشف بعد جرائم الحرب التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة، وإن رشحت بعض المعلومات عنها.
لا أعرف لماذا أتطرف أحياناً فأصل إلى تصور هو إما أن يبيدونا، نحن الفلسطينيين، أو ننتصر عليهم، فيهاجر منهم من يهاجر ويبقى منهم من يرغب في أن يعيش معنا مثلنا تماماً: أكنا بشراً أم كنا حيوانات مسرورين بما هم عليه؟!.
في سلطنة عمان هناك مليونا هندي وثلاثة ملايين عماني قسم منهم من زنجبار، وفي الفنادق والمطاعم والمقاهي وعلى متن الطائرات؛ مضيفين ومضيفات، ما يشبه برج بابل: بشر ذوو سحنات مختلفة ولغات مختلفة و ...
لقد حصلت أخيراً على نسخة أصلية من رواية شبلي التي أملك منها نسخة مصورة بشكل دوسيه وكنت قرأتها لأكتب عنها ثم..
أذكر أنني أشرت إليها في مقالي عن رواية مسلم الوارد ذكرها.

عن تصور الضابط اليهودي الصهيوني للعرب
«وإذا كان العرب، وفقاً لقانون العاطفة القومية العقيم خاصتهم، يرفضون فكرة عيشنا في هذه المنطقة واستمروا في مقاومتنا، مفضلين أن تبقى جرداء، علينا عندها أن نتصرف كجيش، فلا حق لأحد فيها أكثر منا، بعد أن أهملوها وتركوها مهجورة قروناً طويلة، يستأثر بها البدو وقطعانهم، بل من واجبنا أن نمنعهم من التواجد هنا وطردهم نهائياً، فالبدو عامة يقلعون ولا يزرعون، ومواشيهم تبتلع كل ما يمتد أمامها من خضرة، جاعلين المساحات الخضراء القليلة تتناقص يوماً بعد يوم، بينما نحن سنقوم بكل ما في وسعنا من أجل أن نمنح الفرصة لهذه المساحات الشاسعة أن تزهر وتصبح أهلاً للعيش، عوضاً عن تركها على ما هي عليه الآن، مجدبة غير مأهولة بالسكان...
«وهنا بالتحديد سيتم اختبار قوة إبداعنا وريادتنا، حتى نتمكن من تحويل النقب إلى منطقة مزدهرة ومتحضرة...» (صفحة ٤٠ و٤١).
في الفقرة السابقة يظهر لنا:
- تصور عدنية لليهودي الصهيوني. (تخيل الآخر)
- تصور اليهودي الصهيوني للعرب (تخيل المتخيل لآخره)
- تصور اليهودي الصهيوني لليهود. (تخيل المتخيل لذاته).
- ما لا يظهر هو تخيل الذات لذاتها القومية كما في رواية ناصر الدين النشاشيبي «حبات البرتقال» مثالاً، وإن روت الساردة عن نفسها نموذجاً للفلسطيني الواعي الذي يدافع عن حقه، كما في القسم الثاني من الرواية.
وإن عدنا إلى الأدبيات الصهيونية فإننا نقرأ الفقرة السابقة فيها. (رواية ثيودور هرتسل «أرض قديمة جديدة» على سبيل المثال).
وإن عدنا إلى الأدبيات الفلسطينية نقرأ الفقرة السابقة فيها أيضاً (غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» وإميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»).
ما سبق هو ما جعلني أقول إن الرواية في أفكارها وموضوعها لم تأتِ بجديد مختلف.
لقد كتبت دراسة لمؤتمر جامعة قفصة الدولي في تونس عن الخطاب الأدبي الصهيوني في رواية (هرتسل) ونقض الخطاب الأدبي الفلسطيني له في روايتي كنفاني وحبيبي. (نشرت في كتاب المؤتمر الذي نشر بثلاث لغات، وهي مدرجة على موقع جامعة النجاح الوطنية staff، كما ظهرت في كتابي «أوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني» الصادر في العام ٢٠١٤ عن معهد القاسمي في باقة الغربية).
هل أتجنى على الروائية؟
أين تكمن الجدة إذن في «تفصيل ثانوي»؟
طبعاً في الأسلوب وفي السرد وفي التركيز على عنصر الوصف والوقوف أمام التفاصيل الثانوية.


***


[114 - عدنية شبلي: تفصيل ثانوي/ تأملات قارئ (2 مـــن2)

عدنية شبلي وباسم خندقجي:
هل من فراغ، تساءلت إن كانت رواية عدنية من قراءات باسم الخندقجي حين شرع في كتابة روايته «قناع بلون السماء»؟
في كلتا الروايتين، تنتحل الشخصية الباحثة عن الحقيقة هوية شخص آخر لتتمكن من التنقل في المناطق الفلسطينية المحتلة في العام ١٩٤٨.
ساردة الجزء الثاني في «تفصيل ثانوي» تقيم في رام الله ولا يحق لها التنقل بيسر وسهولة في يافا والنقب، ولذلك تضطر إلى استعارة هوية صديقتها من القدس لتنجز مهمتها في البحث عن حقيقة اغتصاب فتاة بدوية في النقب في آب ١٩٤٩.
ونور في «قناع بلون السماء» (٢٠٢٣) ينجز مهمته من خلال هوية الجندي الإسرائيلي أور التي عثر عليها في بذلته العسكرية التي اشتراها من سوق البالة، ولولا هوية أور لما تمكن نور من دخول القدس والسفر إلى الجليل الفلسطيني في الشمال.
قيل، إن «عزازيل» يوسف زيدان إن هي إلا «شيفرة دافنشي» لـ(دان براون) ولكن بالعربية.
في رواية إلياس خوري «أولاد الغيتو: نجمة البحر» يتقمص آدم الفلسطيني شخصية يهودية ويتماثل معها، و»يا ما في السجن مظاليم» وسبحان من خلق من الشبه أربعين، والأرواح في بعض المعتقدات تتناسخ، وكذلك الأعمال الأدبية.
ما من كتابة تبدأ من بياض والكتابة كتابة على الكتابة و ...!!
حول السرد في «تفصيل ثانوي»:
يروى الفصل الأول بضمير الغائب - أي الـ»هو»، إذ نصغي إلى سارد غير محدد الملامح يروي عن الضابط الإسرائيلي وجنوده، ولكن السرد أحيانا يغدو بالضمير الأول وذلك حين يترك السارد الضابط يتكلم مخاطبا جنوده، كما في الصفحتين ٤٠ و٤١ مثالاً. السارد هنا يغدو معروفاً. تضع الكاتبة - الأصح السارد غير محدد الملامح - كلام الضابط بين علامتي تنصيص.
هنا يقدم الضابط تصوره للذات الصهيونية وتصوره للعرب والبدو والفتاة البدوية والأرض/ الصحراء. هذا التصور بالتأكيد هو ما نقرؤه في الأدبيات الصهيونية التي درسها غسان كنفاني وغيره أيضا.
اليهودي الغربي المهتم بالنظافة مقابل الفتاة البدوية ذات الرائحة النتنة التي يجب أن تغتسل وتعقم ويعقم شعرها قبل أن يغتصبها، ومع ذلك تبقى رائحتها كريهة؛ رائحة شعر رأسها.
الأرض جدباء جرداء لإهمال العرب لها آلاف السنين، والآن جاء اليهود ليعمروها ويجعلوها أرضا خضراء مزدهرة مخصبة.
القسم الثاني، ترويه بضمير المتكلم الشابة الفلسطينية الباحثة المقيمة في رام الله والمولودة في العام ١٩٧٤ - تاريخ ولادة عدنية - وتهتم بمظهرها ونظافتها وأناقتها وهي متعلمة ليست عالة على رجل، متحررة تعتمد في حياتها على نفسها. إن صورتها صورة نقيض للصورة التي برزت في القسم الأول للفتاة البدوية.
هل كان كلام الضابط الإسرائيلي الذي وضعته الكاتبة بين علامات تنصيص مقتبساً من مصادر إسرائيلية؟ من كتب. من روايات. من صحف. من جدل يومي مع الإسرائيليين؟
توفيق فياض ترجم رواية (يزهار سميلانسكي) «خربة خزعة» التي أتت على قرية فلسطينية فقيرة معدمة بائسة لا يبدو أهلها نظيفين. يبدون رثي الملابس أشكالهم مخيفة لشدة عوزهم وسوء وضعهم الصحي. هل كانت رواية «خربة خزعة» من قراءات عدنية؟ هل شاهدت الفيلم؟ هل رأت ما فعله الجنود بالريفي الفلسطيني الفقير؟
عدنية شبلي وأكرم هنية والخبر اللافت الذي يحث قارئه على البحث والتقصي:
عندما قرأت نوفيلا «تفصيل ثانوي» تذكرت قصة أكرم هنية «شهادات واقعية حول موت المواطنة (منى. ل)».
لست متأكدا إن كانت قصة هنية من قراءات شبلي، ولذلك فإن من يؤكد الرأي أو ينفيه هو الكاتبة نفسها، ولنا بعد ذلك أن نكون حسني النية ونأخذ برأيها.
لماذا تذكرت قصة هنية؟
كلتا القصتين، سبب كتابتهما هو قراءة خبر في جريدة يدفع الساردين/ الكاتبين إلى تقصي الأحداث للوصول إلى الحقيقة. هذا لا ينفي بالتأكيد أن هناك أعمالا أخرى أسبق من عمل هنية نفسه.
سارد قصة هنية/ كاتبها يقرأ خبرا، وهو رئيس تحرير جريدة، عن انتحار مواطنة، فيبدأ رحلة تقصٍ لمعرفة الحقيقة، وهكذا تنجز القصة.
وساردة الجزء الثاني من رواية شبلي هي باحثة تعمل في مركز أبحاث. تقرأ ذات نهار مقالا لصحافي إسرائيلي عن حادثة اغتصاب فتاة بدوية فلسطينية في الفترة بين ٩ و١٣ آب ١٩٤٩، فتبدأ رحلة تقصٍ وتسافر إلى مكان الحدث علّها تتعرف إليه من خلال تفصيل ثانوي غالبا ما يقود إلى معرفة الحقيقة كاملة أو التفاصيل الرئيسة.
في قصة هنية، هناك فتاة تنتحر أو تموت موتا غامضا، وفي قصة شبلي هناك فتاة تغتصب ثم تقتل.
هل ذهبت بعيدا وحملت نوفيلا شبلي ما لم يخطر، ربما، ببالها؟
من كان منكم/ منكن يعرف الكاتبة فأرجو أن يوجه إليها السؤال الوارد سابقا، ونحن نجتهد!!
ماذا لو؟!
ماذا لو تتبعت تصور اليهودي في الرواية لنفسه وللفتاة البدوية التي يغتصبها وجنوده ولأرض فلسطين/ صحراء النقب (٢٠١٧) وقارنتها بالصورة التي أبرزها إميل حبيبي في روايته «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (١٩٧٤)، بخاصة في الرسالة التي عنوانها «حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة»؟
وماذا لو تتبعت الكتابة عن المكان في الروايتين، ما كان وما صار إليه؟
طبعا هناك فارق كبير في الأسلوب الكتابي بين الروايتين.

****

115- الفلسطيني «الهامشي» في حيفا - رياض بيدس

قبل أيام قررت أن أقرأ «الهامشي» لرياض بيدس، وأخذت أبحث عن مراجعات لها.
أنفقت ساعات أنظر في كتب نبيه القاسم أكثر من تابع إصدارات الكتاب في فلسطين، فلم يخطر ببالي أنه لم يكتب عنها.
نبيه ناقد مواظب تابع إصدارات أكثر الكتاب متابعة حثيثة وأصدر كتباً خاصة بسميح وإميل وسحر ومحمد علي طه، ومن لم يصدر عن نتاجه كتاباً، فقد ضم ما كتب عن نتاجه في الصحف والمجلات في كتاب.
أنفقت يومين، وعبثاً عثرت على مقال أو دراسة.
سألت الذكاء الاصطناعي الـ Gemini فلم يفدني، وهكذا قررت أن أسأل الناقد نفسه، فأجابني بأنه لم يكتب.
نظرت في كتب نقدية لمحمد صفوري ولرياض كامل، ولم أعثر، فعدت أسأل الـ Gemini عن الذين كتبوا عنها أو عن الكاتب، وعرفت أنه كتب عنه في كتب عامة وأن آمال رضوان وآخرين تناولوا أعماله في دراسات عامة.
لم يلفت Gemini انتباهي إلى كتابي محمود غنايم «المدار الصعب: رحلة القصة الفلسطينية في إسرائيل» (1995) ومنار مخول «سيسموغرافيا الهويات: الانعكاسات الأدبية لتطور الهوية الفلسطينية في إسرائيل ١٩٤٨ - ٢٠١٠» (2019) ولا إلى بعض دراسات أخرى مثل دراسة إحسان الديك في موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث/ الأدب المحلي/ الكتاب الثاني «الاغتراب والغرابة في قصص رياض بيدس».
تناول غنايم ومخول الهامشي، وركز الديك على قصص من مجموعة «حكاية الديك الفصيح» (2001).
ومع أنه كتب عن الاغتراب والغرابة لدى الكاتب، فلا أعرف لماذا لم يكتب عن «الهامشي» التي تعد مثالاً جيداً للموضوع.
كتب غنايم عن الشخصيات اليهودية، وهذا موضوع حاضر في القصة/ النوفيلا بشكل لافت، وصنفها مخول على أنها من روايات الحيرة، وقارئ ما ورد في كتابي الكاتبين لا يلحظ التفاتاً إلى الأسلوب أو البناء الفني، ولكنه سيلحظ اختلافاً بيناً، فبينما لم يذكر غنايم اسم الشخصية وظل يستخدم دال «الراوي»، وهو محق في هذا لأن الاسم لا يظهر إلا في نهاية الرواية، استخدم مخول اسم الشخصية التي لم يرد ذكرها إلا مرة واحدة في نهاية الرواية، والطريف أنه ظل يذكر اسمها سميح، مع أن الاسم هو سامح، وظل يخطئ في ذكره، كما أخطأ في اسم صديقة سامح نائلة فذكره لمياء.
رياض بيدس كاتب معروف ويشهد له ولفتت بعض قصصه انتباهي، بخاصة تلك التي يعبر فيها عن الواقع من خلال قناع تراثي مثل قصة «كتابة ديباجة رسالة لكافور» من مجموعته الأولى «الجوع والجبل» (1980)، وقصة «عنترة في حيفا» من مجموعة «حكاية الديك الفصيح» (2001).
ويخيل إلي أن أجواء قصة «عنترة في حيفا» لا تبتعد كثيراً عن أجواء «الهامشي» ويبدو أن الكاتب كتبهما من وحي تجربته هو في المدينة، فكلتا الشخصيتين، في القصة القصيرة وفي القصة الطويلة/ النوفيلا تعاني من الاغتراب في المكان ذاته، وكلتاهما تأتي على شخصية ليست من مواليد حيفا تفد إليها والمدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1948.
في «عنترة في حيفا» نقرأ عن حضور عنترة إلى حيفا حيث رآه السارد في وادي النسناس «وسألني عن أسماء الشوارع في حيفا، وما الذي تغير أو بقي منها على حاله منذ أربعة عقود» ولا يجيبه السارد ويطلب منه أن يستعين بدائرة أو مكتب استعلامات «فحيفا ليست قرية كما أني لست حيفاوياً».
ولم يكن السارد مرتاحاً فحياته مضببة بالخمول. كان عنترة الوحيد الذي يتكلم العربية مع صديقته.
سامح في «الهامشي» ليس أيضاً حيفاويا، ولم تكن حياته في المدينة مريحة، وغالباً ما كان يتكلم العبرية، فقسم ممن يعمل معهم أو يتعامل معهم يهود، وتكثر الشخصيات اليهودية في «الهامشي»، ما لفت إليه نظر محمود غنايم.
في حيفا تفضح العربي ملامحه، وفي كافتيريا الجامعة تختلط الأصوات: عبرية وعربية، وتكون الشخصية العربية برمة وقلقة وغير منضبطة وتكون له صديقة عربية هي نائلة يعيش معها دون زواج رسمي.
إن أزمته في حيفا تكمن في أنه عربي في مجتمع أكثره يهود، مع أنه يعمل معهم في المكتبة ويزورهم في بيوتهم، وهو هارب من مجتمع القرية المحافظ لأنه هناك في أزمة حيث لا يريد أن يعيش كما يطلب منه المجتمع.
أزمة في حيفا وأزمة في القرية ولهذا يفكر في السفر إلى باريس. إنه «الهامشي» حقاً.
ما أعرفه أن رياض بيدس سافر بعد كتابة الرواية إلى باريس، ومؤخراً عرفت أنه يقيم الآن في تل أبيب قرب يافا. هل في سامح الكثير من رياض؟
ربما تجدر قراءة أعماله اللاحقة.
كان إميل حبيبي في «اخطية» 1986 أول من كتب عن حيفا رواية مكان، وتأتي الهامشي لتكون العمل الأدبي الثاني، ولكن أمتع ما كتب عن حيفا هو ما كتبه سلمان ناطور في كتابه «ستون عاماً: رحلة الصحراء: ذاكرة - سفر على سفر- انتظار» 2018 تحت عنوان «نعود إلى حيفا ولا نعود» من صفحة 325 إلى صفحة 440، ولو كنت صاحب دار نشر لنشرت هذه الصفحات في كتاب خاص.

****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...