فى 219 صفحة من الحكى المشوق تدفقت رواية متاهة الغرف المتداخلة ذات البعد النفسى (1) بصوت سليمان وهو الشخصية الرئيسية من مستشفى للأمراض النفسية وبتقنية الاسترجاع يستعيد حياته وذكرياته وسبب مجيئه إلى هذا المكان، ويشير عنوان الرواية إلى هذا الاضطراب النفسى للشخصية فعبارة متاهة مشتقة من الفعل تاه ويعنى ضلَّ الطريق أو تحير أو اضطرب وتشير الغرف المتداخلة إلى الشخصيات التى تستحوذ على شخصية سليمان وتنطق بصوتها على ما سنرى فى ثنايا الرواية .
يبدأ السرد بصوت الشخصية الرئيسية سليمان وهو راوٍ مشارك بضمير الأنا المتكلم ثم ينتقل إلى ضمير المخاطب لشخص ما أو لذاته (2)، " عندما نزلتُ إلى هنا لأول مرة (مستشفى الأمراض النفسية) ....ثم جئتَ أنت وسحبتنى ناحية الكنبة الخشبية العتيقة الموجودة تحت هذه الشجرة "ص11، سليمان رسام مرهف الحس ومصاب باضطراب نفسى حيث يستحوذ عليه عدة شخصيات "كنت أعانى كما قال الأطباء من مرض أضطراب تعدد الشخصيات "ص87 ومودع بمستشفى الأمراض النفسية بعد حادثة مقتل حبيبته صافى بيد إحدى الشخصيات المسيطرة عليه وهو ربيع الوحش (خادم أبيه )، والتى تبين أنها لم تمت فى نهاية الرواية وقد كانت طريقة من الكاتب لإضفاء نوعا من التشويق والإثارة وكسر لتوقع القارئ ، وقد نشأ سليمان فى بيئة قاسية تحت أب قاسٍ مسيطر وشهوانى فكان يضرب ابنه بالكرباج بدعوى محاولة إخراج الجن من جسده، مما تسبب بقسوته المفرطة على ابنه بإصابته باضطراب نفسى خاصة أنه كان مرهف الحس منذ صغره ويهوى الفن، كذلك كانت قسوة المعلم عليه بالمدرسة وموت أمه وهو صغير وفقد السند له من أسباب إصابته بالاضطراب النفسى، وقد احتضنته الخالة فاطمة زوجة أبيه وشملته بعطفها عليه، وهناك محور آخر تناوله حكى سليمان وهو علاقته بصافى وهى موديل للرسم تعرف عليها بمرسم صديقه فارس وأحبها وأحبته وأفاض فى وصف جمالها إلا أنها لشدة غيرتها من لوحة الماجا العارية للرسام الإسبانى جويا قامت بتمزيقها فأدى إلى قتلها بيد ربيع الوحش إحدى الشخصيات المسيطرة عليه ، وقد توالدت عدة حكايات فرعية عن هذين المحورين بطريقة التوالد أو التناسل وهى طريق الحكى فى ألف ليلة وليلة ، منها حكاية أمه ماري التى قُتلت على يد أبيه الشيخ ثم أجبرابنتها على تغيير ديانتها ببشاعة وغير اسمها إلى أمينة ثم تزوجها وانجب منها سليمان ، ومثل اعتدائه على زوجة خادمه المخلص ربيع الوحش، وهى حكايات تبين وحشية شخصية أبيه ، وكذلك حكاية طارق أخيه الذى التحق ضابطا بالجيش ثم أصيب بانهيار عصبى عقب هزيمة يونيو 1967، كذلك حكاية سبعاوى زميل سليمان فى المستشفى والذى كان معتقلا لانضمامه إلى حزب شيوعى وقد أنهى حياته منتحرا بأن قفز ومعه عامل الأمن من سطح مستشفى الأمراض النفسية عندما سخرمنه، وهى حكايات لشخصيات فرعية (3) ساهمت فى تطوير الأحداث وإبراز جوانب من الشخصيات الرئيسية مثل قسوة الاب واضطراب شخصية الابن سليمان .
لعب الفن التشكيلى دورًا رئيسيًا وكبيرًا فى فضاء الرواية فالشخصية الرئيسية رسام وصديقه فارس رسام أيضا وصافى حبيبة سليمان موديل فى مرسم صديقه، كما تم توظيف عدة لوحات عالمية وربطها بأحداث الرواية مثل لوحة الصرخة للرسام النرويجى إدفارد مونش وربطها بقهر شخصية البطل وسحقه من قبل أبيه، ولوحة الماجا العارية للرسام الإسبانى جويا فراشيسكو والتى أثارت غيرة حبيبته صافى فمزقتها فأدى إلى قتلها بيد ربيع الوحش فى توهم سليمان ، ولوحة الموجة التاسعة للفنان الروسى لإيفان إيفازوفسكى حيث تظهر موجة عاتية ومجموعة صغيرة من الناس يتشبثون بحطام سارية تغرق وقت الفجر وربطها بغرق كارتة أبيه ومعه خادمه ربيع الوحش وكذا الحصانين، كما نجد إشارات إلى الألوان وهى عصب الفن التشكيلى ، فاللون الأحمر هو لون السخونة والنار واللون الأبيض يشبه الموت واللون الأصفر هو لون العاطفة إلا أنه لون الخوف الذى يؤدى للانتحار، كما هناك إشارة إلى رواية المسخ أو التحول لفرانز كافكا كمثل لشعورالانسحاق لدى البطل.
اللغة : تميزت اللغة بالقوة والتماسك والشاعرية وكانت بحق لغة تصويرية مثل مشهد وصف حبيبته صافى فكان أشبه برسم لوحة تشكيلية بالكلمات " كانت تستلقى على مخدع من قماش حريرى، أورجوانى اللون، الغرفة على اتساعها خالية من الضوء عدا شمعة صغيرة مضاءة وضعت فى ركن قريب، كان الوقت ليلا وضوؤها يتماوج عاكسا لون المخدع فوق جسدها شبه العارى، أتذكر أنه فى تلك اللحظة كأن كأسا من النبيذ الأحمر انسكب على جسدها فى مشهد خيالى، خطفنى سحر عينيها المفعم بمزيج من الرغبة والشهوة معا بينما خصلات شعرها الأسود اللامع تنزلق من فوقهما حتى لامست الأرض"ص19 .
كان التشبيه هو الأداة الأكثر شيوعا فى جماليات اللغة فعندما يتكلم عن حبيبته صافى يصفها كحمامات بيضاء تخطف القلب..كأنها ملاءة بيضاء تنبسط فوق الارض .." فى فقرة كبيرة فى ص19 بلغة غاية فى الرقة والرومانسية والجمال،وكذلك التشبيه فى"ابتسامات باهتة كانت مثل رايات بيضاء نزفها كدليل على السلام القائم بيننا "ص87 ، "تنقلت الطائرة كأنها عصفور ينطلق من قفصه الذى فتح بابه فجأة "ص86، كان الليل يجثم على الطريق كملاءة سوداء تفصل الحقول عن بيوت القرية بستار من الظلمة والحلكة"، كذلك اتسمت اللغة بالقوة التعبيرية مثل وصفه لكراهية أبيه له " تبدو الكراهية واضحة فى عينيه، كراهية قوية لها رائحة نفاذة، كنت أشمها حين يخطو أمامى" ص119 ، كذلك اتسمت بعض الجمل بالعذوبة والجمال مثل ما جاء على لسان الخالة فاطمة " الله لا يوجد فى قلب يمتلئ بالكراهية"، وعلى لسان صديقه فارس "يا رجل ليست الحياة بهذه الوحشة " فكانتا بمثابة الضوء داخل نفق مظلم يوحى بالأمل وعدم اليأس.
إلا أن اللغة كانت تقريرية فى بعض الفقرات مثل "كانت فكرة الموت بعيدة جدا عن ظنى.."ص133 فالجملة تبدو فلسفية فى حين لوعبر بكلمة الموت مباشرة لكانت أكثر انسيابية فى السرد،، بل نقل الكاتب فقرة كاملة من كتاب التاريخ الكامل للعالم فى ص136، 137 وأشار فى الهامش إلى اسم الكتاب، ونرى أن ذلك أثقل السرد فى تلك المواضع .
وقد تنقل الراوى المشارك بين الضمائر الثلاثة (انا وأنت وهو) إلا أن ضمير المخاطب كان الأكثر استعمالا فى السرد ومعبرا عن رؤية الشخصية الرئيسية سليمان حيث توجه بالحكى إلى شخص ما أو إلى ذاته (3) المنقسمة مسترجعا حياته السابقة على دخول المستشفى كما استخدم ضمائر أخرى مثل ضمير الغائب (الراوى العليم) وضمير المتكلم مما شارك رؤى أخرى مع السارد الرئسيى فأحدث حيوية فى السرد وأبعد عنه الملل خاصة مع هذا العدد الكبير من الشخصيات الثانوية مثل الخالة فاطمة وأخيه طارق وصديقه فارس وزميله فى المستشفى سبعاوى وربيع الوحش وغيرهم .
كانت شخصية صافى أيقونة الجمال والإيروتيكا نظرإليها سليمان كفنان نظرة انبهار من جرأتها وجمال جسدها (كما فى فقرة وصفها سابقا فى عنصر اللغة) واختلطت الإيروتيكا عنده بالتصوف فى هذه العبارة " عيناى على نصف صدرها العارى الذى يعلو ويهبط بالحلمتين البارزتين كحبتى بندق تحت قميصها الشفاف .. كانت تجلس مباشرة أمام النار كاشفة عن ساقيها اللتين أصبحتا بلون الجمر المشتعل، وأنا أنظر إليها بهذا الشغف الذى راح يجرنى إلى طريق معبد مرصوف بالزغب ومرفوع على عمودين من رخام يشع بياضهما فى وهج النار كعابد متصوف ضل طريقه ...ص31 ويلاحظ بهذه الفقرة تكرار لفظ النار كرمز للغريزة الجنسية ولها أيضا بعد مقدس وكذلك التشبيه كعابد متصوف واختلاط الشهوة بالقداسة تجاه صافى ، وربما هذه النظرة المقدسة إلى صافى هى التى جعلته عاجزا عن التواصل معها جنسيا، وهو الدور الذى قام به ربيع الوحش (احدى الشخصيات المسيطرة عليه).
هناك أبعاد كثيرة بالرواية بالإضافة إلى البعد النفسى المشار إليه سابقا، فهناك بعد معرفى كبير جدا فى الرواية فى مجال الفن التشكيلى حتى أنها تعتبر بحق أشبه بمعرض كبير للفنون التشكيلية وذكر نبذات عنها بالهامش بل وشرح لبعض تلك اللوحات مثل شرح لوحة الماجا العارية، وفى مدينة نابولى بإيطاليا الغنية بالفن التشكيلى والنحت، وكذلك ظهر البعد المعرفى فقرة كاملة من كتاب العالم وكذلك البعد الفلسفى عن الموت"كانت فكرة الموت بعيدة جدا عن ظنى.."ص133، وعن الضمير مثل"أحيانا يتمرد الضمير على عبوديته وانسحاقه أمام الإرادة يفشى بتمرده ما يعتمل فى النفوس من شر أو مشاعر من أى نوع ويكشفها من خلال نظرة عين أو اختلاجات ملامح أو حركة للجسد من دون قصد " ص145، وكذلك كانت هناك إشارة لهزيمة يونيو 1967 وانهيار الحلم الناصرى فى قصة الضابط طارق الذى حدث له انهيارعصبى عقب الهزيمة إلى أن مات ، كذلك هناك إشارة إلى انتهاك حقوق الإنسان فى قصة سبعاوى الذى أُعتقل لمجرد انتماؤه لحزب شيوعى والسخرية منه فى السجن بعبارة (ارقصى يابقرة) ، وهى إشارات قصيرة دالة على الأوضاع السياسة فى ذلك الوقت دون مباشرة أو تسويق لأفكار أيدلوجية ، كذلك الإشارة إلى طريقة موت الأب الطاغية بالغرق فى كارته ومعه مساعده وكأنه فرعون موسى ربما إشارة إلى هلاك الحكام الطغاة وسوء عاقبتهم .
وأخيرا اتسمت الرواية بالمعمار الفنى البديع والأبعاد المتعددة النفسية والفنية والمعرفية والفلسفية والتى أشرنا إليها كما تميزت بلغة فنية جمالية تصويرية باذخة وكذلك إشارات أجتماعية وسياسية وعسكرية دون مباشرة .
_______________________________________________________________________
الهوامش : 1- الرواية النفسية هى نوع أدبى يركز على العالم الداخلى لشخصياتها، حيث تقدم الأحداث والأفكار والمشاعر والذكريات من منظور ذاتى لواحد أو أكثر من الأبطال، بدلا من من الأحداث الخارجية المتسلسة، وتتميز هذه الروايات بالتركيز على عمليات الوعى وقد تستخدم تيار الوعى أو الأحلام لتصوير الحالات النفسية المعقدة مع بروز شخصيات تتحرك بدوافع ورغبات داخلية عميقة وفقا لمبادى التحليل النفسى لفرويد وغيره من علماء النفس ، ولذلك نرى أن الرواية ذات بعد نفسى وليست رواية نفسية على إطلاقها بالكامل .
2- "بل إن المحدّث قد يتجه بالحديث إلى ذاته، فتخرج لنا أصفى صور الحديث وأعمقها وأطولها على الإطلاق فى نثرنا العربى مثل المواقف والمخاطبات للنفرى والإشارات الإلاهية لأبى حيان التوحيدى...تناجى فيه الذات نفسها ، تحادثها وتدعوها وتعنفها وتوبخها..حديث ذات منقسمة على نفسها" ص 46 (من كتاب أنت ضمير المخاطب فى السرد العربى د خيرى دومة).
3- تنقسم الشخصيات فى الرواية إلى رئيسية وثانوية أو مساعدة حيث الشخصية الرئيسية هى المحور الأساسى للقصة وتتطور أحداثها حولها ، بينما الشخصية الثانوية لدعم القصة وتساعد فى تطوير الأحداث وإبراز جوانب من الشخصية الرئيسة وقد تكون لها أدوارا محددة دون أن تكون مركز اهتمام السرد .
يبدأ السرد بصوت الشخصية الرئيسية سليمان وهو راوٍ مشارك بضمير الأنا المتكلم ثم ينتقل إلى ضمير المخاطب لشخص ما أو لذاته (2)، " عندما نزلتُ إلى هنا لأول مرة (مستشفى الأمراض النفسية) ....ثم جئتَ أنت وسحبتنى ناحية الكنبة الخشبية العتيقة الموجودة تحت هذه الشجرة "ص11، سليمان رسام مرهف الحس ومصاب باضطراب نفسى حيث يستحوذ عليه عدة شخصيات "كنت أعانى كما قال الأطباء من مرض أضطراب تعدد الشخصيات "ص87 ومودع بمستشفى الأمراض النفسية بعد حادثة مقتل حبيبته صافى بيد إحدى الشخصيات المسيطرة عليه وهو ربيع الوحش (خادم أبيه )، والتى تبين أنها لم تمت فى نهاية الرواية وقد كانت طريقة من الكاتب لإضفاء نوعا من التشويق والإثارة وكسر لتوقع القارئ ، وقد نشأ سليمان فى بيئة قاسية تحت أب قاسٍ مسيطر وشهوانى فكان يضرب ابنه بالكرباج بدعوى محاولة إخراج الجن من جسده، مما تسبب بقسوته المفرطة على ابنه بإصابته باضطراب نفسى خاصة أنه كان مرهف الحس منذ صغره ويهوى الفن، كذلك كانت قسوة المعلم عليه بالمدرسة وموت أمه وهو صغير وفقد السند له من أسباب إصابته بالاضطراب النفسى، وقد احتضنته الخالة فاطمة زوجة أبيه وشملته بعطفها عليه، وهناك محور آخر تناوله حكى سليمان وهو علاقته بصافى وهى موديل للرسم تعرف عليها بمرسم صديقه فارس وأحبها وأحبته وأفاض فى وصف جمالها إلا أنها لشدة غيرتها من لوحة الماجا العارية للرسام الإسبانى جويا قامت بتمزيقها فأدى إلى قتلها بيد ربيع الوحش إحدى الشخصيات المسيطرة عليه ، وقد توالدت عدة حكايات فرعية عن هذين المحورين بطريقة التوالد أو التناسل وهى طريق الحكى فى ألف ليلة وليلة ، منها حكاية أمه ماري التى قُتلت على يد أبيه الشيخ ثم أجبرابنتها على تغيير ديانتها ببشاعة وغير اسمها إلى أمينة ثم تزوجها وانجب منها سليمان ، ومثل اعتدائه على زوجة خادمه المخلص ربيع الوحش، وهى حكايات تبين وحشية شخصية أبيه ، وكذلك حكاية طارق أخيه الذى التحق ضابطا بالجيش ثم أصيب بانهيار عصبى عقب هزيمة يونيو 1967، كذلك حكاية سبعاوى زميل سليمان فى المستشفى والذى كان معتقلا لانضمامه إلى حزب شيوعى وقد أنهى حياته منتحرا بأن قفز ومعه عامل الأمن من سطح مستشفى الأمراض النفسية عندما سخرمنه، وهى حكايات لشخصيات فرعية (3) ساهمت فى تطوير الأحداث وإبراز جوانب من الشخصيات الرئيسية مثل قسوة الاب واضطراب شخصية الابن سليمان .
لعب الفن التشكيلى دورًا رئيسيًا وكبيرًا فى فضاء الرواية فالشخصية الرئيسية رسام وصديقه فارس رسام أيضا وصافى حبيبة سليمان موديل فى مرسم صديقه، كما تم توظيف عدة لوحات عالمية وربطها بأحداث الرواية مثل لوحة الصرخة للرسام النرويجى إدفارد مونش وربطها بقهر شخصية البطل وسحقه من قبل أبيه، ولوحة الماجا العارية للرسام الإسبانى جويا فراشيسكو والتى أثارت غيرة حبيبته صافى فمزقتها فأدى إلى قتلها بيد ربيع الوحش فى توهم سليمان ، ولوحة الموجة التاسعة للفنان الروسى لإيفان إيفازوفسكى حيث تظهر موجة عاتية ومجموعة صغيرة من الناس يتشبثون بحطام سارية تغرق وقت الفجر وربطها بغرق كارتة أبيه ومعه خادمه ربيع الوحش وكذا الحصانين، كما نجد إشارات إلى الألوان وهى عصب الفن التشكيلى ، فاللون الأحمر هو لون السخونة والنار واللون الأبيض يشبه الموت واللون الأصفر هو لون العاطفة إلا أنه لون الخوف الذى يؤدى للانتحار، كما هناك إشارة إلى رواية المسخ أو التحول لفرانز كافكا كمثل لشعورالانسحاق لدى البطل.
اللغة : تميزت اللغة بالقوة والتماسك والشاعرية وكانت بحق لغة تصويرية مثل مشهد وصف حبيبته صافى فكان أشبه برسم لوحة تشكيلية بالكلمات " كانت تستلقى على مخدع من قماش حريرى، أورجوانى اللون، الغرفة على اتساعها خالية من الضوء عدا شمعة صغيرة مضاءة وضعت فى ركن قريب، كان الوقت ليلا وضوؤها يتماوج عاكسا لون المخدع فوق جسدها شبه العارى، أتذكر أنه فى تلك اللحظة كأن كأسا من النبيذ الأحمر انسكب على جسدها فى مشهد خيالى، خطفنى سحر عينيها المفعم بمزيج من الرغبة والشهوة معا بينما خصلات شعرها الأسود اللامع تنزلق من فوقهما حتى لامست الأرض"ص19 .
كان التشبيه هو الأداة الأكثر شيوعا فى جماليات اللغة فعندما يتكلم عن حبيبته صافى يصفها كحمامات بيضاء تخطف القلب..كأنها ملاءة بيضاء تنبسط فوق الارض .." فى فقرة كبيرة فى ص19 بلغة غاية فى الرقة والرومانسية والجمال،وكذلك التشبيه فى"ابتسامات باهتة كانت مثل رايات بيضاء نزفها كدليل على السلام القائم بيننا "ص87 ، "تنقلت الطائرة كأنها عصفور ينطلق من قفصه الذى فتح بابه فجأة "ص86، كان الليل يجثم على الطريق كملاءة سوداء تفصل الحقول عن بيوت القرية بستار من الظلمة والحلكة"، كذلك اتسمت اللغة بالقوة التعبيرية مثل وصفه لكراهية أبيه له " تبدو الكراهية واضحة فى عينيه، كراهية قوية لها رائحة نفاذة، كنت أشمها حين يخطو أمامى" ص119 ، كذلك اتسمت بعض الجمل بالعذوبة والجمال مثل ما جاء على لسان الخالة فاطمة " الله لا يوجد فى قلب يمتلئ بالكراهية"، وعلى لسان صديقه فارس "يا رجل ليست الحياة بهذه الوحشة " فكانتا بمثابة الضوء داخل نفق مظلم يوحى بالأمل وعدم اليأس.
إلا أن اللغة كانت تقريرية فى بعض الفقرات مثل "كانت فكرة الموت بعيدة جدا عن ظنى.."ص133 فالجملة تبدو فلسفية فى حين لوعبر بكلمة الموت مباشرة لكانت أكثر انسيابية فى السرد،، بل نقل الكاتب فقرة كاملة من كتاب التاريخ الكامل للعالم فى ص136، 137 وأشار فى الهامش إلى اسم الكتاب، ونرى أن ذلك أثقل السرد فى تلك المواضع .
وقد تنقل الراوى المشارك بين الضمائر الثلاثة (انا وأنت وهو) إلا أن ضمير المخاطب كان الأكثر استعمالا فى السرد ومعبرا عن رؤية الشخصية الرئيسية سليمان حيث توجه بالحكى إلى شخص ما أو إلى ذاته (3) المنقسمة مسترجعا حياته السابقة على دخول المستشفى كما استخدم ضمائر أخرى مثل ضمير الغائب (الراوى العليم) وضمير المتكلم مما شارك رؤى أخرى مع السارد الرئسيى فأحدث حيوية فى السرد وأبعد عنه الملل خاصة مع هذا العدد الكبير من الشخصيات الثانوية مثل الخالة فاطمة وأخيه طارق وصديقه فارس وزميله فى المستشفى سبعاوى وربيع الوحش وغيرهم .
كانت شخصية صافى أيقونة الجمال والإيروتيكا نظرإليها سليمان كفنان نظرة انبهار من جرأتها وجمال جسدها (كما فى فقرة وصفها سابقا فى عنصر اللغة) واختلطت الإيروتيكا عنده بالتصوف فى هذه العبارة " عيناى على نصف صدرها العارى الذى يعلو ويهبط بالحلمتين البارزتين كحبتى بندق تحت قميصها الشفاف .. كانت تجلس مباشرة أمام النار كاشفة عن ساقيها اللتين أصبحتا بلون الجمر المشتعل، وأنا أنظر إليها بهذا الشغف الذى راح يجرنى إلى طريق معبد مرصوف بالزغب ومرفوع على عمودين من رخام يشع بياضهما فى وهج النار كعابد متصوف ضل طريقه ...ص31 ويلاحظ بهذه الفقرة تكرار لفظ النار كرمز للغريزة الجنسية ولها أيضا بعد مقدس وكذلك التشبيه كعابد متصوف واختلاط الشهوة بالقداسة تجاه صافى ، وربما هذه النظرة المقدسة إلى صافى هى التى جعلته عاجزا عن التواصل معها جنسيا، وهو الدور الذى قام به ربيع الوحش (احدى الشخصيات المسيطرة عليه).
هناك أبعاد كثيرة بالرواية بالإضافة إلى البعد النفسى المشار إليه سابقا، فهناك بعد معرفى كبير جدا فى الرواية فى مجال الفن التشكيلى حتى أنها تعتبر بحق أشبه بمعرض كبير للفنون التشكيلية وذكر نبذات عنها بالهامش بل وشرح لبعض تلك اللوحات مثل شرح لوحة الماجا العارية، وفى مدينة نابولى بإيطاليا الغنية بالفن التشكيلى والنحت، وكذلك ظهر البعد المعرفى فقرة كاملة من كتاب العالم وكذلك البعد الفلسفى عن الموت"كانت فكرة الموت بعيدة جدا عن ظنى.."ص133، وعن الضمير مثل"أحيانا يتمرد الضمير على عبوديته وانسحاقه أمام الإرادة يفشى بتمرده ما يعتمل فى النفوس من شر أو مشاعر من أى نوع ويكشفها من خلال نظرة عين أو اختلاجات ملامح أو حركة للجسد من دون قصد " ص145، وكذلك كانت هناك إشارة لهزيمة يونيو 1967 وانهيار الحلم الناصرى فى قصة الضابط طارق الذى حدث له انهيارعصبى عقب الهزيمة إلى أن مات ، كذلك هناك إشارة إلى انتهاك حقوق الإنسان فى قصة سبعاوى الذى أُعتقل لمجرد انتماؤه لحزب شيوعى والسخرية منه فى السجن بعبارة (ارقصى يابقرة) ، وهى إشارات قصيرة دالة على الأوضاع السياسة فى ذلك الوقت دون مباشرة أو تسويق لأفكار أيدلوجية ، كذلك الإشارة إلى طريقة موت الأب الطاغية بالغرق فى كارته ومعه مساعده وكأنه فرعون موسى ربما إشارة إلى هلاك الحكام الطغاة وسوء عاقبتهم .
وأخيرا اتسمت الرواية بالمعمار الفنى البديع والأبعاد المتعددة النفسية والفنية والمعرفية والفلسفية والتى أشرنا إليها كما تميزت بلغة فنية جمالية تصويرية باذخة وكذلك إشارات أجتماعية وسياسية وعسكرية دون مباشرة .
_______________________________________________________________________
الهوامش : 1- الرواية النفسية هى نوع أدبى يركز على العالم الداخلى لشخصياتها، حيث تقدم الأحداث والأفكار والمشاعر والذكريات من منظور ذاتى لواحد أو أكثر من الأبطال، بدلا من من الأحداث الخارجية المتسلسة، وتتميز هذه الروايات بالتركيز على عمليات الوعى وقد تستخدم تيار الوعى أو الأحلام لتصوير الحالات النفسية المعقدة مع بروز شخصيات تتحرك بدوافع ورغبات داخلية عميقة وفقا لمبادى التحليل النفسى لفرويد وغيره من علماء النفس ، ولذلك نرى أن الرواية ذات بعد نفسى وليست رواية نفسية على إطلاقها بالكامل .
2- "بل إن المحدّث قد يتجه بالحديث إلى ذاته، فتخرج لنا أصفى صور الحديث وأعمقها وأطولها على الإطلاق فى نثرنا العربى مثل المواقف والمخاطبات للنفرى والإشارات الإلاهية لأبى حيان التوحيدى...تناجى فيه الذات نفسها ، تحادثها وتدعوها وتعنفها وتوبخها..حديث ذات منقسمة على نفسها" ص 46 (من كتاب أنت ضمير المخاطب فى السرد العربى د خيرى دومة).
3- تنقسم الشخصيات فى الرواية إلى رئيسية وثانوية أو مساعدة حيث الشخصية الرئيسية هى المحور الأساسى للقصة وتتطور أحداثها حولها ، بينما الشخصية الثانوية لدعم القصة وتساعد فى تطوير الأحداث وإبراز جوانب من الشخصية الرئيسة وقد تكون لها أدوارا محددة دون أن تكون مركز اهتمام السرد .