عبد علي حسن - نص ونقد ( تحول)

* نص ونقد
( تحول
في عالم الشاعر
هناك دائمّا
مايجعل العاصفه
تخجل من اسمها
ومايجعل العاطفه
أكبر من نفسها )
الشاعر محمود البريكان
الأعمال الشعرية /م١ص١٠٢


* معرفية الشعر -----------------------
يصطفّ الشاعر العراقي الراحل محمود البريكان ١٩٢٩ -- ٢٠٠٢ جيلياً مع رواد حركة الشعر العربي الحديث ، نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي بلند الحيدري ، ولعلّ في صمته الذهبي كما وصفه الناقد حاتم الصگر واحتجاب نصوصه عن المتلقي وزهده في النشر مايفسر واحدا من أقواله المهمة التي أشار فيها إلى أن (الشعر فن لايقبل التسخير ، ولايحيا مع الحلقة ، ليس وسيلة لتحقيق اي غرض مباشر ، ولا طريقة للتنفيس عن أي عواطف فجّة ) ونعدّ هذا التصريح بياناً شخصياً ضد كتابة سائدة رفض الانخراط فيها ، ومن هذه المنطقة يدخل البريكان إلى كينونة الشعر والشاعر عبر نصّه القصير (تحوّل) الذي يُعد نموذجاً مكثفاً لعالمه الشعري الذي يتسم بالزهد في القول والاقتصاد في العبارة، والعمق في الرؤية ، ففي بضعة أسطر يشيّد البريكان عالماً خاصاً بالشاعر، عالماً مغلقاً على سرّه الداخلي، لا يدخله إلا من امتلك حسّ التحول والقدرة على رؤية ما وراء الظاهر .
يبدأ النص بتحديد فضاء هذا العالم: «في عالم الشاعر»، وهي عبارة تفتح الباب على منطقة وجودية مغايرة، تفصل بين العالم الواقعي المبتذل وعالم الإبداع الذي يتجاوز المألوف ، هذا التمايز يشي برؤية البريكان إلى الشعر كفعل كينوني لا يكتفي بالتعبير، بل يسعى إلى إعادة خلق العالم وتطهيره من رتابته في هذا العالم، كما يقول «هناك دائماً ما يجعل العاصفة تخجل من أمسها»، وهو تصوير بالغ الكثافة والدلالة ، فالعاصفة رمز للقوة والانفعال، غير أن حضور الشعر يجعلها تستحي من عنفها، وكأن الشعر فعل تطهير أو تهذيب للطبيعة الغريزية، يعيدها إلى نقائها الأول ، هنا تتحول الصورة من الخارج إلى الداخل، من الطبيعة إلى الذات، فالشاعر لا يواجه العاصفة المادية بل العاصفة الداخلية التي تسكن الإنسان ، ويبلغ النص ذروته في قوله: «وما يجعل العاطفة أكبر من نفسها» فالعاطفة في عالم الشعر لا تبقى شعوراً محدوداً، بل تتسع حتى تتجاوز ذاتها، فتغدو رؤية إنسانية كونية ، هذا الاتساع هو جوهر التحول الذي يشير إليه العنوان ، إنه تحوّل الوجدان الفردي إلى طاقة إنسانية خلاقة ، بذلك يقدّم البريكان الشعر بوصفه فعلاً للتجاوز المستمر، وسبيلاً لمعرفة لا تُنال بالعقل، بل بالحدس والصفاء ، إن عالم الشعر كما يراه البريكان هو العالم الذي تتخلى فيه الظواهر عن جمودها، وتستعيد الروح فيه حضورها الأول، فيغدو الشاعر كائناً بين الضوء والظل، يهب العاصفة خجلها، والعاطفة سعتها، والوجود لحظته المتحوّلة الدائمة ، ومن هنا تتشكّل معرفية الشعر بعدّها انموذجاً للتأمل الوجودي الذي يقترب من الرؤية الفلسفية .

عبد علي حسن
7/10/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...