العربي عبدالوهاب - سيرة مواطن أم سيرة وطن؟ قراءة فى رواية (رئيس التحرير) للشاعر والروائي (أحمد فضل شبلول).

فى رواية (رئيس التحرير) يؤكد أحمد فضل شبلول على أن روايته.. عن سيرة الكتابة فى حياة روائى وناقد أدبي وشاعر كبير(1) قبل كل هذا.

"أحمد فضل شبلول" يخط تحت عنوان روايته جملة (أهواء السيرة الذاتية)

لتعمل هذه الجملة على مخايلة القارئ بأنه إزاء رواية من نمط الروايات التى تعتمد فى كتابتها على محطات من السيرة الذتية .. ولكن مفردة (أهواء) هى التى تفتح الدلالة على مخايلة القارئ بأنه لن يقرأ سيرة ذاتية أو رواية توظف السيرة الذاتية بالمعنى المتعارف عليه، ولكن هذه هى أهواء ومكنونات الكاتب صاحب هذه الرواية التى سيفصح فيها عن تصوراته الخاصة نحو ما كان، وما كان يتمناه أن يكون.

ولايضاح الأمر سوف نتذوق الرواية على المستوى النقدي باحثين عن تلك الأهواء والخيالات الطافية فوق الأحداث.

ثمة كتابة فى هذه الرواية تمزج التخييلي بالذاتي، والواقعي بالتهويمات ومقاطع الشعر، تعجن اللغة فى بوتقة الشاعر، وتستخرج ملامح الشاعرمن بين التفاصيل اليومية للحياة المملة، تستخرجه من حيز التكرار ليخلق بخياله وأهوائه رواية بديعة .. اتخذ الشاعر ما يخص سيرته الذاتية مع الكتابة والصحافة فقط، مازجا هذه الرؤية مع تفاصيل حياته منذ كان طالبا جامعيا عاشقا للشعر وللصحافة، يشرف على مجلات الحائط، ويتعرض لاغراءات اليساريين والإخوان، ، ويؤكد لنا بأن الكتابة لا تنتمي أبدا إلى حزب أو تيار سياسي؛ يحضر فى الفضاء الروائي باسم (يوسف عبالعزيز) الذى يخلط بشاعرية رائعة بين الاسمين، (النبي يوسف، والشاعر يوسف) .. يخلط بين الرؤيوى الحالم، وبين الصحفي المقموع المقموع بتنفيذ سياسة المجلة الخليجية التى يعمل بها، بل محكوم بروتين عمله الصحفي تحت قناعات وأهواء رئيس التحرير.



  • تماثل الشخصيات
كانت الشخصيات النسائية فى الرواية تحضر عبر محطات توقف عندها فى مسيرته الذاتية مثل (درية إبراهيم اليسارية وخشبة عمود عبدالواقف (اليمينة) ـ ولم نتعرف عليها بغير هذا الاسم الذى يعكس سخرية الطلاب من نحافتها الشديدة ).. ولكن شخصيتي "منى فارس / والجوهرة ابراهيم" هما الحاضرتين بفعالية كبيرة، كنقاط مضيئة ومؤثرة فى حياة البطل..

الأولى المصرية رفيقة الحلم والمعاناة، والتى أحبت البطل يوسف عبدالعزيز وأخلصت له، وبقيت متذكرة لأيامهم الخضراء (أيام الحماس الجامعي) ولقاءاتهما فى كازينو الشاطبي، وكأنها وجه الاسكندرية الحالم التى اقتسمت مع حبيبها كيزان الذرة وكتب فى عينيها أجمل قصائده.

فهل أحبت منى فارس فى يوسف شاعريته كما أحبت (الجوهرة إبراهيم) قريبة الشبه من منى فارس، شاعريته أيضا .. بيد أن (الجوهرة إبراهيم) تمكنت من خوض تجربة العشق والغرام، وتبادلت مع أفراح الجسد.. كما ساعدته على إيصال صوته الصحفي المتمرد بعلاقاتها لأكثر من صحيفة ومجلة خليجية وأجنبية.



وإذا كان الكاتب يقر بنفسه بمقدار هذا التشابه الذى يجمع بين الشخصيتين إلا أنه شكلهما من منطقة الحلم والاستثناء.

  • شخصية رئيس التحرير التى تجسدت فى الرواية جمعت بين الحلم العربي الكبير المتمثل فى عشقه لعبدالناصر، والمخلص أيضا لمصالحه، لذلك فهو يتخلى بسهولة عن نفسه ليكون ترسا فى منظومة صحفية تمثل صوت بلده وتستقي وجودها من انتمائها الأيديولوجي لمصالح المؤسسة الحكومية الكبيرى، وضرورة الالتزام بفلسفتها وتنفيذ أوامرها.. ولاقتراب رئيس التحرير من صناع القرار، فقد تحدث مع البطل عن (الفوضى الخلاقة)، وثورات الربيع العربي قبل إندلاعها.. وحينما اشتعلت المظاهرات طالب يوسف بالالتزام بسياسة الصحفية وحذره فى النشر فيما يخص الملف بأكمله..

  • ـ ومن ثم كانت الاجازة المؤقتة ليعود إلى مصر ويعيش أحداث الثورة مع البسطاء وحزب الكنبة، حلاً مناسبا للطرفين.

  • ثمة شخصيات انتهازية مثل الصحفي المصري الذى يحارب فى الخفاء البطل خشية على وجوده فى الصحيفة.. وصفة الانتهازية لا يفلت من إسارها أيضا رئيس التحرير نفسه الذى يجند المحررين للتجسس على رفاقهم.. لكنه لا يتمكن من تجنيد البطل .. وذلك كي تظل قبضته الحديدية متحكمة فى محرري الصحفية مخافة فقدان مركزه المرموق.

  • ناقش الكاتب فى روايته أحداث (18و19 يناير) فى أوائل السبعينات عندما كان طالبا.. وأسبابها وتعامل الأمن معها.. وكان وقتها يراسل المجلات العربية بأشعاره، وفى الفصول الأخيرة للرواية ناقش الأحداث المعاصرة من خلال الثورات قارئا وموضحا التآمر الدولي على دول الشرق الأوسطط.. وكيف سيعيدون رسم الحدود حسب أهوائهم، ومن خلال ما أسموه بالفوضى الخلاقة والثورات العربية .. حيث ناقش أيضا معانٍ مهمة ومؤثرة مثل ( معنى الانتماء، والانفلات، وغياب الأمن، ودور الشباب فى دفع فاتورة هذا السعي نحو التغيير)

  • ولذلك فالزمن فى الرواية يترواح بين هذين الحدثين المؤثرين (وكلاهما متشابهان) فى شرارة مظاهرات السبعينيات كان بطلها شباب الجامعة وثورة 2011 كان أيضا بطلها الشباب.
  • كيف يتحول السرد السير ذاتي، إلى سرد لسيرة الوطن؟
يتحول كلما خرجت الفصول وحكايات الراوي عنها بشخصيات تمثل التيارات والأحزاب السياسية، وكلما تناول البعد الاجتماعي وجعله محركا ومؤثرا فى البعد الذاتي.. فليس ثمة كائن من كان سيعيش منعزلا عن ظروف وأحداث مجتمعه، كلاهما يتشكلان عبر تفاعل ثقافي واجتماعي، وفلسفي وأيديولوجي أيضا.. تفاعل نشعر فيه بحركة الفرد فى محيطه كفاعل ومفعول به.



  • كيف يتبادل الشاعر مع الصحفي مقاعدهما ؟.
بمعنى آخر ما دور الشعر فى الرواية .. يتجسد ذلك فى البداية عندما يتابع الراوي بضمير المتكلم (يوسف عبدالعزيز) المحطات المضيئة التى تبين قدر شغفه واهتمامه بالصحافة منذ مجلات الحائط فى الجامعة، هنا يحضر الشاعر وهو يخبرنا عن نفسه ومحبته للكلمة وللعمل الصحفي.. ويستمر فى كشف أعماق ذاته بايضاح كيف يكتب هذا الصحفي.

ـ يكتب أحيانا مستعينا بالأسطورة والشعر وبدا هذا واضحاً عندما قدم تغطية لمكان أثيري وأثري هو (البتراء) فى الأردن الشقيق، وعبر هذه المعالجة الأسطورية يمتزج الشاعر بالأسطورة، و بالمكان، فى عملية تخييلية تكشف تأثير الأماكن السياحية، كأماكن شكلت الوعي الانساني، وكأنها بذرة الخلق الأولى التى يؤصل من خلالها ما ذكرته الأبحاث التى تحدثت عن ذلك المكان، وأيضا تتلبسه روح المكان وشخصياته ويرتقي بشاعرية مائزة مازجا بين الأسطوري وبين مفردات المكان فى سردية متميزة، نلاحظها أيضا فى ثلاثيته البديعة (الماء العاشق).

  • فى النهاية لابد أن نقر بأن الشاعر والكاتب أحمد فضل شبلول تمكن فى روايته رئيس التحرير من أن يجعل من الكتابة السردية فى روايته، كتابة خارجة عن المألوف تارة لتوكيد أعماق شخصية البطل / الوجه الحقيقي للشاعر والروائي الذى استعان بتفاصيل من سيرته الذاتية، ويؤكد على المستوى الدلالي والسردي لـ (صفة الشاعر) فى منعطفات ومنحنيات متعددة فى الرواية .
  • نشعر ونحن نقرأ مقاطعه الشعرية التى ضمنتها الرواية داخل البنية السردية للرواية أنها جاءت ملتحمة مع بينة المشهد المسرود، ومساعدة بشكل فني متميز على تشكيله بعمق؛ حيث نلاحظ ـ على الدوام ـ حلول الشاعر فى صفة الصحفي.. وخروج الصحفي عن روتينية وأحداث عمله لعوالمه الشعرية، وتهويماته التى تستقي رافدا هاما من تجربته الشعرية.
رئيس التحرير رواية تمكنت من الاضافة لمفهوم الروايات التى اعتمدت على السيرة الذاتية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • أحمد فضل شبلول ـ رواية رئيس التحرير (أهواء السيرة الذاتية) ـ الناشر المكتبة الوطنية بالأردن ـ عام 2016م





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...