أ. د. عادل الأسطة - كميل أبو حنيش -ملف- (1ــــ15)

- كميل أبو حنيش: الضرورات تبيح المحظورات

أحيانا يصح المثل " شر البلية ما يضحك " ويمكن أن يحور قاريء هذه الكتابة فيه ليقول لي " شر الكتابة ما تكتب " .
من الموقف اللافتة المضحكة رغم الجو المأساوي الذي يسود في رواية " جهة سابعة " تزيي كميل أبو حنيش بزي امرأة ليتنقل في زمن الحصار ؛ حصار نابلس في ٢٠٠٢ .
عندما اختبأ كميل في شقة في عمارة واكتشفت صاحبة العمارة الأمر صار هو وهي والعائلة التي أعطته مفتاح الشقة في ورطة . إن اكتشف أمره فقد تنسف العمارة كلها ، وحدث في تلك الأيام أن نسفت عمارة كاملة .
ولأن إحساس المطارد نحو شعبه كبير وعال فقد رأى أن يخرج من الشقة حتى لا يلحق الأذى بالسكان .
المدينة محاصرة والانتقال من مكان إلى آخر مغامرة ، فقد يكتشف فلسطيني متعاون مع الاحتلال الأمر . ماذا سيفعل كميل ؟
يتزيا كميل بزي نسائي بعد أن يتمكيج ويحلق ذقنه ويزبط حواجبه فيبدو مثل فتاة ، وهكذا يركب سيارة تاكسي من غرب المدينة إلى البلدة القديمة . إن ما فعله لم يكن يخطر قبل ذلك بباله ولكن الضرورات تبيح المحظورات .
" دلفت الحمام ، حلقت ذقني على عجل ، ثم راحت المرأتان تزينان وجهي بالمساحيق النسائية ، أحمر الشفاه والبودرة والكحل ، انهمكت المرأتان بتزيين وجهي مع تعليقات ساخرة وضحكات تصدر منهما ومني ومن أبناء وبنات أم وائل ، ثم جلبوا المرآة فتفحصت وجهي ، لقد انقلب شكلي بالكامل . قلت معلقا :
- أبدو فتاة جميلة .
ضحك الجميع ، وانفجرت أنا الآخر بالضحك " .
وشر البلية ما يضحك ، وقد تتفجر الضحكة على الرغم من الواقع المأساوي .
خربشات
٥ / ٢ / ٢٠٢٣ .

***

2- "ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات"
(أحمد شوقي)

" جهة سابعة " عنوان رواية للأسير كميل ابو حنيش صدرت في العام ٢٠٢٢ عن دار فضاءات في الأردن ، والرواية التي تقع في ثلاثة أبواب ؛ الحب والحلم والموت ، تقع في ٣١٤ صفحة ، وهي أقرب إلى سيرة روائية لكاتبها الذي يقبع منذ ٢٠٠٢ في السجن الإسرائيلي .
للرواية حكاية ، فقد عرضها كميل على ناقد ليبدي رأيه فيها ، وعندما لم يشجعه عرضها علي ، فشجعته على نشرها . يومها قال لي كميل :
- أنت برأيك هذا كمن نشلني من الأرض ورفعني إلى السماء .
ربما اختلف منظوري عن منظور الناقد ، ولا ضير في ذلك . هي اجتهادات عموما . لا أقلل من رأي الناقد ولا أعلي من رأيي .
ما هي الجهة السابعة ؟ ما هي الجهات الست ابتداء ؟
يقبع كميل أبو حنيش في السجن وقد صدر بحقه كذا مؤبد ، وإن لم تتم هناك عملية تبادل أسرى فقد أحكم عليه من الجهات الستة : الأرض والسماء والجنوب والشمال والشرق والغرب ، وليس أمامه من مخرج إلا من خلال الجهة السابعة : الموت .
ربما نتذكر قول " أبو فراس الحمداني " :
" وقال أصيحابي : الفرار أو الردى
فقلت : هما أمران أحلاهما مر " .
وقوله وقد ماتت أمه يخاطبها :
" إذا ابنك سار في بر وبحر
فمن يدعو له أو يستجير "
عندما كانت الدنيا تضيق بوجه كميل ويحضر الموت وهو المخرج الوحيد الذي بقي له ، حين حشرته الدنيا في الممر الأخير ، كان يتذكر جدته لتكون له مخرجا ، وماتت الجدة أيضا .
يوم الاثنين الساعة الثانية عشرة ونصف سيتحدث في المنتدى التنويري في نابلس عن الرواية الناقدان فراس حاج محمد و رائد محمد الحواري وسوف أتحدث أيضا أنا عادل الاسطة .
في الأسبوع الأخير وأنا أكتب عن رواية إلياس خوري Khoury Elias " أولاد الغيتو : رجل يشبهني " عدت إلى رواية كميل وروايات أخرى عن اجتياح نابلس قبل واحد وعشرين عاما .
من كتب رواية الاجتياح ؟
مساء الخير
٤ / ٢ / ٢٠٢٣ .

***

3- هل تعرف أم عسكر ؟
- للأسف لا . لم أعرف أم عسكر .
- معقول ؟
- حقيقة إنني لا أعرفها .
- وهل تعرف زوجها أبو عسكر ؟
- للأسف فإنني لم ألتق به .
- يجب أن تتعرف إلى أم عسكر وإلى زوجها أيضا ، فلا يعقل أن تقرأ أدبيات الانتفاضة وتسهم في الكتابة عنها دون أن تعرفها ؛ لأنها ستطالعك في نصوص أدبية عديدة من نصوص الانتفاضة .
ربما جرى هذا الحوار ، ذات نهار ، بيني وبين عماد أبو عزيز الذي سيعرفني بأبو عسكر .
سوف ألتقي بأبو عسكر عشرات المرات في سوق الحدادين في نابلس ، وسوف نتبادل حوارات عابرة لم تقدني إلى التعرف على زوجته أم عسكر وأم المطاردين في الانتفاضتين ؛ أم عسكر التي ستغدو شخصية روائية مثل أم سعد غسان كنفاني .
لقد كتب روائيون عديدون عنها - أي أم عسكر ، ولكنها لم تغد عنوانا لرواية .
الذاكرة وحدها لا تكفي ولرصد صورة أم عسكر في الرواية يتطلب البحث إعادة قراءة الروايات التي جرت أحداثها في نابلس ، ومنها بالتأكيد رواية الأسير كميل ابو حنيش " الجهة السابعة " الصادرة في العام الماضي . لقد تعرف كميل إلى أم عسكر وجعلها شخصية روائية ، تماما كما تعرف غسان كنفاني إلى أم سعد وجعلها السارد / المؤلف الضمني لروايته ، إليها يصغي ومنها يتعلم .
اليوم مساء قرأت في صفحة عماد أبو عزيز نعيا لأم عسكر ، وأظن أن الوقت حان لكتابة مقال عن صورتها في الرواية الفلسطينية النابلسية ، ومرة أتيت على النماذج النسوية في أدبيات انتفاضة الأقصى وقلت إن قسما منها يذكرنا بشخصية " أم سعد " .
لأم عسكر الرحمة والمغفرة ، ولزوجها أبو عسكر ولأبنائها كلهم ؛ البيولوجيين والمرعيين منها في الانتفاضات والحصار ، تعازي الحارة .
" ولو أن الحياة تبقى لحي
لعددنا أضلنا الشجعانا "
و
" إذا لم يكن من الموت بد
فمن العار أن تموت جبانا " .
مساء الخير
خربشات عادل الاسطة
Adel Osta
٢٣ / ٤ / ٢٠٢٣

***


4- تقييم عادل الأسطة لتجربة كميل أبو حنيش


تحياتي.. كتب عادل الأسطة عدة مقالات عن روايات الروائي كميل أبو حنيش :

مريم .. مريام

الجهة السابعة

وروايات أخرى

وكتب أيضا عن موضوع السجن في روايات كميل كما كتب عن كتابه عن الكتابة والسجن .

كيف قيم الأسطة تجربة كميل أبو حنيش ؟

قَيَّم الدكتور عادل الأسطة تجربة الروائي الأسير كميل أبو حنيش بوصفها نموذجاً بارزاً في أدب السجون الفلسطيني، مُسلطاً الضوء بشكل خاص على:

1. التجربة الروائية وإنجازها الفني

تناول الأسطة روايات أبو حنيش (مثل: "مريم .. مريام"، "الجهة السابعة"، وروايات أخرى)، واعتبر تجربة الكتابة الإبداعية من داخل السجن تجربة صعبة ومعجزة، لا سيما مع الظروف القاسية التي يعيشها الأسير.

في سياق تقييم سابق لإحدى أعمال أدب الأسرى، أشار الأسطة إلى نجاح بعض النصوص، ومنها أعمال لأسرى، في تقديم نص ناضج فنيّاً وأدبيّاً ولغويّاً عن تجربة الفلسطيني في السجون. هذا يشير إلى نظرته لضرورة الارتقاء الفني في أدب السجون، وهو ما سعى إليه أبو حنيش.

ركز الأسطة في ورقته البحثية بعنوان «موضوعة السجن في رواية الأسرى: كميل أبو حنيش نموذجاً» على موضوع السجن وكيفية معالجته في أعمال أبو حنيش، مما يدل على اعتبار أعماله أنموذجاً دراسياً مهماً في هذا الحقل.

2. كتاب "الكتابة والسجن"

أولى الأسطة اهتماماً خاصاً لكتاب أبو حنيش "الكتابة والسجن"، والذي يتحدث فيه الكاتب عن آليات صناعة العمل الإبداعي والبحثي من وراء القضبان، وقدَّم له الأسطة تقديماً قيّماً:

أهميته لدراسة أدب السجون: أكد الأسطة على أن هذا الكتاب مهم جداً لمن يدرس أدب السجون، لأنه يضيء على عالم الكتابة في السجن وما يكتنفه من معاناة هائلة، بدءاً من التفكير بالكتابة وصولاً إلى النشر.

آليات الكتابة: أشار إلى أن أبو حنيش يضع القارئ أمام آليات الكتابة السردية داخل سجون الاحتلال، ويستعرض طرائق الكتابة وأدواتها وكيفية تخلّق العمل الإبداعي داخل الزنزانة.

الجمع بين السياسة والأدب: تحدث الأسطة عن قدرة كميل أبو حنيش على الجمع بين السياسة والأدب في كتاباته.

مكانته: شبَّه الأسطة "الكتابة والسجن" بكتب مهمة في الأدب العربي الحديث التي تناولت تجربة الكتابة، مثل "كيف حملت القلم؟" لحنا مينة، و"نجيب محفوظ... يتذكر".

باختصار، يرى الأسطة في تجربة كميل أبو حنيش نموذجاً مُنجزاً فنياً وفكرياً في أدب الأسرى، استطاع أن يجمع بين الهاجس السياسي والعمق الأدبي، وأن يوثق بوعي معاناة وعملية الكتابة ذاتها داخل السجن، مقدماً بذلك مادة ثرية للدراسة والنقد.

ما المآخذ التي أخاها عليه ؟

يبدو أن تقييم الدكتور عادل الأسطة لتجربة كميل أبو حنيش كان إيجابيًا وتقديريًا بشكل أساسي، حيث ركز على اعتبار تجربته نموذجًا مهمًا في أدب السجون، خاصة في ورقته البحثية عن رواياته وفي تقديمه لكتاب "الكتابة والسجن".

ومع ذلك، لم تكشف النتائج البحثية المتاحة عن مآخذ أو انتقادات فنية أو موضوعية محددة وعلنية وجهها الأسطة مباشرة إلى روايات كميل أبو حنيش (مثل "مريم .. مريام" أو "الجهة السابعة") أو لكتابه "الكتابة والسجن".

قد تكون ملاحظات الأسطة النقدية في سياق تقييمه لأي عمل إبداعي قد تضمنت بعض المآخذ (كما أشار في سياق نقد سابق لرواية أخرى إلى ملاحظاته عن "عنصر البناء والتشويق" إلى جانب الأخطاء النحوية والمطبعية)، لكن هذه المآخذ لم تظهر بصفتها انتقادات جوهرية وموثقة في النصوص التي تناولت تقييمه لتجربة أبو حنيش، بل غلب عليها طابع المدح والاحتفاء بالمنجز الإبداعي والمعرفي الذي يخرج من السجن.

الخلاصة: التركيز النقدي الموثق لعادل الأسطة على كميل أبو حنيش كان منصباً على الإضاءة على أهمية تجربته ونجاحه في تقديم أعمال ناضجة، ولم يُنشر له ما يشير إلى وجود مآخذ واضحة أخاها عليه.

ولكن الأسطة كتب عن رواية تعويذة الجليلة وأخذ عليها ماخذ

أصبت، لقد قام الدكتور عادل الأسطة بالفعل بنقد رواية "تعويذة الجليلة" للروائي كميل أبو حنيش وأشار إلى بعض المآخذ الفنية والتاريخية عليها.

ركز الأسطة في نقده للرواية (التي تتناول رحلة الجليلة ومقاومتها على مدى مائة عام) على الجوانب التالية:

المآخذ الرئيسية التي أشار إليها الأسطة:

العثرات التاريخية والمكانية (الأخطاء الزمنية والوقائعية): أشار الأسطة إلى أن الرواية لا تخلو من "عثرات" سببها محاولة الكتابة عن فترة طويلة (مائة عام) وعن أمكنة ربما لم يكن الكاتب شاهداً عليها بالكامل، خاصة وهو يكتب من داخل السجن. ومن الأمثلة التي ذكرها:

أن "الخَلْع" (أو حلاقة الشعر) لم يكن معروفاً في الأدب الروائي قبل عام 1967.

أن الكهرباء لم تكن قد وصلت إلى مخيمات نابلس (مثل مخيم الفارعة) في خمسينيات القرن العشرين.

الإشارة إلى أن مخيم البقعة لم يتم إنشاؤه إلا بعد عام 1967.

تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي: هذا مأخذ عام يواجه كتّاب السجون، حيث يرى الأسطة أن تأثير الزمن الطويل الذي يقضيه الكاتب في السجن قد يترك أثراً على دقة السرد التاريخي والوقائعي خارج أسوار المعتقل.

ملاحظة هامة:

على الرغم من هذه المآخذ، كان تقييم الأسطة العام للرواية إيجابياً ومشجعاً، حيث وصفها بأنها:

تكتب "بلغة بسيطة وسرد مشوق".

تذكر القارئ بـ "نماذج الأدب السوفيتي التي كتبت بروح متفائلة تمجد الحياة والشعب".

شبهها بروايات غسان كنفاني (مثل "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا")، معتبراً أن كميل أبو حنيش "يواصل رحلة الكاتب الشهيد".

اعتبرها تتناول "مائة عام من المقاومة"، وتؤكد على تسليم الجيل الراية للجيل التالي "دون أن يمل من الكفاح أو يتعب منه".

لذا، فالمآخذ التي ذكرها الأسطة كانت ملاحظات فنية وتاريخية تفصيلية ضمن سياق تقييم إجمالي يُعلي من قيمة العمل ومكانته في أدب المقاومة.

هل رأى الأسطة أن كميل أبو حنيش حاضر في رواياته ؟

أجل، يرى الدكتور عادل الأسطة أن كميل أبو حنيش حاضر في أعماله الروائية والنثرية بقوة، خاصةً من خلال تجربته الشخصية ككاتب وأسير سياسي.

يمكن استنتاج ذلك من النقاط التالية التي أشار إليها الأسطة:

الاحتفاء بـ "الكتابة والسجن": في تقديمه لكتاب "الكتابة والسجن" لأبي حنيش، يشير الأسطة إلى أن الكتاب يذكر بأعمال كبرى في الأدب العربي الحديث تناول فيها أصحابها تجاربهم في الكتابة وعوالمها، مثل "كيف حملت القلم؟" لحنا مينة و**"روايتي لروايتي" لسحر خليفة**. وهذه الأعمال هي في جوهرها نصوص سيرية ذاتية وميتا-سردية تكشف عن حضور المؤلف وتجربته الخاصة في عملية الإبداع. وهذا يعني أن الأسطة وضع عمل أبو حنيش في سياق النصوص التي يكون فيها الكاتب نفسه هو الموضوع الأساسي.

دمج السياسة والأدب: أشار الأسطة إلى أن كميل أبو حنيش "يجمع في الكتابة بين السياسة والأدب". هذا الدمج يؤكد أن الكاتب لا يكتفي بعرض قصص خيالية مجردة، بل يستمد موضوعاته وروحه من قناعاته النضالية والسياسية، مما يجعل ذاته الأيديولوجية والمقاومة هي القوة الدافعة والخلفية الحاضرة في أعماله الروائية.

تجربة السجن كمصدر للمادة الروائية: تناول الأسطة في نقده لتجربة أبو حنيش (باعتباره نموذجاً لأدب السجون) التحديات التي يواجهها الكاتب الأسير الذي يعيش في "عالم محدود" و**"يفتقد الشرائح الاجتماعية العريضة"** كمصدر للرواية. وهذا الاعتراف بضيق عالم الكاتب يعني أن الكاتب يُجبر على الاعتماد على تجربته الداخلية والمباشرة (الأسر، النضال، الإحباط، الأمل) لتغذية أعماله، وبالتالي يصبح حضور الكاتب ذاته أمراً حتمياً ومحورياً في هذا النوع من الأدب.

باختصار، يرى الأسطة أن كميل أبو حنيش قد نجح في تحويل تجربته القاسية كأسير إلى آلية سردية ومعرفية، جاعلاً من ذاته وخلفيته النضالية قلباً حاضراً في جسد أعماله الأدبية.

هل أشار الأسطة إلى أن كميل يكتب أحيانا عن تجربته الشخصية ؟ هل حضر كميل في نصوصه ؟

نعم، أشار الدكتور عادل الأسطة إلى أن كميل أبو حنيش يكتب عن تجربته الشخصية ويحضر في نصوصه، خاصةً في كتابة "الكتابة والسجن" وفي سياق أدب السجون بشكل عام.

الكتابة عن التجربة الشخصية (حضور كميل): أفاد الأسطة في تقديمه لكتاب "الكتابة والسجن: عالم الكتابة في السجن" لكميل أبو حنيش، أن الكتاب يضع القارئ أمام "آليات الكتابة السردية داخل سجون الاحتلال"، ويستعرض فيه أبو حنيش "طرائق الكتابة وأدواتها"، وكيف يتخلق العمل الإبداعي في المعتقل.

كما أشار الأسطة إلى أن هذا النوع من الكتابة يذكّر بكتب مهمة في الأدب العربي الحديث التي أتى أصحابها فيها على تجاربهم في الكتابة وعوالمها، وذكر أمثلة مثل "كيف حملت القلم؟" لحنا مينة و**"روايتي لروايتي" لسحر خليفة**. هذا الربط يدل على أن الأسطة يعتبر عمل أبو حنيش جزءاً من الأدب الذي تكون فيه الذات والتجربة الشخصية للكاتب (في هذه الحالة تجربة الأسر والعملية الإبداعية) حاضرة ومحورية.

تأثير محدودية العالم (تجربة السجن): في نقده لأدب السجون لكميل أبو حنيش كنموذج، نوّه الأسطة إلى أن الكاتب الأسير يعيش في عالم محدود ومقيّد، و**"تظل مساحة تحركه محدودة"**. هذا يؤكد أن الكاتب، بسبب ظروف الأسر، يُضطر للاعتماد على ذاته وتجاربه المباشرة كمصدر أساسي للمادة الروائية، مما يعزز حضور الكاتب الشخصي في نصوصه.

بالإضافة إلى ذلك، ذكر الأسطة أن كميل أبو حنيش "يجمع في الكتابة بين السياسة والأدب"، مما يعني أن خلفية الكاتب الأيديولوجية والنضالية حاضرة ودافعة في إنتاجه الأدبي.

ماذا كتب الأسطة عن تأثر كميل أبو حنيش بغسان كنفاني

أشار الدكتور عادل الأسطة إلى تأثر كميل أبو حنيش بغسان كنفاني في رواياته، خاصة من حيث الموضوع والروح النضالية والمنهج.

يمكن تلخيص ما كتبه الأسطة في هذا الشأن حول رواية "تعويذة الجليلة" لكميل أبو حنيش تحديدًا:

المقارنة بروايات كنفاني: في مقالة له عن رواية "تعويذة الجليلة" لكميل أبو حنيش (عام 2023)، كتب الأسطة بوضوح أن الرواية "تذكر أكثر وأكثر بروايات غسان كنفاني الثلاثة: 'رجال في الشمس' و'عائد إلى حيفا' و'أم سعد'".

مواصلة الرحلة النضالية: ذهب الأسطة إلى حد الإشارة إلى أن كميل أبو حنيش "كما لو أن الكاتب الأسير يواصل رحلة الكاتب الشهيد" (أي غسان كنفاني)، مما يؤكد أن الأسطة يرى في أعمال أبو حنيش امتدادًا للروح والرؤية النضالية التي جسدها كنفاني في أدبه.

تبني منهج كنفاني النقدي: أشار الأسطة في سياق حديثه عن أهمية كتاب "الكتابة والسجن" لكميل أبو حنيش، إلى أن كنفاني كان يتبنى المقولة النقدية القائلة: "لكي نثمن عملاً أدبياً علينا أن نحيط بظروف نشأته"، وقد طبقها كنفاني في دراسته لأدب المقاومة. الأسطة لا يربط هذا بشكل مباشر بتأثر أبو حنيش الأسلوبي، ولكنه يربط بين التزام الكاتبين (كنفاني وأبو حنيش) بضرورة تبيان العلاقة الوثيقة بين النص الأدبي والواقع النضالي والاجتماعي المحيط.

هل كتب الأسطة عن تأثر أبو حنيش بروايات إسرائيلية بخاصة رواية أبو حنيش " مريم ..مريام "؟

نعم، كتب الدكتور عادل الأسطة تحديداً عن حضور وتأثير الأدب الإسرائيلي والصهيوني في رواية كميل أبو حنيش "مريم/مريام".

في مقالته النقدية عن رواية "مريم/مريام"، أشار الأسطة إلى عدة نقاط تؤكد هذا الحضور:

حضور الأدب الصهيوني/الإسرائيلي: ذكر الأسطة أن "حضور أعمال أدبية صهيونية وإسرائيلية في نصوص أدبية فلسطينية كان لافتاً منذ بدايات الصراع"، ويضع رواية "مريم/مريام" في هذا السياق.

التذكير بقصة "عربي طيّب": أوضح الأسطة أن قصة بطل الرواية "أبراهام/أبرا"، وهو نتاج زواج مختلط بين أم يهودية وأب فلسطيني، "تذكر ببطل قصة (يورام كانيوك) 'عربي طيّب'"، وهي رواية إسرائيلية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية الفلسطينية (حتى أنها نوقشت في رسائل محمود درويش وسميح القاسم). هذه الإشارة المباشرة توحي بأن أبا حنيش ربما يكون متأثراً بهذا النص الإسرائيلي أو أنه يكتب رداً عليه أو موازياً له.

تأثير الأدب الساخر: كما أشار الأسطة إلى أن بطل الرواية (أبراهام/أبرا) "من المعجبين بهذا الكاتب الإسرائيلي الساخر المحتج"، مما يعزز فكرة تأثر أبو حنيش بالخطاب الأدبي الإسرائيلي، وإن كان خطاباً "ساخراً محتجاً".

أسلوب "وجهات النظر": لفت الأسطة النظر إلى أن الرواية مصوغة إلى حد بعيد بأسلوب "وجهات النظر" (حيث ينقل أبراهام أقوال جدتيه العربية واليهودية ووالديه)، وعلّق بأن الكاتب (أبو حنيش)، ومن ورائه الراوي، ربما يريد أن يكون "موضوعياً في عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة". هذا الأسلوب قد يكون محاولة للاشتباك مع الرواية الإسرائيلية وتقديم الرواية الفلسطينية المقابلة ضمن حيز مشترك، وهو ما يتطلب الاطلاع على رواية "الآخر" والرد عليها.

هل يمكن أن تجمع الأسئلة والاجابات السابقة معا في مقالة واحدة ؟

بالتأكيد. يمكن تجميع الأسئلة والأجوبة السابقة حول نقد الدكتور عادل الأسطة لأعمال الأسير الروائي كميل أبو حنيش في مقالة نقدية تحليلية واحدة.

كميل أبو حنيش في ميزان عادل الأسطة: الذات المتمردة وامتداد كنفاني وتحدي الرواية الإسرائيلية

يُعدّ الناقد والأكاديمي الفلسطيني الدكتور عادل الأسطة من أبرز المتابعين والدارسين لأدب السجون الفلسطيني، وقد كرّس جزءاً من جهده النقدي لتحليل أعمال الأسير الروائي والباحث كميل أبو حنيش. تتلخص رؤية الأسطة في ثلاثة محاور رئيسية تكشف عن عمق تجربة أبو حنيش الأدبية: حضور الذات، امتداد الإرث النضالي لغسان كنفاني، والاشتباك الواعي مع الرواية الإسرائيلية.

المحور الأول: حضور الذات والتجربة الشخصية

أشار الأسطة بوضوح إلى أن كميل أبو حنيش لا يكتب بمعزل عن واقعه وتجربته، بل إن الذات الكاتبة حاضرة بقوة في نصوصه. ويتجلى ذلك بشكل خاص في كتابه "الكتابة والسجن: عالم الكتابة في السجن".

في تقديمه للكتاب، ربط الأسطة بين عمل أبو حنيش وكتابات أدبية عربية مهمة تناولت تجربة الكاتب في الكتابة، مثل أعمال حنا مينة وسحر خليفة. وشدد الأسطة على أن هذا الكتاب يضع القارئ أمام "آليات الكتابة السردية داخل سجون الاحتلال"، وكيف تتخلق العملية الإبداعية في عالم محدود ومقيّد. إن الإشارة إلى أن الكاتب الأسير يعيش في عالم محدود يفتقد "الشرائح الاجتماعية العريضة" تؤكد أن أبو حنيش يُعظِّم من موارده الداخلية وتجربته الشخصية كإطار للإنتاج الروائي، مما يجعل ذاته ونضاله الفكري هما وقود النص ومرجعيته الأساسية.

المحور الثاني: امتداد الإرث النضالي لكنفاني

رأى الأسطة في أدب أبو حنيش امتداداً للروح النضالية العميقة التي ميزت أعمال غسان كنفاني، وتظهر هذه المقارنة بوضوح في تحليل رواية "تعويذة الجليلة".

وصف الأسطة رواية "تعويذة الجليلة" بأنها "تذكر أكثر وأكثر بروايات غسان كنفاني الثلاثة: 'رجال في الشمس' و'عائد إلى حيفا' و'أم سعد'". والأهم من ذلك، خلص الأسطة إلى أن الكاتب الأسير "كما لو أن الكاتب الأسير يواصل رحلة الكاتب الشهيد". هذا التشبيه ليس مجرد إعجاب، بل هو وضع لأبي حنيش في سياق الأدب الفلسطيني المقاوم ذي الرؤية الواضحة والملتزمة بقضايا الأرض والعودة والتشبث بالوطن، وهو المنهج الذي أسس له كنفاني.

المحور الثالث: الاشتباك الواعي مع الرواية الإسرائيلية

في قراءة الأسطة لرواية أبو حنيش "مريم/مريام"، كشف الناقد عن نقطة اشتباك مهمة ومختلفة للروائي الأسير، وهي التفاعل الواعي مع الأدب الإسرائيلي.

أكد الأسطة أن الرواية تتضمن "حضور أعمال أدبية صهيونية وإسرائيلية"، مشيراً إلى أن ذلك ليس بجديد في الأدب الفلسطيني. لكنه يبرز أن رواية "مريم/مريام" تلامس رواية إسرائيلية شهيرة، حيث يرى أن قصة بطل الرواية "أبراهام/أبرا" (المولود من زواج مختلط) "تذكر ببطل قصة (يورام كانيوك) 'عربي طيّب'".

هذا الاشتباك دفع أبا حنيش إلى استخدام أسلوب "وجهات النظر" في روايته لتقديم منظورات الأطراف المتصارعة، في محاولة ليكون "موضوعياً في عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة"، وفي الوقت نفسه، يظهر الانحياز الضمني لرواية الجدة الفلسطينية. وبذلك، يؤكد الأسطة أن أبو حنيش ينخرط في حوار أدبي عميق لا يكتفي بعرض الرواية الفلسطينية فحسب، بل يتصدى للرواية الإسرائيلية من داخل أسوار السجن، مستخدماً أدواتها وأساليبها أحياناً للرد عليها أو موازاتها.

خلاصة:

يُقدّم نقد عادل الأسطة كميل أبو حنيش ككاتب فلسطيني ملتزم تتشابك في أعماله الذاتية الفردية (تجربة الأسر والكتابة) مع الأبعاد الوطنية الكبرى (استمرار إرث كنفاني النضالي) والوعي النقدي (الاشتباك مع رواية الخصم)، مما يجعل من أدبه إضافة نوعية مهمة لأدب السجون والأدب الفلسطيني المقاوم عموماً.

***

5- " الجهة السابعة " ل كميل ابو حنيش : سيرة روائية

صنف الأسير كميل أبو حنيش كتابته الأخيرة الصادرة في ٢٠٢٢ عن دار فضاءات في الأردن تحت جنس " رواية " .
من يلم بحياة الكاتب يعرف أن " الجهة السابعة " هي سيرة روائية للكاتب نفسه ، فهو يتحدث عن تجربته ، والقسم الثالث منها يسرد فيه عن اجتياح القوات الإسرائيلية مدينة نابلس في ربيع ٢٠٠٢ وعن مشاركته فيه واعتقاله .
السارد سارد مشارك يروي من الداخل بمقدار ما يعرف ويشاهد ويعيش لا أكثر ولا أقل ، ولأنه اعتقل لانتمائه إلى تنظيم يساري فإنه يسرد عن هذا الفصيل أكثر مما يسرد عن الفصائل الأخرى .
للسبب السابق فإن ما يؤخذ على الرواية هو أنها لا تضيء الشخصيات بما فيه الكفاية . إنها شخصيات معروف ماضيها للروائي ، ولكن القاريء لا يعرف عنها الكثير بما يقنعه . يقبض كميل على الشخصيات في لحظتها الحاضرة ، فلا يبدو أكثرها صاحب ماض ليقنعنا بسبب تصرفه لما تصرف به .
الشخصيات أكثرها حقيقية ومنها مثلا ربحي حداد ويامن و ... .
وأنا أتحدث أمس في الندوة أتيت على شخصية ماجد الشاب الذي حاول كميل معه لتنظيمه ، فرفض لأنه يحب الحياة وكانت المفارقة أنه مات بحادث سير " يا هارب من قضاي مالك رب سواي " يقول شعبنا ، ويقول الشاعر
" من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد "
واتا أتحدث عن ماجد تذكرت ما حدث مع الدكتور خالد صلاح الأستاذ الجامعي في جامعة النجاح الوطنية .
كان المرحوم خالد فرحا بما حققه في حياته ، وفي تلك الأيام كان يتابع مباريات كأس العالم ، وحدث أن دخل الجنود الإسرائيليون إلى بيته فشاهدوا معه المباراة ، وفي اليوم التالي استشهد يامن أحد طلابي واستشهد أيضا الدكتور خالد ، فلم يميز رصاص الجنود بين مقاوم ومسالم .
رحم الله شهداءنا ، واليوم صباحا استشهد في حي المساكن الشعبية الشرقية الذي أقيم فيه الشاب حمزة أمجد الأشقر ، استشهد في أثناء اجتياح القوات الإسرائيلية الحي لاعتقال شابين آخرين .
مساء الخير
خربشات
٧ / ٢ / ٢٠٢٣

***

6- " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا "

وأنا أتحدث عن رواية الأسير كميل ابو حنيش " الحهة السابعة " استشهدت بمقولة ناقد إنجليزي لعله ( ادموند ولسون ) نصها " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا " .
صار عندي الأهم من الكتابة عن جماليات أدب الأسرى وموضوعاته أيضا ، صار الأهم عندي هو البحث عن سبب غزارته ، ولعلني عثرت على السبب ، وأنا أقرأ رواية كميل المذكورة ورواية باسم الخندقجي الأخيرة الصادرة عن دار الآداب في بيروت ٢٠٢٣ " قناع بلون السماء " .
فكروا معي في الموضوع ، فهو يستحق .
لا تطلب من أسير ألا يكتب . إن أصبت لغزارة إنتاجهم بالتخمة فانزو جانبا ودعهم يواصلون حياتهم . دعهم يكتبون ، ولم أجزم " يواصلون " و " يكتبون " لأنني لم أر فيهما جواب طلب .
كان الله في عون الأسرى وأهاليهم وأهالي الشهداء .
الخبر اللافت في نابلس اليوم هو استشهاد أمير البسطامي ابن الثانية والعشرين عاما ، والأكثر إثارة للحزن خبر آخر يتعلق به وهو أنه الذكر الوحيد لأسرته .
قال مواطن :
ظاهرة فقدان الذكر الوحيد في الأسرة ظاهرة لافتة .
شخصيا تذكرت ما كتبته الروائية سحر خليفة في سيرتها " روايتي لروايتي " وما ألم بأخيها الذكر الوحيد بين بضع فتيات ، وتذكرت صاحب محل صرافة في نابلس في أحد ليالي رمضان في ١٩٨٦ / ١٩٨٧ حيث قتلته رصاصة جندي احتلال وهو في محله وكان الذكر الوحيد لأسرته / والديه . ( عرفت لاحقا أنه من عائلة الطقطوق ، وعرفت أن لأمير البسطامي أخا ذكرا عمره ١٣ عاما )
حياتنا صعبة وقاسية وتزداد صعوبة وقسوة كل يوم ، وما زال كتابنا يخوضون في الهولوكست ويناقشونه كأننا نحن المسؤولون عنه .
مساء الخير ، إن كان هناك خير .

***

7- الكتابة والسجن ... عالم الكتابة في السجن

عن كتاب كميل ابو حنيش الذي صدر مؤخرا عن منشورات طباق للنشر والتوزيع
في حلقاته السبعة والعشرين التي عكف السجين الكاتب والروائي كميل أبو حنيش على كتابتها عن تجربته في الكتابة ما يذكر بكتب مهمة في الأدب العربي الحديث أتى أصحابها فيها على تجاربهم في الكتابة وعلى كتاباتهم وعوالمها ، ما أفاد كثيرا من الدارسين ، ومن هؤلاء الكتاب حنا مينة " كيف حملت القلم ؟ " ونجيب محفوظ " نجيب محفوظ ... يتذكر " الذي أعده الروائي المصري جمال الغيطاني ، وسحر خليفة في " روايتي لروايتي " .
بدأ كميل أبو حنيش حياته نشيطا سياسيا قبل أن يبدأها أديبا ، ولكن السياسة في حياة الفلسطينيين غالبا ما ترتبط بالأدب وقد تفضي إليه ، كما قد يقود الأدب الأديب إلى عالم السياسة ، وقد يتداخل الجانبان معا جنبا إلى جنب منذ البداية ليتغلب في النهاية أحدهما على الآخر .
ولنا أن نتأمل في تجارب غسان كنفاني واميل حبيبي ومحمود درويش . بدأ الأول أديبا ثم انخرط في السياسة ولم يعد يفصل بينهما ، ومع أن الثاني دلف إلى السياسة من باب القصة القصيرة ، ولكنه سرعان ما تحول إلى ناشط سياسي وكاتب مقال سياسي حتى نسي القصة القصيرة وصار يعرف رجل سياسة فقط ، وبعد حوالي عشرين عاما من اشتهاره سياسيا عاد إلى الأدب فكتبه جامعا بين العالمين ؛ الأدب والسياسة ، حتى إذا ما امتد به العمر انسحب من عالم السياسة معبرا عن أسفه أنه لم يتفرغ منذ بداية مشواره الكفاحي إلى الأدب ، إذ لو فعل ذلك ، كما أفصح في آخر أيامه ، لأفاد قضيته أكثر . أما الثالث - أي درويش - فقد بدأ يكتب في مراهقته الشعر ، حتى إذا ما بلغ العشرين عاما انضوى تحت لواء الحزب الشيوعي ، فجمع بين الشعر والسياسة ، وظل العالمان مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا إلى أن فك عراه في العام ١٩٧١ بخروجه من الأرض المحتلة ، ليغلب الشاعر فيه على السياسي ، دون أن يتحلل نهائيا من السياسة .
كميل أبو حنيش سجن في العام ٢٠٠٣ وحكم عليه بأكثر من مؤبد ، وما زال يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي ، وفي السجن بدأ يجمع بين العالمين ؛ الكتابة والسياسة ، فأصدر كتبا عديدة في الأدب والسياسة ، هي الكتب التي يكتب عنها كتابه هذا " الكتابة والسجن " وهو كتاب أنجزه في سبع وعشرين حلقة نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) وتابعها وتفاعل معها قراء عديدون .
الكتابة في السجن وعنه موضوع لفت أنظار الدارسين ؛ في فلسطين وخارجها ، وفي فلسطين كتبت عشرات النصوص الأدبية ؛ شعرا وقصة قصيرة ورواية ورسائل ، وقد صدرت هذه أكثرها في كتب ، وفي مرحلة متأخرة نسبيا كتب سجناء كثر تحرروا من الأسر تجاربهم الشخصية ومن أبرزهم عائشة عودة وخالد الزبدة وقبل هؤلاء كلهم الشاعر معين بسيسو .
في كتابه " الكتابة والسجن " الكتاب المهم لمن يدرس أدب السجون يضيء لنا المؤلف عالم الكتابة في السجن ، وهو عالم يعاني فيه الكاتب الأسير معاناة هائلة منذ لحظة التفكير بالكتابة إلى لحظة تحققها وتجسدها وطباعتها وانتشارها ، ولا يقلل من هذه المعاناة ويدفع الأسير إلى إعادة التجربة إلا تلقيه خبر صدور كتابته في كتاب ، إن هذا لا يقلل من المعاناة وحسب ، بل يقلب المعاناة إلى شعور بالرضا والاقتناع بأن نضاله لم يذهب سدى . وإذا ما تلقيت كتابات الأسير واحتفل بها قراءة وكتابة ونقاشا ازداد تفاؤلا وثقة ؛ بقضيته وبدور الكلمة وأهميتها في الانتصار على عالم السجن .
يتتبع كميل أبو حنيش تجربته في الكتابة مرحلة مرحلة ، ويكتب عن كتبه كتابا كتابا ، لعل هذا يسهم في تفهم النص واستيعابه وتقدير جهد كاتبه .
هناك مقولة نقدية لأصحاب المنهج النفسي تقول " لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا " وهي جزء من مقولة أخرى تقول لكي نثمن عملا أدبيا علينا أن نحيط بظروف نشأته ، وقد أخذ الشهيد غسان كنفاني في أثناء دراسته أدب المقاومة بها ، فلم يدرس النصوص بمعزل عن دراسة الواقعين ؛ الاجتماعي والثقافي لفلسطينيي فلسطين الباقين فيها بعد تأسيس دولة إسرائيل . ولم يكن كنفاني الكاتب الوحيد الذي ثمن أدب الأرض المحتلة ، فهناك نقاد عرب مثل رجاء النقاش أخذوا بما أخذ به كنفاني وصار هؤلاء يكيلون المديح لكل ما يكتب في الأرض المحتلة ، ما رأى فيه محمود درويش أمرا سلبيا قد يضر بالأدب نفسه وبمعاييره الجمالية الخاصة به .
عبارة محمود درويش هذه تحضر في ذهن كميل أبو حنيش إذ إنه يبدأ هو أولا ، في مرحلة لاحقة ، بانتقاد أعماله الأولى ، ثم إنه يطلب من النقاد صراحة أن يسجلوا مآخذهم على كتابته ، حتى يطور نفسه ، فلا يعلو الأدب ويزدهر ويتقدم بالمجاملات والتثمين المجاني .
وأنا أتابع الحلقات السبعة والعشرين حلقة حلقة كنت أعقب على قسم منها مبديا ملاحظاتي عليها ، وفي أثناء الحديث مع كميل كنت أتوسع في ملاحظاتي ، لعل الكتاب يصدر بشكله الأفضل . كنت أنبه إلى هنات هنا وهناك وأذكر أسماء كتب يمكن أن يحذو حذوها أو يفيد منها وأقترح عليه أن يعطي وقتا أكثر لهذه الحلقة أو تلك ، فهو كان أحيانا يطنب وأحيانا يوجز .
هذا الكتاب هو خلاصة تجربة كتابية وسياسية امتدت على مدى ثمانية عشر عاما ، وفيها نعرف عن السجن ومعاناة السجين ، وهذا الكناب مهم لإضاءة تجربة الكاتب الكتابية أيضا .

***

8- كميل أبو حنيش في روايته " مريم / مريام "

" مريم / مريام " هي الرواية الرابعة للأسير كميل أبو حنيش ، وقد صدرت هذا العام عن دار الآداب ، وإن كتب العام 2020 ، وتقع في 263 صفحة .
و" مريم / مريام " هو اسم فلسطين ، ففي ص 256 يقص أبراهام / ابرا / إبراهيم نقلا عن أمه شولميت / سلام الآتي :
" يعتقد عدد من المؤرخين أن فلسطين كانت تسمى مريم أو مريام ، قبل أن تحمل أي اسم آخر ، وموريا تشير إلى بلاد الكنعانيين ، وهم سكان البلاد . وأصل كلمة مريام يعود للآلهة الأسطورة لدى الأموريين حيث كانت الآلهة الأم للأموريين تدعى يم ، وكان إله السماء لديهم يحمل اسم مور كما درجت العادة لدى الشعوب القديمة أن يجري تزويج الإله الذكري مع الآلهة الأنثى ، ولهذا بات المسمى لهذه البلاد مريام أو مريم ، إذن فمريم البلاد هي أمنا جميعا " .
والرواية التي يمسك بخطوطها أبراهام يسردها عرب فلسطينيون ( مريم والياس ) ويهود ( مريام وشولميت وعنات ) ويمسك أبراهام بخيوط السرد ، فهو نتاج زواج مختلط وله نصيب من السرد .
أبراهام هو حفيد مريم الفلسطينية التي هجرت في العام 1948 من صفورية وفقدت زوجها محمود وأكثر أفراد عائلتها وخلفت ابنها إلياس/ إيلي الذي عاش في كنف أمه وعمه عمر الذي تزوج زوجة أخيه ، و هو - أي أبراهام حفيد ميريام اليهودية التي نجت من الهولوكست وقدمت إلى فلسطين وأقامت في مستوطنة تسيفوري التي أقيمت على أنقاض صفورية ، ولمريام من الأبناء بنحاس وشولميت التي تطلقت من زوجها اليهودي وخلفت منه عنات ، وقد تزوجت سلام ثانية من إلياس وخلفا أبراهام ، وهكذا جمع بين جدتين ؛ عربية ويهودية ، وأم يهودية وأب فلسطيني ، وأخت يهودية هي عنات - والدها يهودي ترك أمها - ، وما أرق أبراهام هو سؤال الهوية :
- أين أنا ؟ ومن أنا ؟ .
وللسؤال في الرواية حضور لافت .
وقصة أبرا تذكر ببطل قصة ( يورام كانيوك ) " عربي طيب " التي أثارت ضجة ظهرت في كتاب " الرسائل " لمحمود درويش وسميح القاسم . فقد ناقشاها ولم ترق الرواية التي نشرت أولا باسم مستعار ، هو يوسف شرارة ، لهما .
يصغي أبراهام لجدتيه ولوالديه ولأخته وينقل أقوالهم ويضع كلامهم بين علامات تنصيص ، وهذا يجعل الرواية مصوغة إلى حد بعيد بأسلوب " وجهات النظر " ، كما لو أن أبرا ، ومن ورائه المؤلف ، يريد أن يكون موضوعيا في عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، علما بأنه ، كما تقول روح الرواية ، ينحاز إلى رواية الجدة الفلسطينية ، وإن تفهم مأساة جدته مريام .
وعلى الرغم من أنه يدين سلبية والديه إلياس وشولميت اللذين آثرا الانسحاب والعزلة لرفض أهلهما زواجهما ، إلا أنه مع الأيام يتفهم ما أقدما عليه .
ويمكن القول ، بقدر من الاطمئنان ، إن الكاتب في روايته يقدم رؤية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ حرب ١٩٤٨ حتى نهاية انتفاضة الأقصى التي اندلعت في ٢٨ أيلول ٢٠٠٠ ، وهذه الرؤية تقوم على عرض وجهات نظر الجهات المتصارعة ، ولهذا لجأ إلى ترك شخصياته كلها تتحدث .
يعتمد الكاتب على أعمال أدبية فلسطينية وأخرى عبرية ناقش أصحابها فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي . وأحيانا يصرح بها على لسان شخصيات يهودية ، ومن هذه الأعمال مسرحيات كاتب الاحتجاج الإسرائيلي ( حانوخ ليفين ) التي نقلها إلى العربية انطوان شلحت وكان لها حضور في كتابات محمود درويش الشعرية والنثرية ، بل إن أحد عناوينها " أنا ، أنت ، والحرب القادمة " كان عنوان أحد مقالات كتاب " يوميات الحزن العادي " وكانت شولميت والدة أبراهام في الرواية من المعجبين بهذا الكاتب الإسرائيلي الساخر المحتج .
إن حضور أعمال أدبية صهيونية وإسرائيلية في نصوص أدبية فلسطينية كان لافتا منذ بدايات الصراع ، فإبراهيم طوقان كتب قصيدته " في الرد على رئوبين شاعر اليهود " في ٣٠ ق ٢٠ ، وتوالى الحضور في كتابات غسان كنفاني ومحمود درويش ومعين بسيسو ، بل إن رواية كنفاني " عائد إلى حيفا " هي رواية يشكل الخطاب الأدبي الصهيوني أحد مكوناتها .
تحضر رواية " عائد إلى حيفا " في رواية " مريم / مريام " بقوة ، وما يجري من حوار بين سعيد . س وابنه خلدون الذي تربى تربية صهيونية يكاد يحضر حرفيا. إن فكرة إنهاء الصراع بواسطة الحرب وفكرة الوطن والجدارة وأيضا فكرة الضحية التي حلت مشكلتها على حساب شعب آخر لم تكن له يد في مأساة اليهود في العالم ولم يسهم في صناعة الهولوكست ، هذه الأفكار تحضر في الروايتين ، ولا يحتاج قارئهما لاقتباسات منهما ليبرهن على ذلك .
ليست رواية كنفاني فقط هي التي تحضر ، فهناك قصة سميح القاسم " الصورة الأخيرة في الألبوم " . إن موقف والدة أمير من صديقته اليهودية روتي التي زارت معه قريته وحلت ضيفا على أمه وترحيب الأم بها نقرأ شبيها له في "مريم / مريام " ، وحين يقرأ المرء ما يقوله إلياس عن عمله في الناصرة العليا " حين ألحظ أن العرب هم من يبنون " إسرائيل " وهم من دقوا أول مسمار ، وهم من يشتغلون بالزراعة ومعامل الصناعة " سرعان ما يتذكر ما ورد على لسان سعيد المتشائل في رواية إميل حبيبي .
تقدم الرواية نماذج يهودية متعددة متنوعة حضرت شبيهاتها في أعمال فلسطينية سابقة ، فاليهودية التي تحب فلسطينيا وتتزوج منه حضرت مبكرا في قصة عبدالله عيشان " الغلطة " وحضرت في رواية أحمد حرب " الجانب الآخر لأرض المعاد " وروايته " بقايا " وفي روايات أخرى عديدة ، ولكن نهاية تجربة الزواج في " مريم / مريام " تبدو مختلفة فلا تنتهي بالانفصال . يظل الياس وشلوميت مرتبطين معا ويدفعان ثمنا غاليا برضا ولا يخضعان لضغوط المجتمع كما هو في قصة عيشان وروايتي حرب . إن من يدفع الثمن في رواية أبو حنيش هو ابن الزوجين ، مثله مثل الشخصية المحورية في رواية ( كانيوك ) .
ولعل ما يحسب للرواية هو بساطة لغة السرد فيها وسلاسته - أي السرد ، وتوفر عنصر التشويق .
هل يمكن القول إن هذه الرواية هي تصور الكاتب السياسي والفكري / الأيديولوجي للصراع وتصوره تصورات الآخرين له ، وبالتالي فقد وزع تصوراته على شخوصه ؟
أعتقد ذلك .
الجمعة والسبت
١٨ و ١٩ تشرين الأول ٢٠١٩

***

9- "تعويذة الجليلة " للأسير كميل ابو حنيش : مائة عام من المقاومة .

في المنتدى التنويري في نابلس تم يوم الأربعاء الماضي حفل إشهار رواية الأسير كميل أبو حنيش المحكوم بالسجن سبعة مؤبدات وكذا سنة فوقها زيادة البياع على ما يبدو ، أو كما يقول الزبون للبائع أو البائع للزبون " عالبيعة " .
هل ستعمر دولة إسرائيل مائة عام أخرى ؟
يكتب الروائي في روايته الأخيرة الصادرة عن دار الشامل في نابلس في العام ٢٠٢٣ رحلة الجليلة منذ ولادتها حتى وفاتها ؛ من قريتها سلمة قرب يافا إلى بياراتها في مخيم الفارعة ، وهكذا نقرأ أولا عن أسرتها في بياراتها في يافا وما مرت به من معاناة بسبب الاستيطان الصهيوني لفلسطين . من حصار وقتل وتشريد واحتلال ثان إلى انتفاضة أولى عليه في ١٩٨٧ إلى عودة الفلسطينيين إثر اتفاق أوسلو إلى غزة وأريحا ونابلس ورام الله وبقية مدن الضفة الغربية ، وتنتهي الرواية بموت الجليلة التي أهدت التعويذة إلى حفيدتها ، وكانت هي أهديتها يوم ماتت جدتها في سلمة منها - من الجدة المتوفاة . جيل يسلم الراية إلى جيل دون أن يمل من الكفاح أو يتعب منه .
بلغة بسيطة وسرد مشوق يكتب كميل روايته التي تذكر قاريء الأدب السوفيتي بنماذج منه كتبت بروح متفائلة تمجد الحياة والشعب ، وتذكر أكثر وأكثر بروايات غسان كنفاني الثلاثة " رجال في الشمس " و " عائد إلى حيفا " و " أم سعد " ، كما لو أن الكاتب الأسير يواصل رحلة الكاتب الشهيد .
ونظرا لأن كميل يكتب عن فترة طويلة كان شاهدا على جزء منها ، وعن أمكنة ربما زار قسما منها ، فإن روايته لا تخلو من عثرات سببها ما سبق وسببها أيضا تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي .
لم يكن الخلع معروفا قبل ١٩٦٧ ولم تكن الكهرباء في ٥٠ القرن ٢٠ وصلت إلى مخيمات نابلس ومنها الفارعة ولم يتم إنشاء مخيم البقعة إلا بعد ١٩٦٧ وهكذا دواليك .
شارك في حفل إشهار الرواية معي د. Amal Abu Hanesh والكاتب رائد الحواري وحضر حفل الإشهار جمهور أسهم في النقاش .
الصيف حار ودرجة الحرارة في ارتفاع ولكن هذا لم يحل دون الحضور .
أتمنى أن نرى الأسرى وقد تحرروا وفلسطين وقد صارت دولة واحدة يعود إليها أبناؤها من المنافي .
صباح الخير

خربشات

السبت ٢٩ / ٧ / ٢٠٢٣ .


***

10- كميل ابو حنيش : " مريم / مريام " ٢٠١٩ وحضور الأدب الإسرائيلي :

في رواية كميل أبو حنيش الأخيرة يحضر النص الأدبي الإسرائيلي ليشكل مكونا من مكونات الرواية العديدة ، ومنها بالتأكيد المكون الأدبي الفلسطيني وبخاصة رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
ليس كميل أبو حنيش أول أديب فلسطيني يستحضر نصوصا أدبية إسرائيلية في عمله الأدبي ، فقد سبقه أدباء فلسطينيون عديدون دفعوني إلى تتبع الظاهرة في كتابي " الأديب الفلسطيني والأدب الصهيوني " ١٩٩٣ وفي دراسات أخرى لاحقة عديدة .
يمكن القول إن رواية كميل هذه تشكل استمرارا لرواية كنفاني المذكورة ، فرواية كنفاني خرجت من معطف الأعمال الأدبية الصهيونية لتدحضها .
دحض الفكر الصهيوني يحضر في رواية كميل أبو حنيش ولكن الأعمال الأدبية التي تحضر ليست الأدبيات الصهيونية ، وإنما هي أدبيات الاحتجاج التي كتبها ( حانوخ ليفين ) بعد حرب حزيران ١٩٦٧ وسخر فيها من المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة وحربها . أعمال ( ليفين ) حضرت بقوة في كتابات محمود درويش النثرية وتحديدا في كتاب " يوميات الحزن العادي " ١٩٧٣ وعنوان مقال درويش " أنا أنت والحرب الثالثة " مأخوذ من مسرحية ( ليفين ) .
هنا أشير إلى أن أعمال ( ليفين ) ترجمت إلى العربية ومترجمها هو الصديق الكاتب انطوان شلحت .
لعل الموضوع يستحق !
مساء الخير
خربشات
١٧ / ١٠ / ٢٠١٩

***


11- الأسرى وسابعة الجهات : مع الأسرى في العيد

في العيد ماتت أم عسكر التي كتب عنها غير روائي ، وفي العيد اتصل بي الأسير أبو الخطاب هيثم جابر .
كان هذان الحدثان فاتحة لإعادة قراءة بعض صفحات من أعمال أدبية أنجزها الأسرى وغيرهم عن اجتياح نابلس في العام ٢٠٠٢ ، وكانا أيضا فرصة لسؤال الأسير عن العيد في السجن وما هي طقوسه هناك حيث الجهات الست مغلقة ولم يبق لهم سوى الجهة السابعة ، والجهات السبع والجهة السابعة منها قرأت عنها في رواية الأسير كميل ابو حنيش " الجهة السابعة "( ٢٠٢١ ) وقد صدر جزءها الثالث ببيت شعر لأحمد شوقي هو :
" ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات "
فحقا ماذا يبقى للأسير المحكوم بعدة مؤبدات وقد أغلقت في وجهه الجهات الأربعة والسماء والأرض؟
في اتصال أبو الخطاب سألته عن العيد في السجن وطقوسه . هل يحتفل الأسرى بالعيد وكيف ؟ هل يصنعون كعك العيد ؟ وكيف يقضون اليوم الأول منه ؟
حتى اللحظة لم أقرأ نصا أدبيا لأسير يصور فيه هذه المناسبة ومناسبة رمضان في داخل السجن ، علما بأنني قرأت مؤخرا فقرة عن الأسير وليد دقة تأتي على أكثر شيء مشتاق له " بره " ، أو حتى يبكيه ، وهو أن يسأله أحد ما سؤالا عاديا جدا افتقده في السجن ، سؤالا على شاكلة :
- معك فراطة - أي فكة نقود . ليس المهم أن يكون معه أو لا يكون . المهم أن يسأله . ( عن صفحة حسام الرزه ) .
وقد عرفت من أبو الخطاب أن إدارة السجن في هذه المناسبة تتساهل معهم قليلا كأن تسمح لهم بزيارة بعضهم في الغرف . عرفت منه هذا وعرفت أن الأسرى أيضا يصنعون كعك العيد قدر ما استطاعوا وأنهم يؤدون الشعائر المعتادة في اليوم الأول .
الحديث عن الأسرى ارتبط أيضا بموت أم عسكر المرأة النابلسية التي يعرفها كثير منهم معرفة جيدة ، ولما كتبت فقرة عن رحيلها أشرت إلى أنني سأكتب عنها مقالا ، وهكذا أخذت أنظر في الأدبيات التي ذكرتها وأسأل بعض المهتمين بكتابة ( بروفايلات ) عن شخصيات مهمة إن كانوا كتبوا عنها ، ومن هؤلاء بسام الكعبي الذي سألته أيضا إن كان زار مخيمه ؛ مخيم بلاطة ، في العيد ، فأجاب بأن الحواجز لم تشجعه .
سؤال بسام وإجابته ذكرني برواية غسان كنفاني " أم سعد " ورؤيتها للحبوس ، فالحبس ليس في السجن وحسب . إن حياتنا كلها حبوس في حبوس ، ولفرط استشهادي بعباراتها لا أظن أن القراء بحاجة إلى كتابتها كاملة ثانية .
سجن صغير وسجن كبير ، وما يقال أحيانا بأن الضفة الغربية تحولت إلى معازل على غرار ما كان في جنوب إفريقيا يؤكد ما سبق . لقد تحولت الضفة إلى سجن كبير في طريقه إلى التحول إلى سجون
كما لو أن ما كتبه كميل أبو حنيش في روايته عن حياة الأسرى حيث الجهات الست مغلقة بدأ ينطبق على المدن الفلسطينية ، وغالبا ما يتحقق في أوقات الحصار ، كما في حصار نابلس في شهر تشرين الأول من العام الماضي
في روايته الأشبه بسيرة روائية نقرأ عن تجربة الكاتب في انتفاضة الأقصى واعتقاله في العام ٢٠٠٣ ، وللرواية معي قصة .
من داخل السجن اتصل بي كميل قبل نشر روايته المذكورة يطلب مني رأيا نقديا فيها ، فعرضت عليه أن يرسلها لي ورقيا ، فأنا حتى اليوم نادرا ما أقرأ الكتب إلكترونيا . عندما قرأتها راقت لي لأنها تأتي على تجربة فلسطيني شارك في انتفاضة الأقصى ورواها من الداخل . لقد كان السارد / كميل مشاركا في الأحداث ومنتميا إلى فصيل ، فلم يكتب عن الحدث من الخارج ، وغالبا ما ألتفت في نقدي إلى هذا الجانب - أعني الكتابة من داخل الحدث والكتابة من خارجه ، وراقت لي الرواية أيضا لأنها تثير أسئلة وتأتي على جوانب إنسانية في حياة الأسير مثل الحب وعلاقته بالمرأة ، وراقت لي لجرأته في تناول الموضوع ، وفيما بعد صارت لي الرواية مهمة لجوانب نقدية تتمثل في قراءة أعمال أدبية عديدة كتبت في الموضوع نفسه وعن المكان نفسه في الفترة نفسها . كيف يروي غير راو ، وكيف يكتب غير كاتب في الموضوع نفسه ؟ ما هي نقاط التشابه والاختلاف في زاوية الرؤية واللغة وأسلوب القص ؟
عندما أعلمت كميل أنها راقت لي وليس هناك ما يمنع نشرها قال لي :
- لقد رفعتني من الأرض إلى السماء .
كانت نفسية كميل متعبة ، فبعد أن أنهى الرواية عرضها على ناقد أدبي لم يشجعه على نشرها وطلب منه أن يجري تعديلات كثيرة عليها ، ما أشعره بالإحباط ، ولقد تذكرتها مؤخرا وأنا أقرأ رواية إلياس خوري Khoury Elias " أولاد الغيتو : رجل يشبهني " ( ٢٠٢٣ ) ففيها يكتب إلياس عن اجتياح نابلس في ٢٠٠٢ . كلا الروائيين كتب عن المكان نفسه والحدث نفسه ؛ الأول من الخارج والثاني من الداخل ، ولعل كتابة رسالة ماجستير في الروايتين وغيرهما موضوع يستحق .
في العيد لم أكن داخل السجن ولكني عشت مع السجناء وأدبهم ، علما بأنني لم أظل قابعا في البيت ، فلقد زرت الأقارب في نابلس وقرى رام الله وضاحية البريد في القدس ، غير مكترث لأزمة على الحواجز قد تحدث ، أو لمفاجآت قد يدفع قسم منا حياته ثمنا لها لمجرد وجوده في المكان . " أكثر من هالقرد ما سخط الله " يقول مثلنا ونحن منذ وعينا على هذه الفانية نسمع من يردده ، وقد صرنا نردده .
في أيلول من العام ١٩٨٢ ارتكب الكتائبيون ، بتغطية وموافقة من القوات الإسرائيلية ، مجزرة شاتيلا وصبرا وكان عيد الأضحى يطرق أبوابنا . هل انتحينا في زاوية من المنزل وبكينا .
في عيد الفطر هذا عشت مع نصوص الأسرى وبعض شخصيات رواياتهم التي فارقت في العيد هذه الفانية .
- هل تعرف أم عسكر ؟
- للأسف لا ، فلم أتعرف على أم عسكر ؟
ولم أتعرف إلى أم سعد غسان كنفاني ولكنها صارت جزءا من شخصيتي ، فغالبا ما استشهد بها .
كل عام وانتم بألف خير .
نابلس ٢٥ و ٢٦ / ٤ / ٢٠٢٣ .
خامس وسادس أيام العيد .

***

12- الأسير كميل ابو حنيش وروايته الجديدة :"مريم مريام "

رواية الأسير كميل أبو حنيش الجديدة الصادرة طازة عن دار الآداب في بيروت استقبلت من الكاتب رائد الحواري حيث قدم عرضا لها .
في هذه الأيام أقرأ في الرواية ووصلت حتى صفحة ١٤٢ وتبدو الرواية سلسة في سردها الذي يجري على ألسنة عديدة :
مريم
مريام
الياس/ايلي
شلوميت/سلام
و
ابرهام/ابرا
وتبدو الرواية خارجة من معطف نصوص أدبية فلسطينية وعبرية ،فالسؤال الذي يثيره قاريء الرواية إن كان ملما إلماما قليلا بسيرة الكاتب الذي يقبع في السجن هو :
- ما صلته بكثير من عوالم الرواية؟ باماكنها وحيوات شخصياتها وما شابه ؟
سوف ينفتح قاريء الرواية على عوالم روائية فلسطينية معروفة وعوالم أدبية عبرية عديدة .
تذكر شلوميت والدة ابراهام نصوص حانوخ ليفين التي تفتح وعيها عليها ، ويتذكر القاريء نصوص غسان كنفاني بخاصة "عائد إلى حيفا " .والأمر بطول .
ثمة عمل روائي مهم جدا لا أعرف إن كان كميل اطلع عليه وهو رواية الكاتب الإسرائيلي يورام كانيوك "عربي جيد" .
ربما احتجت إلى مساحة أوسع لعقد مقارنة بين الروايتين .
مساء الخير
خربشات
١٤ تشرين الأول ٢٠١٩


***

13- اجتياح نابلس ٢٠٠٢ : رواية " الاجتياح "

من كتب رواية اجتياح مدينة نابلس في ربيع العام ٢٠٠٢ ؟
هل كتبتها سحر خليفة في " ربيع حار " ٢٠٠٤ ؟
هل كتبتها عفاف خلف Afaf Khalaf في " لغة الماء " ٢٠٠٧ ؟
هل كتبتها سهاد عبد الهادي في " ذاكرة زيتونة " ٢٠٠٧ ؟
هل كتبها وليد الشرفا في " ليتني كنت أعمى " ٢٠١٩ ؟
هل كتبها كميل ابو حنيش في " جهة سابعة " ٢٠٢٢ ؟
أم كتبها إلياس خوري Khoury Elias في " أولاد الغيتو ٣ : رجل يشبهني " ٢٠٢٢ ؟
أنفقت أمس ساعات في قراءة ثانية للقسم الثالث من " جهة سابعة " ، وفي صباح اليوم أعدت قراءة صفحات من " لغة الماء " لأوازن بين الأحداث فيهما مع ما قرأته في " رجل يشبهني " .
شغفني ما ورد في الروايات الثلاثة عن الأحداث في المدينة وعن المكان الذي جرت فيه ، وقد كتبت أمس في هذا الموضوع ، وصرت فضوليا حقا .
ثلاثة كتاب صلتهم بالمدينة تختلف ؛ فعفاف ابنة نابلس ، وكميل ابن بيت دجن وقد أقام في نابلس إقامة ليست طويلة ، وإلياس خوري الذي رأى المدينة عبر أشرطة الفيديو أو عبر الإصغاء إلى معارفه منها .
كيف روى كميل قصة الجاسوس ؟ وكيف روتها عفاف ؟ وهي قصة لم يأت عليها إلياس !
يبدو أنني بحاجة إلى أسبوعي قراءة في الروايات حتى أكتب مقالا أطمئن إلى جودته .

قديما قال المتنبي :
" ذو العقل يشقى في النعيم بعقله " .
لماذا أشغل نفسي بالماضي ؟
صرت مثل آدم دنون شخصية رواية إلياس خوري . لا أنا قادر على التحرر من الماضي ولا أنا قابل أهاجر أو أتزوج ، وأهل المدينة وفلسطين مثلي . إنهم ما زالوا يتحاورون في أمر طلاقي وإصراري على عدم الزواج والبقاء وحيدا .
أي والله !
من هو الشاعر الذي سئل عن سبب طلاقه وعما حدث مع نوار فأجاب :
" ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا " .
ما أراني إلا أقول معادا مكرورا !

خربشات عادل الاسطة

٢٤ / ١ / ٢٠٢٣ .

***

14, موتيفات وأفكار في الأدب الفلسطيني "الحصار" . حصار نابلس والحصار في الأدب الفلسطيني


في الفترة بين ١٣ تشرين الأول وبداية تشرين الثاني فرض الاحتلال الإسرائيلي حصارا على مدينة نابلس ، ما حدا بي إلى كتابة " يوميات حصار نابلس " .
في أثناء الكتابة تذكرت أعمالا أدبية عديدة كتبت في موضوع الحصار ، وتذكرت الحصار الأكبر وهو الاحتلال الأول والثاني ؛ احتلال ١٩٤٨ و احتلال ١٩٦٧ .
ما بين ١٩٤٨ و١٩٦٦ فرضت إسرائيل الحكم العسكري على السكان الباقين في أرضهم ، وقد صور جانبا منه المحامي توفيق معمر في قصصه القصيرة " المتسلل وقصص أخرى " . وبعد ١٩٦٧ صار نهر الأردن وجسراه حاجزين فرضا على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة حصارا ما ، فكتبت فيه فدوى طوقان قصيدتها " آهات أمام شباك التصاريح " وسحر خليفة روايتها " الصبار " وفيها أتت على معاناة الفلسطينيين على الجسور ، ولكن رواية " الطوق " ( ١٩٧٩ ) لغريب عسقلاني كانت الأولى التي كتبت عن حصار مخيم في غزة وقد دام شهرا ، تلتها رواية أديب رفيق محمود " الحصار "( ١٩٨١ ) عن قريته عنبتا وقد طال حصارها ، وقصص جمال بنورة وروايته " أيام لا تنسى " ، عن بيت ساحور ، وزكي العيلة " الجبل لا يأتي " عن مخيم جباليا .
لم يقتصر حصار الفلسطينيين على مدنهم وقراهم ومخيماتهم في فلسطين ، بل حوصرت مخيماتهم في الشتات وحوصرت مدن عربية عاشوا فيها .
في ١٩٧٦ حوصر مخيما جسر الباشا وتل الزعتر في بيروت ، فكتب محمود درويش قصيدته " أحمد الزعتر " ، ويوسف عراقي " يوميات طبيب في تل الزعتر " وفي ١٩٨٢ حوصرت بيروت وحوصرت الثورة الفلسطينية فيها ، فكتب درويش قصيدته " مديح الظل العالي " وتكرر دال الحصار في القصيدتين تكرارا لافتا .
مع خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت وتوقيع اتفاق أوسلو في ١٩٩٣ لم ينته الحصار ، ففي انتفاضة الأقصى ٢٠٠٠ مورس من جديد . حوصرت المدن الفلسطينية في الضفة الغربية ووضعت حولها الحواجز وبني الجدار العازل ليفصل بين مناطق ١٩٤٨ ومناطق ١٩٦٧ ، وحوصر قطاع غزة منذ ٢٠٠٧ ، وكثرت الكتابات في هذا الموضوع . كتبت سهاد عبد الهادي روايتها " ذاكرة زيتونة " وسحر خليفة روايتها " ربيع حار " وعفاف خلف " لغة الماء " وعزمي بشارة روايته " الحاجز " وأكرم هنية قصته " زمن حسان " وتوالت الكتابات وصار حصار المدن والقرى والمخيمات في انتفاضة الأقصى يسترجع في أزمنة لاحقة ، ففي الأعوام الأربعة الأخيرة صدرت ثلاث روايات أتت على حصار نابلس وجنين وكنيسة المهد في بيت لحم ، أولاها رواية الأسير كميل ابو حنيش " جهة سابعة " وقد أتى في القسم الثالث منها على تجربته في الحصار واعتقاله من البلدة القديمة في نابلس ، وثانيتها رواية وليد الشرفا " ليتني كنت أعمى " وثالثتها له أيضا " أرجوحة من عظام " ( ٢٠٢٢ ) .
يروي كميل قصة الحصار والاجتياح من الداخل . إن راوي روايته راو مشارك في الأحداث ، راو يرصد الحدث وقد عاشه ودفع حياته ثمنا له ، وما زال كميل يقبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ ٢٠٠٢ وقد حكم عليه غير مؤبد .
راويا روايتي وليد الشرفا ، بل رواة الروايتين ، فأحيانا تتعدد الأصوات فيهما ، ليس لتجاربهم صلة بتجارب وليد . إنهم مختلفون عنه تماما ، فهو لم يعش تجربة حصار مخيم جنين أو تجربة حصار نابلس أو تجربة حصار كنيسة المهد . إنه يكتب عن تجارب أشخاص عاشوا الأحداث وتركت آثارها عليهم ، فمنهم من فقد عينيه ومنهم من فقد رجله ، كما في رواية " ليتني كنت أعمى " ومنهم من فقد إخوانه ورفاق تجربته في الحصار وهو ما يبدو في " أرجوحة من عظام " .
في الأولى يجد الجريح الناجي من حصار مخيم جنين نفسه في سيارة إسعاف مع المصور المصاب في مدينة نابلس تقلهما إلى مشفى في رام الله ليتعالجا . يفقد ابن جنين رجله جراء إصابته ويفقد المصور عينيه وحين ينزلان في المشفى معا في غرفة واحدة يقود الأعمى عربة من فقد رجله اعتمادا على إرشاداته .
وفي " أرجوحة من عظام " يرتقي بعض المحاصرين برصاص القناصة ويجرح آخرون وتجوع البقية حتى يتم الاتفاق على ترحيل المقاتلين إلى غزة والمنافي الأوروبية .
في روايتي وليد نقرأ عن شخصيات فلسطينية عادت أثر اتفاق أوسلو ظانة أنها نجت من الحصار الذي عاشته في المنافي ، فوجدت نفسها تعيش حصارا أشد وأقسى ، بل ودفعت في داخل الوطن ثمنا باهظا ؛ حياتها أو نظرها أو بتر قدمها . هذا ما تحفل به روايتا الكاتب ، ولا أعرف إن كان هناك من كتب رواية أو كتابا توثيقيا عن حصار ياسر عرفات في سنته الأخيرة في المقاطعة في رام الله .
على إثر الذهاب إلى مدريد كتب محمود درويش قصيدته " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " وفيها يرد :
" كل شيء معد لنا سلفا ، من سينزع أسماءنا
عن هويتنا : أنت أم هم ؟ ومن سوف يزرع فينا
خطبة التيه :" لم نستطع أن نفك الحصار
فلنسلم مفاتيح فردوسنا لوزير السلام ، وننجو "
و
" كل شيء معد لنا
فلماذا تطيل التفاوض ، يا ملك الاحتضار ؟ "
في الدراسات التي كتبت عن الأدب الإسرائيلي في ٧٠ القرن ٢٠ نقرأ دال الحصار فيها ، حيث شعر الإسرائيليون أن دولتهم كانت محاصرة . الآن صار دال الحصار الأكثر حضورا في أدبنا .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .

الاثنين و الخميس ١٤ و ١٧ / ١١ / ٢٠٢٢

***

15- موضوعة السجن في رواية الأسرى . كميل أبو حنيش نموذجا

١ - ( " والروائي إن لم يعاشر العامة ويدرس أحوالهم ، أو لم يكن منهم ويعش بينهم ، أو لم تكن فيه قوة الصورة ومهارة التصوير وبراعة الوصف ، ولم يكن فيه النظرة الأدبية الصادقة إلى كل حادث ، والارتياح التام بل الكلف التام ببعثه ، وإن لم يسر بعمله على الدوام إلى الأمام ، إلى أعلى درجات الكمال ، ولم يكاشفه الإلهام والوحي والنبوة ، فليس بروائي عبقري " . خليل بيدس مقدمة " مسارح الأذهان " ١٩٢٤ )
٢ - ( إن روعة هذه المجموعات من القصص هي أنها تأتي في وقت يتدفق فيه إنتاج " الموهوبين " العرب حول قضايا مماثلة تقريبا ، وهو أدب أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه " أدب الهوهو " ، أدب فهد بلان " وصح يا رجال " أدب " الأويها " وال " ولي !" ، وربما كان سبب ذلك هو فقدان الموهبة أولا ، وثانيا أن معظم كتابنا " لا يحيون حياة الشعب " ، لا يتألمون لآلام الناس ولا يفرحون لأفراحهم ، لا يدخلون إلى اهتماماتهم وحاجاتهم ( ولذلك ) فإنه لا يخرج من بين أيديهم كتاب حقيقي يثير الانفعال في قلوب القراء " صح يا شولوخوف )
( غسان كنفاني من مقال " شولوخوف والالتزام وأدب صح يا رجال )
٣ - ( " من أين تأتي الشاعرية ؟
من ذكاء القلب أم من فطرة الإحساس
بالمجهول ؟ أم من وردة حمراء
في الصحراء ؟
لا الشخصي شخصي
ولا الكوني كوني "
محمود درويش " جدارية " )
في كتابه " الكتابة والسجن : عالم الكتابة في السجن " ( ٢٠٢٣ ) يكتب الروائي كميل أبو حنيش عن رواياته الست الأولى التي كتبها وهو في السجن ، ويفصح لنا من أين استمد موضوعها ، وليس هو في هذا الجانب استثناء ، فقد أفاض كتاب كثيرون في سيرهم الذاتية وفي المقابلات التي تجرى معهم عن موضوعات أعمالهم من أين استمدهوها أو حكوا عن الباعث والحافز لكتابتها .
أن يكتب أسير ، وهو في السجن ، ست روايات ، خلال عشرين عاما ، فليس هذا بالأمر اليسير الهين ، ذلك أن عالمه محدود مقيد ، إذ يتحرك في مساحة ضيقة غالبا ، وإذا ما كانت لديه فرصة للانتقال من مكان إلى آخر فهي ليست سوى استبدال سجن بسجن . ستظل مساحة تحركه محدودة ، والكتابة الروائية تحتاج إلى حياة عريضة وأمكنة متعددة وشخصيات متنوعة مختلفة تنتمي إلى شرائح اجتماعية ، وغالبا ما يثريها - أي الكتابة الروائية - السفر والتنقل في البلاد والأمكنة الواسعة الفسيحة . طبعا ليس هذا شرطا ملزما ، ولكن كلما اتسعت تجربة الكاتب وتعددت وتنوعت انعكس ذلك في نتاجه ، فإذا ظل محصورا في بيئة واحدة أنتج أعمالا قليلة إلا ما ندر .
وإذا ما أمعن الدارس في نتاج الأسرى فإنه يلحظ ولا شك أن أكثرهم كتب ، على أكثر تقدير ، رواية أو روايتين ، وغالبا ما تمحورت حول تجربته الشخصية التي تشمل السجن وما قبله . يمكن هنا الإشارة إلى أسماء أسرى فلسطينيين كتبوا الرواية مثل حسام شاهين وعصمت منصور وهشام عبد الرازق ويحيى السنوار وهيثم جابر ( أبو الخطاب ) . إن أيا من هؤلاء لم ينتج سوى رواية أو اثنتين تمحورت حول تجربته وسيرته ، أو حول موضوع يخص عالم السجن مثل التحقيق مع سجناء يشتبه فيهم ، أو العزل الانفرادي في زنزانة ، أو سيرته منذ كان طفلا إلى دخوله السجن وقضاء سنوات فيه ، أو استرجاع تجربة بيئته في مقاومة الاحتلال البشع القاسي الذي يعمل على تجنيد الفلسطينيين وإسقاطهم . والموضوع الأخير كتب عنه غير كاتب في أثناء إقامته في السجن .
وقليلون هم الكتاب الذين كتبوا أكثر من روايتين ، وهنا أذكر كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي ، مع إقراري بأنني لم أقرأ كل ما كتبه السجناء ولم أتتبعه تتبع باحث أكاديمي يتطلع إلى إنجاز بيبلوغرافيا .
عندما طالعت روايات باسم الخندقجي أو قرأت ما كتب عنها لاحظت أنه قليلا ما أتى على عالم السجن . لقد كتب الرواية التاريخية أو استحضر تجارب سابقة له ، وحتى روايته الفائزة بجائزة الرواية العربية " قناع بلون السماء " فإن مساحة ما كتب عن السجن فيها ، قياسا إلى ما كتب اعتمادا على مصادر ومراجع تاريخية ، يبدو قليلا . وكان هذا يلفت نظري حقا ، إذ لم لم يكتب عن فضاء السجن وتجربته فيه ؟
هل أراد أن لا يكتب معادا مكرورا ، فأكثر كتابات السجناء تتمحور حول عالم السجن ؟
هل أراد أن يخرج من عالم السجن ولو بواسطة الخيال ، فينتصر على السجان وينجو من حشره في زاوية ضيقة أقرب إلى القبر ؟
هل هو من محبي الرواية التاريخية مثلا وينحاز إليها ، ولذلك فضل أن يكتبها ؟
إن ما كتبه كميل أبو حنيش يبدو مختلفا ، فأكثر رواياته عن تجربته داخل السجن أو خارجه ، أو عن تجارب أشخاص عرفهم في السجن ، أو أشخاص سمع حكاياتهم ، وحين لجأ إلى الخيال في إنتاج نص روائي دهش عندما علم أنه مطابق لتجربة سجين ولنلاحظ :
أولا :
يكتب كميل روايته الأولى. " خبر عاجل " عن فلسطيني استشهادي هو أسامة بشكار ساعدته أسيرة محررة هي دعاء الجيوسي . يلتقي كميل مع دعاء - طبعا قبل أن يسجنا - فتحكي له عن علاقتها بأسامة وتعلقه بها في لحظة انطلاقه لتفجير نفسه .
عندما سجن كميل تلبسته حكاية أسامة ودعاء وظلت تلاحقه وتلح عليه مدة ثلاثة أعوام ، وقد أنجزها واحتار في عنوانها إلى أن استقر على " خبر عاجل " ؛ لأن أخبار العمليات الاستشهادية كانت تسجل سبقا على شاشات الفضائيات ك " خبر عاجل " .
وكما نلاحظ فإن موضوع الرواية وشخوصها ليسا بعيدين عنه . لقد كانت دعاء على معرفة به ولامست حكايتها شغاف قلبه . أراد أن يكتب الحكاية قبل سجنه لكنه كان ملاحقا فلما اعتقل وحوكم كتبها في السجن .
ثانيا :
يكتب كميل روايته الثانية " بشائر " دون أن يفكر في كتابة رواية . لقد وجد نفسه يكتبها علما بأنه أراد كتابة كراس في السجن يثقف فيه السجناء الجدد الذين لاحظ جهلهم بتاريخ القضية الفلسطينية . أراد للكراس أن يكون تربويا تثقيفيا ولكنه تراجع فكتب ما أراد بقالب روائي .
إن كثيرا من كتابات الأسرى كتبت بقصد تربوي تثقيفي تعليمي ، وهنا أشير إلى رواية حسام شاهين " زغرودة الفنجان " .
ثالثا :
رواية " الكبسولة "
كانت الشرارة التي أشعلت المباشرة في كتابتها زيارة والده له في السجن بعد انقطاع ثلاثة أعوام . يومها سأل كميل والده عن الأغوار ، فطفق الوالد يحدثه عن المتغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة وأبرزها اقتلاع المزارعين لمعظم بيارات البرتقال لصالح الزراعة الحديثة " ولكن أكثر ما أثارني هو خبر جفاف الوادي ..... في ذلك المساء بدأت في كتاية الرواية ، وتصادف يومها أنني قد أبلغت بخبر ضياع كبسولة كنت قد أرسلتها لأحد السجون ، وكانت تحمل معطيات هامة ، فولدت هذه الرواية في هذا المناخ ." .
رابعا :
يكتب كميل روايته الرابعة " وجع بلا قرار " أيضا عن عالم الأسرى في ظل أجواء صفقة تبادل الأسرى في العام ٢٠١١ وما ترتب عليها من آثار منها الخيبة والإحباط لمن لم يخرجوا . الإضراب الذي أعد له السجناء في العام ٢٠١٢ " فشرعت في كتابة الرواية الجديدة " وجع بلا قرار " في بدايات شباط من ذلك العام " .
عندما سئل كميل عن هوية شخصية الرواية علاء - إن كان حقيقيا أم أنه من نسج الخيال - أجاب بأن ثمة عددا من الأبطال الحقيقيين تجمعوا كلهم في شخصية علاء .
وللرواية قصة .
أحد رفاق كميل ، واسمه مهدي ، سأله عن الخطوط العامة للرواية ، وعندما سمعها هز رأسه وقال :
- يبدو أن الرفيق عوض السلطان قد روى لك حكايته .
يضحك كميل ويجيب بأن الرواية من محض خياله ، فيذهل مهدي ويضيف قائلا :
- لكن هذه القصة تلخص حكاية عوض حتى أن اسم أنهار هو ذاته اسم الفتاة التي كان يحبها عوض ، ومصيرها كان ذاته مصير بطلة الرواية " .
هل كان كميل سمع بالقصة ونسي ؟
لقد أقسم لمهدي أن الرواية من نسج خياله وأنه لم يحدث يوما أن اطلع على هذه الحكاية .
سيلتقي كميل ، بعد خمس سنوات - ٢٠١٧ ، في سجن ريمون ، بعوض الذي سيسأله عن آخر كتاباته فيروي له " وفجأة تذكرت ما دار بيني وبين مهدي ... بشأن عوض ورواية " وجع بلا قرار " وسأله إن كان روى له يوما عن حكايته .
" ذهل عوض وسألني بدهشة :
- بشرفك ، من أخبرك بهذه الحكاية ؟
- هل حدث وان أخبرتني يوما عنها ؟
- كلا .
- أؤكد لك أنه لم يخبرني أي أحد بأي تفصيل ، وأن الرواية من محض خيالي ، واسم أنهار كان اختيارا عشوائيا من بين أسماء عدة " .
يذهل عوض ويقرأ الرواية ويؤكد لكميل بأنها في خطوطها العامة تتقاطع مع حكايته .
يتأمل كميل في هذا ويسرح في عالم الأدب الساحر والجميل الذي من شأنه أن يوقع الكاتب بمصادفات " ومصائد غريبة وغير مألوفة ، وأحيانا بتقاطعات عجيبة وخرافية تتشابك فيها أقدارنا مع أقدار بشر لا نعرفهم في الحياة . إنهم بشر تفصلنا عنهم مسافات زمنية في الماضي أو حتى في المستقبل " .
خامسا :
أما روايته الخامسة " مريم ... ميريام " فتعود بذورها كما يكتب في العام ٢٠٢٢ " لست وعشرين سنة للوراء " . في صيف العام ١٩٩٤ أنهى كميل الدراسة الثانوية وتوجه إلى مدينة الناصرة في الجليل الفلسطيني ، ولم يكن في ذلك الحين مسموحا للفلسطيني من سكان الضفة الغربية والقطاع دخول المناطق المحتلة من العام ١٩٤٨ ، إلا من خلال التصاريح . وكان على أبناء الضفة والقطاع اجتياز الحدود الفاصلة عن طريق التهريب .
ذهب كميل إلى الناصرة وعثر على عمل في قطاع البناء ، مع أحد المقاولين وكانت الورشة في مدينة حيفا ، " ومع كل يوم وأثناء مرورنا في الشارع الممتد بين الناصرة وحيفا ، كنا نعبر من قلب حي في الناصرة يسمى " حي الصفافرة " وفي الطريق تطالعني لافتة كتب عليها بثلاث لغات ؛ العربية والانجليزية والعبرية ( تسيبوري ) . ومع الوقت فهمت أن مستوطنة تسيبوري تقوم على أنقاض بلدة عربية تسمى صفورية ، وأن سكان حي الصفافرة هم أهل البلدة الأصليون الذين جرى تهجيرهم والسطو على مكانهم في عام النكبة " .
ويقول كميل :
" وتحاول الرواية أن تعكس صدى الأزمنة في المكان ( فلسطين ) وتمثلها لإبراز دور الهوية ... فكانت مريم هي الاسم الأول لهذه البلاد .... فكانت مريم الصفورية العربية في صراعها مع ميريام المستعمرة اليهودية الصهيونية تعكس وجها من وجوه هذا الصراع على المكان وهويته ، وكان إبراهيم ( ابرام ) هو الحفيد المشترك للمرأتين .... " .
عندما قرأت الرواية لاحظت أن ثمة تناصا بينها وبين رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
كميل قاريء جيد لغسان كنفاني ونتاجه ومتأثر به ، عدا أنه ينتمي إلى الفصيل نفسه - أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكما نلاحظ فإنه وهو في السجن يسترجع جزءا من حياته وتجاربه ويكتبها متكئا على وعيه السياسي الذي اكتسبه بعد ستة وعشرين عاما ، وهو وعي يقرن التجربة بالقراءات .
إن موضوع هذه الرواية موضوع لم تخل منه الروايات التي كتبها أدباء الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ، بل وأدباء المنفى ، وإذا كنت أشرت إلى الأخيرين مجسدين في غسان كنفاني فإن رواية راوية بربارة " على شواطيء الترحال " لا تبتعد كثيرا .
سادسا :
أما روايته السادسة فتمحورت حول عالم السجن وتجربته النضالية في انتفاضة الأقصى في العام ٢٠٠٠ التي أدت إلى اعتقاله وسجنه بتسع مؤبدات .
في السجن يقرأ بيت الشاعر أحمد شوقي :
" ولو أن الجهات خلقن سبعا
لكان الموت سابعة الجهات "
فيمس جزءا من صميمه ، إذ أنه ينطوي على فلسفة عميقة ، فيسجل في دفاتره عنوان " الجهة السابعة " على أن يكون مشروعا أدبيا ، إذا ما اكتمل في ذهنه بأبعاده الفلسفة الوجودية .
يرى كميل أن السجن هو المكان الأكثر قسوة ففيه " يحيا الأسير مع الخيال ، ويظل يعيد اجتراره من الماضي الغارب ، مستعيدا في خياله لحظات من العمر ، ويكسو رفاتها لحما ، ويعيد إحياءها ، وفي الوقت ذاته يرسم عالما آتيا يحلم أن يحياه " .
هذه الحالة تدفع السجين إلى رفض واقع السجن ، فييمم روحه شطر جهة أخرى هي ما سماها الجهة السابعة " فأحيا لحظات سعيدة ولو بالخيال " .
هكذا أخذت الرواية تتشكل في ذهنه " وشكل الخيال الحالم لي حجر الزاوية " وانتظر اللحظة ، وعندما زاره المحامي حسن عبادي قص كميل عليه فكرة الرواية فشجعه .
سابعا :
تعويذة الجليلة وهي الرواية السابعة للكاتب وآخر رواياته ، وقد أصدرها بعد إصدار كتابه " الكتابة والسجن " بعام تقريبا ، ولم يكتب عنها حلقة خاصة تأتي على مناخ كتابتها والدافع الرئيس الذي حفزه على الشروع بها .
تختلف هذه الرواية عن الروايات السابقة في أنها تكتب عن فلسطين في مائة عام تقريبا من خلال تتبع حياة عائلة فلسطينية كانت تقيم في أرضها ، ثم هجرت منها في العام ١٩٤٨ ، لتقيم في الضفة الغربية وتشارك في النضال الفلسطيني حتى العام ٢٠٢٠ تقريبا . إنها رواية أجيال ورواية فلسطين عبر الأجيال في أماكن متعددة ، كما لو أن كميل أراد أن يقدم حياة فلسطين في مائة عام على غرار الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) في " مائة عام من العزلة " . ولما كانت المرأة شخصية محورية " الجليلة " وهي التي قاربت المائة عام عمرا ، فإن النموذج النسوي فيها يقارب ما كتبه غسان كنفاني في روايته " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) مع اختلاف وهو أن غسان كتب عن أم سعد حتى ١٩٦٩ في حين كتب كميل عن الجليلة حتى بداية القرن ٢١ .
إن هذه الرواية تقترب من روايات الواقعية الاشتراكية . إنها نتاج مبنى ذهني بالدرجة الأولى يكسو الروائي فيه أفكاره وتصوراته الذهنية بأحداث وشخصيات يختلقها لتناسب ما يعتقده من آراء وأفكار وتصورات . إن الروائي هنا يكتب عن عالم متخيل فتكون النتيجة كارثية كما كتب ( جورج لوكاش ) في كتابه " معنى الواقعية المعاصرة " .
عندما كتبت عن هذه الرواية أشرت إلى أخطاء تاريخية وقع فيها الكاتب لأنه كتب عن فترة زمنية لم يكن شاهدا عليها وعن بيئة مكانية لم يعرفها .
ما الذي أريد أن أخلص إليه بخصوص موضوعة الرواية في أدب السجناء ؟
إن أغلب موضوعات الأدب الذي يكتبه السجناء تتمحور حول عالمهم في السجن أو حياتهم قبل دخولهم إليه ، فإن ابتعدت قليلا عن عالمهم هم أو تجاربهم هم قاربت عوالم أصدقائهم أو معارفهم من السجناء ، وحتى إن أرادوا اللجوء إلى الخيال فيكتبوا عن عالم متخيل غالبا ما مس هذا العالم واقعهم كما لاحظنا ، وهو ما لاحظناه فيما كتبه كميل عن روايته الرابعة " وجع بلا قرار " .
ما سبق لا يعني أننا لا نعثر على استثناءات ، فباسم الخندقجي مثلا يلجأ إلى التاريخ ويكتب الرواية التاريخية كما في روايته " مسك الكفاية " . هنا يصبح الكاتب يؤلف روايات وتصبح رواياته خارجة من الكتب بعيدة عن الواقع المعيش ، وفيما أرى فإن هناك فرقا بين رواية تخرج من رحم الكتب وأخرى تخرج من واقع حياة عايشها الكاتب ولامس تفاصيلها . رواية شخوصها من ورق وثانية شخوصها من الحياة . رواية شخوصها يقرأ الكاتب عنها ورواية شخوصها يجلس الكاتب معها ويصغي إليها ويتتبع حركاتها وسكناتها ويرصد تطورها على أرض الواقع .
وتبقى ملاحظة أخيرة وهي تكرار الأفكار في روايات الأدباء السجناء .
أكثر كتابات الأدباء السجناء كتابات لا تخلو من أعمال روائية سابقة أعجبوا بها وتركت تأثيرا عليهم ، فحضرت في نصوصهم حضورا لافتا ، حتى ليلتبس الأمر عليك إن كنت قرأت ما تقرؤه في أعمالهم . إن كتابتهم غالبا ما تكون كتابة على الكتابة ، وهذا ينطبق أكثر على من كتب منهم غير رواية مبتعدا عن تجربته الشخصية ، وهنا أخص كميل أبو حنيش وباسم الخندقجي أكثر من غيرهما . إنك تقرأ في كثير مما كتبا كتابات كتاب آخرين قرأوها ولم يستطيعوا التخلص منها فورد ذكرها في أعمالهم أو وردت أفكارها فيها .
في ٧ أيار و ١١ حزيران ٢٠٢٤ كتب إلياس خوري في القدس العربي مقالين لافتين أولهما عنوانه " خندقجي والرواية الأسيرة " وافتتحه بكتابته " عندما بدأت بقراءة رواية باسم خندقجي " قناع بلون السماء " .... شعرت أنني أعيد قراءة رواية أعرفها . وعندما التقيت بنور ، بطل هذه الرواية ، تأكدت أن سبق لي وقرأته " ، وثانيهما عنوانه " مدينة تكرر نفسها " عن شاعر شعبي لبناني كتب قصيدة في ١٩٣٢ ، وأنهاه بكتابته " المشكلة أن الشاشة التي رسمها عمر الزعني تبقعت بالغباء والتكرار ، وكأن الأشياء تتكرر أو تكرر نفسها . لست أدري !" .
صحيح أن إلياس في مقاله الأول أراد التأكد من أنه قرأ رواية كان قرأها من قبل وفعل وتأكد ، وصحيح أنه أنهى مقاله الثاني بعبارة " لست أدري " ، ولكني أظن أنه يدري وأنه لم يقل الحقيقة كاملة ، فما كتبه باسم في " قناع بلون السماء " يعتمد على كتابات سابقة أورد ذكر قسم منها في روايته ولم يورد قسما آخر . وهو متأثر عموما بالياس خوري حتى لتشعر أنك تقرأ في روايته أفكار إلياس في بعض رواياته ، وهذا أيضا يمس روايات كميل أبو حنيش وقد أتيت على تأثره بكنفاني ويمكن الإفاضة في هذا .
مسودة قابلة لبعض التغيير
السبت والأحد والاثنين :
٧ و ٨ و ٩ / ٩ / ٢٠٢٤

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...