- لاشك أننا أمام مخلوقات قصصية من نوع فريد وعميق ومتجاوز فى (شفرة اختطاف بطوط) للكاتب عبدالعزيز دياب (1)،
- بعدما قدم (رسم الريح، وضرورة الساكسفون. وساعة حضور بورخيس) وكانت تلك الكتابات السابقة تفتح دروبا جديدة فى فن الكتابة القصصية، فنراها خارجة من عباءة الرموز الغامضة فى رسم الريح، بينما نراها فى (الساكسفون وبورخيس) قد نضت عن نفسها أسمال الغموض والرمزية التى تلبست كتابة البدايات عند معظم كتاب جيل التسعينات، ليستضئ بعد ذلك الطريق بأنواره الخلابة فى قصص الكاتب، فنطالع كتابة وصلت من الرقي إلى أعلى درجات المتعة الفنية، كتابة غنية بالدلالات ومتفاعلة مع الخيال القادر بدوره على استيعاب جموح الكاتب فى إبداع قصص خارج الصندوق.
- هذه المجموعة (فريدة) فى اشتغالها على الخيال الفني الذى ساهم فى تشييد آفاقا نصية أكثر رحابة، و(عميقة) فى خلق الدلالات التى تتعالق مع الواقع بطريقة حداثية للغاية، و(متجاوزة) لكونها تجترح فضاءات فنية تجمع بين التراث الشعبي، والوعي الشديد بآليات كتابة القصة.
- فى دمائها نشعر بروائح كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، وحكايات للأمير ليحيى الطاهر عبدالله، إنها كتابة لا تسعى فقط للتخييل، بقدر ما تخلق عبر فنيات هذا التخييل عوالم خاصة، يمرح فى جنباتها الكاتب بحصانه الجامح، طالمعا من خيالات وعيه الطفولي كي يحلق بعيدا عن الواقع راسما لوحاته، وحكاياته، تاركا لقصصه تحقيق أوهامه، وأحلامه المستحيلة.
- وحسب تعبير “تودوروف” أنه يوجد نوع من الخطاب يسمى خطابا تخييليا، حيث تطرح قضية الاحالة بطريقة مختلفة جذريا، فهى تعنى بوضوح أن الجمل المنطوقة تصف تخييلا، وليس مرجعا حقيقيا، فالأدب هو الجزء الذى يدرس جيدا من قبل هذا النوع من الخطاب (علما بأن كل الآداب ليست تخييلية) (2)
- هذا الخطاب التخييلي ينبني على آلية نصية يمكن أن نسميها مجازا (بنية التحول)
- حيث يتحول الراوي باستمرار فى معظم قصصه إلى مخلوقات أو كائنات أو أشياء أخرى تستمد وجودها المتخيل من قرار وعي وثقافة (الراوي) و أحيانا المؤلف الضمني.
- ولنتابع ذلك فى أول قصة فى المجموعة بعنوان ( القصة التى تحولت إلى ضفدع) وفيها تنهض بنية التحول وتتشظى فنرى أنه ينفي عن قصته غرابة تحولها إلى ضفدع، ليتسنى لنا مع متابعة الفقرات أن قصته تحولت فى البداية إلى (بقرة) ، ثم تحول سارد القصة إلى (عميل مزدوج) ، ثم إلى (شبيح) ، ثم أنه لما تنازل عن أفكاره الشريرة تحولت قصته إلى (خازنة) ومع النهاية تحولت إلى ضفدع ، ليفيق ذات صباح وقد قام (أخاه) الباحث فى علم التشريح على مشهد الضفدع المسلوخ المثبت بدبابيس فى سطح الطاولة ، فما علاقة هذه التحولات السريعة للقصة التى يرويها ذلك الراوي، ولماذا هو الآخر كشخصية،أو (كعنصر ضمن عناصر السرد) يتحول تارة إلى عميل مزدوج، وأخرى إلى شبيخ بيده السنجة، وما هو البعد الدلالي فى هذه التحولات السريعة فى القصة التى يفتتح بها عالم مجموعته القصصية ؟!!،
- أولا : ليمنح القارئ مساحة واسعة من الخيال، ولبناء النص وإعادة تركيبه مرة أخرى حسب تلك التحولات .
- ثانيا: كى يجعل القارئ عنصرا مشاركا وفاعلا فى انتاج النص.
- ثالثا : ليشكل فى مخيلة القارئ خارطة جديدة لعالم سردي مغاير للمطروح (الواقعي) ، عالما تخييلا شبه مكتمل، يتجادل مع الواقع بآليات رمزية غير مباشرة.
- ولأن قراءة القصة حسب رؤية (خيري دومة) تشبه مشاهدة لوحة إنطباعية، لأنها تتركنا مع شئ مكتمل لم ينته، إحساس يتردد فى عقل القارئ أو المشاهد ويدعوه إلى أن يسهم فى التبادل الجمالي ، بين الفنان وموضوعه (3) ، فإن القارئ يصبح صاحب دور فاعل وحيوي، فى قصص (شفرة إختطاف بطوط)، وبدونه لن تتولد الدلالة وتكتمل الدائرة.
- ثمة مقطع فى هذه القصة يمثل مفتاحا لجميع القصص، يقول فيه المؤلف الضمني (المعني بهذه المجموعة بعينها) .. “بعد ذلك إعتدت الأمر، عرفت أن قصصي أحيانا تتحول لتحقق أحلامي وأمنياتي، كان ذلك شيئا مرعبا بالنسبة لي، لأن أفكاري الشريرة قد تغلب بعض الشئ على أفكاري الطيبة” ص7
- من خلال هذا الايضاح، والذى فيه يوحي لنا الكاتب بأنه داخل على تجارب سوف يترك فيها لأمنياته، ولأحلامه، وربما أحيانا لرغباته الشريرة فرصة فى إنشاء وتلبية إحتياجته الذاتية، ومن ثم فإننا أمام قصص تشتعل متوحدة بخيالاتها، وأمنياتها وشطحات كاتبها، وجنونه غالبا، وذلك بطرح مساحات شاسعة (فراغات) أمام القارئ عليه أن يعمل جاهدا ليقرأ ويستمتع، ثم يعيد إنتاج الأبعاد الدلالية، (ليسدد تلك الفراغات) من خلال التنقيب المتأني فى المقاطع التى يستشعر فيها بإكتناز السرد، (من زاوية ثانية يبدو مفهوم السرد المكتنز فاتحا ـ فى بعض تشكلاته على الأقل ـ إمكانية أن يتحرك التحليل السردي من النص إلى الواقع الثقافي / الحضاري الذى أنتجه) (4).
- مثلا أمام المقطع الأخير فى قصته التى تحولت إلى ضفدع، نتلمس مع المقطع الأخير وما قام به الباحث من عملية تشريح للضفدع ، وكأن لحظة إنكشاف الخيال الامح على الواقع وإفتضاحه والامساك به يتم تشريحه وتمزيقه، مما يولد لدى الكاتب فى جملته الأخيرة خشيته من فقدان قصصه كما إفتقد ضفدعه، “عرفت لحظتها أننى إفتقدت قصتي، وكل ما أخشاه أن تتحول كل قصصي إلى ضفادع تقع فريسة لأخي: (ص8).
- وإذا كان الأخ هنا هو المعادل لضغوط الواقع وجهامته فإن مدير المدرسة والمشرفين والأمن والشرطة المدرسية فى قصة (ملك يجول فى قصة) هو التجسيد الموازي للواقع، أمام خيال الراوي الذى تحول إلى ملك من ملوك ألف ليلة وليلة، يرافقه الخدم والحشم والحاشية والجواري، وما بين العالم المتخيل الذى يحياه الراوي بخياله يصطدم بالواقع مع مدير مدرسته/ الجانب الشرير، بواقعيته الفجة، وما يجسده من صلابة وصرامة تقف حائلا أمام البطل السارد الرومانتيكي شبه المنعزل عن واقعه بمحض إرادته بحيث نشعر أن إصراره على معانقة عالمه المتخيل، والاعتماد عليه كبديل لجهامة واقعه؛ هو نوع من الاحتماء ورغبة فى تجاوز كل المعوقات التى يمكن إيجازها فى (فقدان القدرة على معايشة واقع يعمل على تهميشه وتقزيم أحلامه)
- ولعل الرغبة فى تجاوز الواقع والخروج من كتاب الحكايات للتفاعل مع معطيات لا مفر من مواجتها فقد تحقق فى قصة (شفرة إختطاف بطوط) التى تحمل المجموعة عنوانها، وهذا مناسب للغاية، فثمة مزاوجة طريفة وممتعة بين الواقعي فى حركته وديناميته، وبين متعة التخييل فى النص، تجعل منه بؤرة مكتنزة بالدلالات ، تسمح للقارئ بالمشاركة فى إستكمال البناء وإستخراج الدلالة الكلية لنص تخييلي مقنَّع؛ حيث نتابع الراوي الذى تلبس قناع (الكاتب)، يلبي رغبة (بطوطة) بابتكار شفرة تمكنهما من إختطاف بطوط ـ لاحظ عزيزي القارئ ـ أن هذه الشفرة تعمل كمفتاح فى بناء النص والوصول من خلالها إلى ذروة الحبكة فى القصة، فعلى المستوى الواقعى بطوط واقع فى حب راقصة، وحبيبته بطوطة تخشى عليه وتطالب الكاتب أن يستثمر حبيبها ـ بعد إختطافه ـ فى ضمه إلى كتاب الحكايات.. فالقصة بأكملها مترابطة كشبكة عنكبوتية من الأحداث الكرتونية التى تغازل الواقع على المستوى الرمزى.
- فماذا يجني القارئ من هذا النص؟
- أولا : متعة التخييل ؛ ثانيا : إكتشاف أنه لا فرق بين ما هو واقعي وما هو متخيل، بعد إزالة حائط الوهم بين كليهما، لينتصر النص السردي فى مغازلة فيلم (عائلة زيزي)، وتشابك أحداثه مع أحداث القصة فى مستوياتها العميقة، ولذلك فلا مانع لدى الراوى من منح بطوطة علبة (كانز) على سبيل الرشوة، بيد أنها تتمادى وتطلب “ ساندوتش عسل بالقشدة، وكيس شيبسي، وبسكوتة آيس كريم، ماذا أفعل وهى التى ستمكنني من بطوط إلى أن تفرج الساحرة عن الضفدع ضادو ويلتقي بطوط بالعم (سلام) الحكيم الذى يقنعه بعدم الهروب والبحث عن حلول لمشاكله بدل العيش فى كتاب الحكايات” (ص30)
- فقط يخدش الكاتب جدار الواقع فى جملته (يقنعه بعدم الهروب) ، ليست متعة الخيال، والعيش فى ظل كتاب الحكايات، هما الحل المثالي بل نراه أيضا يتحول إلى (كتاب) فى قصة (طوى الصفحة وركب على ظهر فيل) فالراوي / البطل المولع بالتقمص يتحول إلى سمكة، فلا تعجبه، يتحول إلى طبيب، وأخيرا إلى (كتاب) لكنه فى عز الأحداث المستوحاة من ألف ليلة وليلة والصراع الدموي فى الغابة بين المعلم (بختك) وهو “حداد، وفارس، وعالم باحث فى الفلك، والبصريات، والدورة الدموية” (ص15) وبين الغولة أم عين حمرا والتى يقف فى مواجهتها بعدما اختطفتْ حبيبته (شاهندة) لتقدمها هدية (للغول) .. ثمة عالم كرتوني ينشئه عبدالعزيز دياب من عميق ثقافته بالتراث ، ليغازل الواقع من بعيد لبعيد. “ لما رفعت وجهي بعيدا عن كفي رأيتني فى حديقة الحيوان، وكان مازن يركب على ظهر فيل، لحظتها أدركت أن مازن بلل سبابته، وطوى صفحة الغولة أم عين حمرا، ونحن الآن فى صفحة بعنوان: حديقة الحيوان” ص15
- نلاحظ أن فعل الانتقال وتقليب الصفحات جاء قسرا عن طريق شقيق الراوي الذى تدخل وقضى على رغبة أخيه أن يكون كتابا، كما تدخل شقيقه عالم التشريح، وقام بتشريح الضفدع فى القصة الأولى، فالآخر قد يكون الساحرة، أو الغولة، أو الشقيق مازن، أو عالم التشريح، قد يكون مدير المدرسة وزبانيته، كل صور وتبديات الواقع بسطوته، فى فضاءات القصص، بغية إختراق فضاء الكاتب، عالمه السحري المتخيل.
- * يوزع عبدالعزيز دياب مجموعته على ثلاثة أقسام، الأول منها بعنوان (محتويات حقيبة من جلد الماعز) التى تناولنا البعض من قصصها هنا؛ والثاني: تعاويذ قصصية، والثالث وحوش من ورق).
ندوب عميقة تترسخ فى تعاويذ قصصية، تفرش مساحات أخرى محتشدة بالجروح العميقة، مر عليها الزمن ولم يمنحها من وقته ما يكفي لاكتشافها لكن عين الكاتب الخبير، تستطيع أن تجد عصا المايسترو فى حجرة الخزبن، وعبر ذكريات تاريخ تلك العصا يكتشف القارئ كيف كانت العصا تنتظم حركة الكائنات ، وتؤلف بين المتناقضات، لتشكل حالة من الهارموني الموسيفي المفتقد الآن فى هذا العالم.
فى قصة (أوسكار) يلعب الكاتب على تغييب الحقيقة ليطفو على سطح الأحداث جهل الآخرين بالحقيقة، وكان مصدره لافتة بسيطة علقها أحد هواة السينما الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بمعهد السينما أو إنجاز أي شئ فى المجال، الكاتب هنا يهتك أستار الزيف الذى غلف الواقع وقبض عليه، فصرنا نصدق الأكاذيب، ومن ثم حتما سيضيع الموهوبون الحقيقيون فى خضم حالة التخبط والجهل السابقة.
قصة (الفزاعة التاسعة) .. من الضروى أن تعيش كل فزاعة عشقها الخاص، كي تتمكن من أن شكل وقناع وملامح عشيفها، وتتوحد معه، يكون لها حكايتها الخاصة، وما كان عم مسعود يعطي الفزاعة التاسعة وجه (عبده داغر) عازف الكمان الشهير الا أنها أعلنت وبثت ألحان محبوبها للنباتات الأخرى. تلك القصة عميقة فى بعدها الدلالي تقدم معزوفة متناغمة بين الكائنات تماما مثل عصا المايسترو.
من الواضح أن وحدة الكائنات والكون معا، هى وحدها التى يمكنها أن تعالج الندوب والجراح فى أعماق الفزاعات، وغيرها من المخلوقات القصصية التى أبدعها الكاتب.
كما بالضبط ينفلت التى شيرت الزيتونى من الشرفة “بعد أن رأيته ذات مساء فى غبشة حجرتى ، يرتديه شخص أسمر نخيل يشبهني ، يرف فى فضائها ككائن مسطح وينفلت من الشرفة إلى الفضاء الوسيع” (ص٦٢)
فى قصة تي شيرت للرجل المانيكان تتبدل الدائرة ويتحول الراوي من سرد الرواية من وجهة نظر الفزاعات فى حقول البسلة إلى صوت الراوي السارد الذى يتابع كيف تصيب الولد إغفماءة بعدما لاحظ حركة المانيكان ، أو الرجل/ المانيكان (عامل المحل الذى ألبسه البروفسيور صاحب المحل ملابسه ليقوم بدوره حتى يتم إرسال المانيكان الذى سيعرض عليه التى شيرت الذهبي)
إنعكاس الأمور هنا لا يتقبلها البشر، ولا يستطيعون الفكاك من قبضة الواقع عليهم، بينما الفزاعات يعلمن وجودهن الرمزي ، ويحاولن الاستماع لنصيخة الراوي حتى يعلن عشقهن ويستكمل عم مسعود الفنان رسم أقنعة أحبائهن على ملامحهن كفزاعات معلقات فى الحقول؛ .. تلك كتابة تكسر الحائط الوهمي بين التخييلي والفنتازي وبين الواقعي برمزيته الشفافة.
* فى القسم الثالث يكسر الكاتب حاجز الوهم بين المتخيل والواقعي أيضا.
نتوقف أمام الموت وما ينبع من تأثيراته، وما يخلقه من أوهام فى المخيلات الجمعية، وكأن تلك القصة البديعة تؤكد ذلك الصراع الأبدي بين الموت والحياة، بين الحضور والغياب، فالطلقة/ الرصاصة التى أسقطت الجثة حقيقة، حولها الكاتب الى أكذوبة، لأنه باختفاء الجثة، نسقط بين خيارين الأول أن فعل القتل يمكن ألا يكون قد وقع، ولم تسقط جثة، لأنه إذا خرجت الرصاصة القاتلة لابد من سقوط جثة فى المقابل، هذا هو المنطق ، ولكن الكتابة بفعلها السحري وبجموح خيال الكاتب، تعمل على أن تختل تلك المعادلة، فالكتابة هنا تفجر الاندهاش فى وعي القارئ، وتفسح أمام مخيلته مساحات شاسعات من التصورات الجديدة، منها ما ذكره على لسان شيخ المسجد والمدرس والممرضة، برؤيتهم لصاحب الجثة رؤية شبه برقية فى شبه العتمة، هنا تتولد الأسطورة التى تفسر سر حضور ظلال القتلى، كأنهم ينتقمون بحضورهم هذا ممن قاموا بتغييبهم قسرا عن الحياة.
فكرة الانزواء أو القتل الذى يؤدي إلى الاختفاء تستمر فى قصة (كلب الراقص) الموزعة على ثلاث حكايات قصيرة متتابعة تحت عناوين. (المهنة، كلب الراقص، عشق الكلاب ) فى المهنة يتحول حمال الميناء المرمطون، ابن الشوارع المسكين إلى راقص، حيث يتلوى جسده رغبة فى الخلاص من متاعبه، ثم يقدم الكاتب فى الحكاية الثانية الكلب الذى اتبع الراقص فصار راقصا هو الآخر، ويحل محله بعد إختفائه، لنفاحئ فى الحكاية الثالثة سر إختفاء الراقص، ومقتل الكلب الراقص، ثمة يد غادرة تطلق أيضا رصاصة غادرة، لتنهي حياة الكلب الراقص، وليتأكد للقارئ هوان وضعف المخلوقات البسيطة التى نبتت من الشقاء وسط شوارع لا قانون يسيطر عليها سوى ال صاصات الغادرة.، يشتمل ذلك القسم على قصص تحتوي على الوحشية وغربة الانسان عن الآخرين، وتجسد حجم القبح والقسوة من الآخرين تجاه الطيبين، فى قصص (حدث/سيحدث هذا اليوم/ الغد ، محاولة إتزان، أنا شبيح المرايا، ربع دستة أشرار) ، ولأنه من الصعوبة التوقف أمام النصوص جميعها، وذلك حتى تتماسك الورقة النقدية وتكون دالة؛ فضلا عما يسببه الاسهاب فى التحليل الذى لا يضيف إلى البعد الدلالي النقدي غير الاطالة والدوران حول نفس الاحالات.
- * من أهم التقنيات البنائية فى القصص.
التحول بالمعنى الفيزيقي هو انتقال المادة من حالة إلى أخرى، ولكنه يختلف عن ذلك فى الفنون والآداب، فعندما يلبس بطل القصة أقنعة وخيالات طفولته، يتحول على مستوى الوعي الثقافي والرؤيوى إلى حالة أخرى يرى العالم بوجهة نظر أخرى، وينتقل النص المسرود من بؤرة إلى بؤرة أخرى، وتتساوى فى ذلك كل مكونات النص القصصي من شخصيات وفضاءات وبشر وحيوانات وجمادات، بل كل مدخلات النص تساهم فى عمليات التحول ، كأن تتحول قصصه إلى ضفادع أو يتحول البطل / الراوي إلى شبيح لينتقم من الأشرار، أو إلى طبيب يعالج الفقراء المحتاجين، أو يتحول إلى (جسر) تمر عليه الناس بأحذيتها، فيؤلمه ظهره من مرور حذاء به بعض المسامير ، إنها الكتابة التى يتوهج فيها الخيال الفني ويجعل من النص لعبته المسلية،
ـ الانتفالات المشهدية السريعة
مؤكد أن تلك التحولات السريقعة داخل النص تحتاج إلى تقنية مناسبة للقبض على تفاصيل دقيقة، والعبور منها لمشاهد أخرى وعبر تعددية المشاهد تتولد الرؤى المتنوعة والمتخيلة التى تجذب القارئ وتحدث فى نفسه المتعة، وفى نفس الوقت تنشئ عبر ذلك العالم المسرود، ومن خلال تحول مكونات القصة حسب رغبات كاتب يمتلك خيالا جموحا مثل عبدالعزيز دياب عالما حافلا بالمشاهد التى تستمد وجودها من ثقافة ووعى الكاتب ، فيمتزج التراث السردي، بالأسطورة بالخيال الشعبي، بهواجس الطفولة، ويتشكل أبطال القصص الورقية، (وأعني بالورقية هنا تحديدا ، ابتعادها عن الواقعي وتوحدها بالعوالم المتخيلة النابعة من أهواء الراوي / البطل ) حسب التحولات السريعة والمشاهد المتلاحقة فينهض النص متخما بالكثير من التفاصيل التى إذا أمعن القارئ فيها فحتما سوف يتوصل للشفرة التى يبثها الكاتب كمفاتيح تساعد القارئ على التعامل مع القصص، والاستماع بها على مستوى البناء والأداء السردي، ومن ثم تحليل الشفرة التى تربط النصوص بالعالم الخارجي.
هامش
- 1 ـ عبالعزيز دياب ـ قصص شفرة اختطاف بطوط ـ منشورات مسابقة محمد عبدالمنعم زهران فى القصة القصيرة 2023 ـ.
- 2 ـ تزيفان تودوروف ـ مفاهيم سردية ـ ترجمة عبدالرحمن مزيان ـ منشورات الاختلاف
- 3 ـ د. خيري دومة ـ تداخل الأنواع الأدبية فى القصة المصرية القصيرة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ 1998
- 4 ـ د. أيمن بكر ـ السرد المكتنز ـ سلسلة كتابات نقدية ـ عدد 128 ـ هيئقة قصور الثقافة 2002