العربي عبدالوهاب ـ بين التجريب والكتابة النمطية فى قصص "فرط العتمة" للكاتب مبروك أبوالعلا


لأن القصة القصيرة لغة الكثافة ، ولأنها تمثل المجموعة الأولى للكاتب ـ فهو روائى فى المرتبة الأولى ـ تظل الكتابة الأولى لديه حافلة بأنماط متنوعة من ألوان التجريب ، والاختيار الصعب الذى واجه مبروك أبو العلا هو كونه آثر أن يخلص لعالمه وذاته ولم يرتض بكافة الأنماط الأدبية الراسخة ليستنسخ قصصه على ذات الشاكلة ولو فعل لأصبح كاتبا عاديا ؛ ولصارت نصوصه مجرد مسخ لتجارب عظمية تخص غيره بالطبع . وبالتالى لن يضيف لفن عبقري ومراوغ كالقصة القصيرة .

تنوعت قصص مبروك أبو العلا واكتظت بألوان التجريب المختلفة حتى صارت فى بعض القصص كـ ( حروف القصيدة ، وقع الخطى الخبيئة ، والأقاصيص القصيرة جدا فى نهاية المجموعة ) لكثرتها وتشابكها حملا ثقيلا عليها فاتسمت بالغموض والضبابية .

كما تنوعت مستويات السرد فتزاوجت الصورة الشعرية مع البنية السردية على مستوى الجملة فنراه يقول :" أمسك بزناد بطنى المرهقة " صـ 36

أو " أزاحه بعصاه فى شارع ضيق متعرج فى متونه أشجار حانية فتنتها البرد والريح العقيم " صـ 16

والقصة القصية قادرة على الإفادة من جميع الفنون الأخرى ـ ليست الأدبية فحسب ـ بل من الموسيقى والتصوير والهندسة .... الخ ؛ شريطة أن تنسجم جميعها ، وتلتحم بالجسد المركزى / فن القصة القصيرة . والكاتب تمكن بتميز واضح من المزج بين اللغة الشعرية ولغة القصة ، فقام بتوظيف الصورة الشعرية فى كثير من نصوص المجموعة ومرجعية ذلك هوالتمكن من تصوير ما رمزى وتخييلى ؛ ولتتشكل رؤيته للواقع الفنى داخل حيز النص الذى تتجلى فيه ضعف شخوص القصص ؛ فهم مطاردون دوما ، خائفون يتلصصون النظر على مفرادات واقعهم فى عجالة وسرعان ما يغوصون فى ذواتهم . شخوص ورقية هشة بسبب تهميش الواقع لهم ؛ لذلك فهم مجانين ، خارجين عن إطار المألوف .. نرى فى قصة شظايا شخصا مبعثرا بين سعيه المتعجل ـ الرمزى طبعا ـ لإعداد ( مشرط ، قطن ، لاصق جروح ، رباط ) كى يتخلص من " دمل " كبير ألم ببطنه وبين هوس وجفاف العالم من حوله وتبعثره بسبب الألم يتكثف الحوار ويعكس برودة العلاقات ، وسرعة أيضا فى إيقاع الحياة من حوله : ليس هناك ما يدعو الى الصبر !! أرجوك :مشرط .. قطن .. لاصق

ـ ادفع فى الخزينة .

ـ حاضر عليك اللعنة

ـ ... .... ....

ـ تفضلى

ـ خذ

ـ ... .. .. هات !! " ق شظايا

ويقيم الكاتب فى النهاية بتجسيد الجرح وعبر انفتاح الدال واتساع يستحيل إلى جرح رمزى دال على جرح عام تخرج " أم القيح " فى هيئة ممثلة مخادعة " لا بأس أنت فنانة عظيمة ، تستطيعين أن تفقسى قوارض حتى لو جاءك النفاس !! لا تخافى .. أدعوك للعبة جميلة .. أقذفك فى هذا الإناء ..تختلطين مع هذه المخلوقات اللزجة لا تبتردى ، أغلق عليك الإناء جيدا ، تتعفنى فى هدوء .. والآن : أفك أعضاء جسدى ، أغازل أسوار النوم ، أداعبه ، وأدنو ؛

وإذا كان الجرح هو المحرك فى شظايا ؛ فالخوف هو العامل المركزى فى دفع الأحداث فى كل قصص فرط العتمة ؛ لأن الآخر يتربص دوما بالذات ـ حسب المفهوم الشعرى ـ ويقهرها ، فنرى الريح والغل الصدئ هم قتلة الشيخ على فى قصة ( الموت / الميلاد ) كما نراه فى هيئة المسيخ الدجال يمنع الولد عن اللعب فتنهار الأم والذعر لا يتخلى عن الأسرة إلا عندما يعودون الى القرية وصورة الجد ، فى قصة " المسودة قبل الأخيرة "

ذلك الآخر موجود بشدة وفاعل بجبروته وترسخه فى ثنايا الواقع الموضوعى خارج النص ومن ثم فتجلياته البشعة فى كل القصص هى مبررة تماما

إذن يمكن القول بأن مجموعة فرط العتمة بتجاور نصوصها التى تحمل هما واحدا ، تتقنع بأقنعة عدة جاءت الشخوص فى القصص لمجابهته تارة بالجنون ـ الرمزى الدال ـ بمعنى عدم الاستكانة للمواضعات القاهرة خارج النص وداخله .

فى قصة [غليان ] نرى بطل القصة وقد استحال إلى دال أعم أشمل عن الشخوص الموسومة بالجنون / كانعكاس للواقع المجنون باشكالياته وجبروته الخانق التى تسعى إلى تهميش هؤلاء الشخوص ووسمهم بميسم الجنون / العادل تماما لصفة الخروج عن النسق او النمط المعاش

نراه يفتتح النص ب :

شهق وزفر 00 00 00 ؛

فك خرقة قديمة من قماش سميك ـ كانت مربوطة حول رقبته ـ وفى تطلع وخوف 00 ؛

الجنون هو ما دفع الرجل فى القصة لصعود القطار ومن ثم سقوطه المدوى ، وقد تبعثر مع الريح الهادر ؛ أم البحث عن الجمال كما جاء فى النص " اقترب من السطح ولم تخنه بصيرته ، فقال :

وكان بهى السمت .

ـ " ماذا يبغضهم فى الجمال " صــ48

ما بين الشهيق والزفير فى المفتتح ، تجدث أشياء كثيرة أوجزها الكاتب عندما عطف الفعل الماضى زفر على شهق .

الخوف إذن هو الفاعل والمسئول عن موت ذلك الكائن الضعيف " اهتز الرجل على المربع قبل الأخير إثر سماعه صوت خشن !! .. انشرخ عصبه لمجرد أن رأى الشرطى من تحت يزعق " صار الخوف مبررا والرمز واضحا بيد ان القصة تسعى بلغة مكتنزة لطرح عدة رؤى متاخمة لفعل السوط الحادث فى النهاية منها لماذا سلك الرجل فعل الصعود ذاته هل بحثا عن الجمال كما يقرر النص أم رغبة فى الخلاص من خوفه المرضى الذى أسس له الكاتب منذ البداية " وفى تطلع وخوف ... ؛ ألقى نظراته الدائرية على واجهة المحطة " ق غليان

تك الشخصية المركبة والموحية إلى حد بعيد تحمل جينات الخوف والقلق من العالم والتوق إلى الخلاص بالارتقاء إلى حياة أكثر جمالا ، وأمنا .

ويتم ذلك أيضا برأب الشروخ فى الحوائط التى يسعى لها الشيخ على فى قصة [ الموت / الميلاد ] ثمة أمل مرهون بما يفعله الشيخ ويستكمله الأولاد هو سد الثقوب / الشروخ فى الحوائط

أية ثقوب تلك التى ذهب ضحيتها الشيخ ؟؟!!!

إن النص يحمل فى متنه السردى إيحاءاته ورموزه التى بدورها تعمل على إنتاج معنين . أم دالتين ؛ طالما نهضت القصص على الإفادة من الموروث الشعرى فى تفعيل الرموز ورؤية العالم عبر بوابة الرؤى الرمزية للعالم ؛ إنها شروخ ألمت بالواقع الموضوعى خارج النصوص والشخوص يسعون جادين لفك مغاليق دواله ؛ يقول الكاتب :

" شاب اشتعل الرأس منه شيبا " يجوب الشوارع ، الحوارى فى صلابة فنان " ويقول : " يتسابقون معه فى التكوير ، سد منافذ الثقوب / الشروخ فى الحائط المنخوب "

ويقول فى المقطع ( د ) " ولما غضبت الريح شالت عوده اليابس ، كانت صرخته تتردد فى الأفاق رغبة منها فى انفكاك الجسد من الغل الصدئ " صــ11 وأخيرا تتوجه سهام الإدانة لتقاعس الشرطى عن حماية ذلك الكائن الضعيف " الشيخ على" يقول : " ولما أتى الليل كان ظل الشيخ مائلا تحت عينى الشرطى "

هذه الجمل المنتقاة تطرح بعدا يشى بالتواطئ ، ويعمل على شد عروق الدلالة والنص إلى آفاق الفعل القصصى هذا الخطاب يقف مقابل خطاب آخر هو ظنون الناس ـ حسب وعيهم الشعبى ـ فى بركة الشيخ وصراعهم من أجل نيل شرف ضم جثمانه فى مقابرهم وعند اكتشافهم لاختفاء الجثمان يترسخ بقلوبهم اليقين فى بركة الشيخ وطيرانه .

ونلاحظ أيضا بأن الأولاد كانوا يعودون من عند الشيخ قبل " كبسة الليل" ـ حسب تعبير القصة ـ إلى أمهاتهم . وتكرار التلميح بالأمهات أكثر من مرة فى القصة بما يوحى بالمجتمع الأمومى ، كما يوحى باستمرار الحكاية وتناقلها ويدل على الأمل المتمثل فى فعل المقاومة ولو بالرفض والجنون لدى الأشخاص وأخيرا بالملاذ والدفء المنتظرين ليقفا فى مواجهة البرودة والغل فى القصة ؛ فرحيل الشيخ على هذا الشكل الفنى المحبوك ينعش الذاكرة الجمعية التى تعمل على توليد واستمرار البعد الشعبى فى النص بخرافاته واستكانته وطموحه فى الفعل متمثلا فى الأولاد واستكمالهم ما بدأه الشيخ ؛ الذى منحه الكاتب سمات البطولة بـ " اشتعل الرأس منه شيبا " وبـ الفنان المولع بالجمال حين نراه يلم قشور الفاكهة ؛

و القصة يغلب عليها طابع الجملة السردية



وقد تنوعت أشكال التجريب فى قصص فرط العتمة مما أتاح للتجربة أن تنفتح أبعادها الدلالية على من التأويل متميزة وثرية ، يلعب التلميح الفنى غير المستغرق فى الغموض دورا كبيرا فى انتج الدلالة الكية للقصص ويتخفى الدال بين الطيات المتعددة لعباءة الرمز وعلى الرغم من أن الكتابة لدى مبروك خاصة فى تلك المجموعة تنهض على المعطى الشعرى فى بناء الجملة ودلالة المفردة والتكثيف اللغوى فانه قد تمكن من التمييز بين تداخل الأنواع فى القصية الحداثية وأن يوظف كل معظم المعطيات التجريبية التى اعتمد عليها فى تشكيل تجربته القصصية ، ليشكل نصا قصصيا فى المقام الأول له رائحة ومذاق متميزين . ولأن القصة فن الإيجاز والتلميح تمكنت نصوص فرط العتمة من احتواء العالم بكثافته وتحولاته دونما إخلال بتركيبيته وبالاتكاء على تقنيات تجريبية يمكن بلورتها فى :

* (............... ) وضع النقاط فى بداية القصة بما يوحى بأن النص ما هو إلا امتداد لمسيرة سابقة . أو استكمال لبناء متداع .

* التقطيع أو توزيع كثير من القصص على مقاطع

* التكثيف بتوظيف لغة الشــــعر فى إنتاج الدلالة الفنية للقصص .

* الصورة القصصية الحافلة بالمجاز ؛ وتتزواج كثيرا مع الصورة الشعرية .

* الصورة القصصية المستوحاة من اللاوعى . لكى تعكس كابوسية الواقع خارج حدودها واحتمالاتها وتنساب تلك الصور معبرة عن الوعى المتمزق للشخوص الورقية أو الأدوات الدلالية لتعكس رؤى الكاتب فى وتجمل مستويات الوعى إلى آفاق أرحب من التجارب فى سرد متقطع لاهث يتجمع فى المخيلة ويتهيأ من ثم العالم الفنى وتكتمل الدوائر المبعثرة ؛ عبر تضاعيف السرد المتراوح بين القصصى والشعرى فى نسيج ملتحم ومتناغم ودال . يقول : " ارتفع الصراخ .. ارتجت الغرفة .. تمايلت على نوبات زلزال كاسح .. سقطت كل الصور .. تكسرت الموائد .. الكراسى ثارت الرمال والأتربة .. سحبت لسانها من حلقه ، انسلت تقول :

ـ " لا مفر من الهروب من تحت هذا السقف !! " هرولت هرول .. لم يجدا الباب . " صـــــ22 ق الدم والبطين

* الرموز الموزعة بحرفية بين ثنايا السرد .

* اللغة كتراكيب ( أحيانا يكون بها زوائد تَََضعف الدلالة لأن البناء السردى فى قصص مبروك قائم على امتصاص رحيق الجملة واستنباط الشاعرى منها وفتح الدال كى يحتوى العديد من المدلولات وتلك خاصية مستوحاة من الشعر وتم توظيفا بشكل جيد

* عناوين القصص .. جاءت معرفة بالـ .. فى عشرة قصص لتقديم إشارتين هامتين . أولا : لتوكيد المعنى الاحتمالى ، داخل المتن السردى .. ثانيا : لتصنع مفارقة دالة مع العناوين الأخرى ، غير المعرفة فتتأرجح الرؤى بين البوح والتمنع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • هامش
فرط العتمة ـ قصص ـ مبروك أبو العلا ـ مطبوعات ثقافة الشرقية 2000 م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...