بعد رحلة طويلة مع الشعر بشقيه (الفصيح والعامى)، للدكتور محمود عبدالحفيظ، هاه يطالعنا فى ديوانه الجديد بتجربة حداثية فريدة ؛ يقدم الشاعر فى ديوانه الخامس بالعامية المصرية ، ديوان (شبابيك) (1)؛ بطرح تجربة تتقاطع وتشتبك مع صور وملامح الحياة اليومية، يستقرأ خلالها العالم بتفاصيله، وبعض أحداثه، من خلال إشتباك الذات مع العالم، فالشاعر ـ خلال قصائد هذا الديوان ـ يرسخ لتجربته بشاعرية مرهفة الحس، ويحلق على إرتفاع منخفض جدا، يكاد ملامسة، ومناوشة، تفاصيل اليومى والمعاش، مقتنصا من تفاصيله الدالة، تجربة متخمة بالحراك الدرامى والسردى، كاشفا بذلك عن شاعرية حداثية، ووعى جديد بماهية القصيدة، وتوجهاتها.
هو الشاعر المثقف المترع بالمثالية، والانسانية، القادم من أيام الخطاب القومى، يشتبك الآن مع واقعه ؛ فى المستشفى، والشارع، والمقهى، و لا ينحسرعالمه فى خلق المفارقات التى تحمل قدرا عميقا من الحزن، والرفض، والسخرية، بل يقدم قصيدة ذات روح وثابة، قادرة على إجتراح آفاق جمالية مبهجة.
نراه فى قصيدة (شبابيك) التى يحمل الديوان عنوانها: " كنت بتسمع بس / إجمالا أو تفاصيل / عيادات وأسامى دكاترة وأجزخانات / وأشعة وتحاليل / و"شبين" و"الدلتا" و"الحرمين" / و"عبور" و"مبرة" و"صيدناوى".
من شباك الباص البالكونة عليها اليافطة
جات لك على سهوة
مصر اللى انت عارفها مصر (وديع الصافى) "
السطر الشعرى الأخير يستدعى فيه الشاعر مصر، مع صوت المطرب "وديع الصافى" .. ويحيلنا إلى أغنيته الشهيرة (عظيمة يا مصر) بتاريخيتها، وخطابها الحضارى وروحها النهضوية؛ يقدم الشاعر مفارقة موجعة عبر هذا المقطع المسرود الذى يعبر فيه عن إنتشار المستشفيات الخاصة وإبتلاعها للعامة .. يذكر أسماء أربع مستشفيات (خاصة) مقابل ذكره لاثنين ـ فقط ـ من المستشفيات العامة.. بالاضافة للسطر الشعرى ( مصر اللى إنت عارفها .. مصر "وديع الصافى").. يدل أيضا حالة على تغييب مسبق عن تلك التطورات فى الواقع، خالقا حالة من الصدام، حال إحتياجه للعلاج، نراه يفتح عينيه على مشهد، فيه تتابع لعرض اللافتات أثناء تنقله من خلال شباك الباص.. وتذكره لـ (مصر) مرتين فى هذا السطر، يعكس دلالة سيميولوجية تؤكد شعوره بالفقد.. ومن ثم يتولد عنده حزن عميق، نعايشه، عبر تجليات قصائد الديوان.
ـ ادخل يمين يا حاج.
هتلاقى ناس كتيرة
ربنا الشافى
هنا يتولى الراوى فى القصيدة الحديثة، دوره ليكون فى حضوره بديلا عن حضور الشاعر الذى يتخفى وراء راوٍ يسرد بشاعرية وعبر جمل قصيرة مكثفة، أحداثا، ومشاهد إنسانية، بتراكمها، وتفاعلها مع الواقع الخارجى، تتولد من ثم الرؤية المركزية للنص.
نراه فى عمر رجل حاج .. (ادخل يمين يا حاج) والاجابة رغم إقتصادها، وبساطتها؛ تفتح أبواب المستشفى، كما تنفتح أبواب القصيدة على مصراعيها، فماذا يرى، أو نرى .. (ناس كتيرة / مرضى) ترافقها دعوة المسئول بالشفاء له وللمرضى.
المقطع التالى لافتتاحية الحاج بالسؤال عن شباك تذاكر الباطنة .. يبدأ بجملة (كنت بتسمع بس) وذكرنا آنفا أنها تؤكد حالة الغيبوبة التى كان الشاعر واقعا فيها دون أن يشعر، طالما كان ناعما بالصحة والعافية.
ثم تطالعنا فى المقطع الثالث جملة (تدخل من باب المستشفى تقابلك وش) الافاقة على وجوه وتجليات جديدة فى (الدنيا).
وفى الحركة الرابعة ، أو المقطع الرابع .. تتسع دائرة المشهد، بخروجه من باب المستشفى، حيث يشاهد (تطالع بره دقيقة مش عارف طالع ليه / بتلاقى مظاهرة وعربية شرطة ومطافى) مشهد يشير لمرحلة تاريخية من حياة الشعب الثائر، حيث تحضر فى المشهد (عربية شرطة، ومطافى)
فى عالم المستشفى الداخلى نرى أخبار المرض والموت .. وفى الخارج نتابع الغضب والسعى نحو التغيير، وبين مشهدى الداخل والخارج، تنهض المفارقة الفنية التى تشعل القصيدة .. فلابد أن ينتبه ( ـ خد بالك من جيبك الحرامية كتير!)
على باب المستشفى ـ الخارج ـ توجد خناقة ، غضب، سباب، عدم تقدير للآخر.. وفى الداخل (زحمة ، وناس نايمة ، وليل)
بين مشهدى داخل المستشفى وخارجه؛ نتابع عالمين أو صورتين أو مشهدين من خلال المزج الذى قام به الشاعر بينهما تتولد القصيدة، ونستشعر المفارقة، والحزن، والأمل الضعيف، والمرض والموت.
ثمة حركة يمثلها (الباص) .. حركة سكون وإستسلام، يجسده المرض، ويبعث على القلق والخوف.
وفى قصيدة (لبن المعيز)، يقدم الشاعر رؤيته الفنية معتمداً على منجزه السابق فى مطبوعه الذى يحمل عنوان (المزلقان)(2) .. والذى صنفه بـ (حوارية شعرية) وفيه آثر الشاعر إستخدام [الحوار] كتيمة أساسية فى بناء الدراما المسرحية، وها هو فى قصيدة لبن المعيز، يعاود العزف على تيمة أخرى ، بالاضافة للحوار، وهى (القناع) .
كى يمنح قصيدته زوايا متعددة للرؤية.
تتشكل القصيدة من خلال ثمانية مقاطع هى (مقدمة ، عرض ، تفصيل ، وقلت لك ، خاتمة ، ملحق1 ، ملحق2 ، ملحق3 )
تنهض القصيدة على العزف على وتيرتين هما (الأنا والآخر) أو (الراوى والمروى عنه)
فى مقدمة القصيدة، يقدم موالاً شعريا ، يحتوى على مشهد مكثف، يفتتح به العرض :
" ما يموتشى إلا اللى مات فى قلوب محبينه
ماشيين وسايبينه
حيصلوا أربع تكبيرات وحيمشوا فى جنازته
وحتلاقيهم ـ ربما ـ
حاضرين تأبيه"
تبدأ القصيدة عرضها بعرض المشهد الأخير، مشهد رحيل إنسان، بمثابة قناع يتوارى وراء الموال شعور عميق بغواية السعى وضلاله فى هذه الدنيا ، ولعل مفردة (ربما) الموضوعة بين شرطتين إعتراضيتين . تخدش بقوة المشهد، حتى نتهيأ لحالة التلقى الدرامى، وليس التلقى الاخبارى.
وطالما توجد مقدمة، فلابد أن تتواجد (خاتمة) والشاعر فى مقطع (خاتمة) وهو الخامس، سوف يتبعه بثلاث مشاهد لثلاثة نماذج ترتدى قناع (الصاحب)، والزميل، وهم بعيدين كل البعد عن (تقدير الآخر ومحبته) بل نلاحظ بأن النماذج تتسم بأنفس حقودة ذات طاقات سلبية وتخفيها أقنعتها الزائفة
فى القناع الأول .. مشهد سردى لراوٍ / شاعر .. سافر للمصيف، ولما نما إلى علم الزميل/ الآخر، خبر سفره، أعد ـ على مستوى المبالغة الشعرية ـ لوادر الهدم وحضر ليقوم بردم البحر.. بالطبع صيغة المبالغة، وروح السخرية اللاذعة واضحة ومؤثرة.
الردم هنا ، يرمز لاستحالة إنتصار الحاقدين والحاسدين على الأرواح الانسانية الطيبة.
وفى (ملحق2) أو المشهد الثانى.. نطالع تدخل الآخر لايقاف بيع ماعز الشاعر/ الراوى بترويج إشاعة كاذبة تفضح حقده " وإذا به ـ واحد زميلى .. محترم جدا حقود ـ عمال يقول للناس / ما تشتروهاشى مسروقة.
مهارة رسم الشاعر للقناع بالاستهلال، ثم التقديم السردى، يحتوى على مفردة تفجر، بل تنسف معطيات المشهد، (محترم جدا حقود) وهنا أتوقف أمام (جدا) مفردة حلقت بالكناية فى آفاق المفارقة الكاشفة للآخر الدَّعى/ المقنع بمسوح الزمالة، والصداقة، والجيرة.
فى الملحق الثالث.. يمرض (الآخر) ولما يقوم الشاعر/ الراوى بزيارته، حاملا له أكياس الفاكهة، يصطدم بتصريحه الشاكى بحقد كامن مستعر .. (طبعا معاكو فلوس / وأنا حزين منحوس) إن إعتماد الشاعر هذين السطرين الشعريين على القافية، يستمدان روح العامية الزجلية، ليؤكدان على تقليدية شخصيات كهذه.
لهذا عندما يقوم الشاعر بتعجيل الخاتمة ونقلها إلى منتصف القصيدة، تحديدا فى المقطع الخامس، يدلل على تكشف (القناع)، ونلحظ قدرة الشاعر على قراءة إدعاءات الآخر .. فيقوم بتعريته فى إطار ملحمى تنشع فى جنباته روح الموال الذى ابتدأ به القصيدة، يقول: " فيه ناس لا ترحم ولا رحمة كريم تسيب
أحلم يكون لى غنم تحلم يجيها الديب
سبحان من فرقك يا طبع بين الناس
وفرق الاحساس
اللوم علىَّ أنا
أنا اللى غلطان أنا"
(طول عمرى أنجح أنا .. وسايبه هو يخيب) .. يعد تقديم الشاعر للخاتمة مساهمة فى تثوير حالة الصراع الدرمى وتهيئة القارئ للتفاعل بحماس مع هذا النموذج الذى هدمته أحقاده، وظلام روحه .. فماذا يجنى الفاشل غير خيباته.
أيضا تبدت تلك المقدمات فى مقطع (وقلت لك) .. "المية ما تعديش على عطشان / لكن عطشنا وارتويت"
هذا تلميح آخر يتم فيه بث مستوى أعمق للرمز، ويطلق سهم الدلالة على مدى أكثر إتساعا ورحابة، ليتهاوى قناع الزيف والمزيفين .. (بياعين الكلام) و(تجار الدين) وعلى من يتحكمون بسطوتهم فى أرزاق البشر، إما بحكم مواقعهم، أو بقدرتهم الفائقة على التخفى وراء أقنعتهم الزائفة التى سرعان ما تتساقط فاضحة زيف الآخر، وتدنيه.
"أنا قلبى لسه بيعشقك / وأتمنى لو أحكى ف بساطة لابراهيم حامد حكايتنا / عارفة ابراهيم؟ / غير ابراهيم ورشة حدادة ع الطريق / على فكرة هو يعرفك" ق آخر كلام
"لما الجرس يضرب يقوم / يمشى لحد الباب ويفتح : / يا هلا / الكورة عدت ممكن نجيبها"ق كُرسى جنب الباب
" أنا شاكر جدا / لو تقدر تفهم / آسف . تستوعب / أنا ليه مؤمن بالله / وبأحب جمال عبدالناصر / والطفل أبو ست سنين / والأيام اللى ماكنتش مجاز"ق الكوبرى
الجمل السردية فى الديوان تمتاز بالتنوع ، منها الجملة الوصفية لمفردات الفضاء المكانى الذى يستدعى بالضروة عوالم طفولته، بغية خلخلة ضغوطات العالم خارجه.."بحر مويس والترعة / والساقية وشجر التوت وخليج السلطان / والجميزتين وعريشة حسين الغرباوى"ق جلابية جديدة ..ونلحظ بعد ذلك فى ذات القصيدة جمل أخرى تحفر فى طبقات الوعى الحالم بالماضى، ماضى تفيض فيه الأحلام، وجنية البحر/ ومخاوف الطفولة التى يتم توظيفها فى أداء شعرى معبر للغاية عند سرد مفعم بحيوية الحلم والحياة " يرجع ليه / وعروسة البحر الجنية / فاردة عليه ضفايرها بحنية؟ / ولا مرة قالت له: "ما تقلعش هدومك وتعوم فى الترعة" ق جلابية جديدة.. والجلباب هنا رمز يعادل تقديم رؤية جديدة للماضى ، وقت حلوله فى الذاكرة.. فالصورة السردية معنية هنا بمزج مقولات وتدخلات الشخصيات الأخرى المساهمة فى إنتاج رؤى جديدة للماضى، وهذا يعنى أن الشاعر يحتفى بأزمنة طفولته " ينشق الحيط وعيون بتبص يخاف / وحمارة عمى حسين واتنين يشيلوه / الشَّـبَّة تقول: محسود / أمه تقول: محمود؟ يرقوه" نلاحظ هنا حيوية السرد، فى تجسيد المشهد عبر تحريك الشخصيات داخل بناء القصيدة، صحيح أن الجمل سردية، لكن الايحاء، والمدلولات تحلينا لحقل الشعر، والمشهد الكلى للقصيدة كقناع معبرٌ عن التجربة، ويعمل على تجذير الوعى الشعرى لدى المتلقى، ويبرز قدرات، ومهارات شاعر يطرح تجربته بصوته وأدائه الخاص.. ذلك الأداء الشعرى الذى أفاد من الصورة السردية، ومن الحوار، ومن مسرحة القصيدة أحيانا باستدعاء شخصيات مثل (الشابة)، والشخص الذى يسأله الشاعر فى قصيدة شبابيك عن قسم الباطنة، والزميل الحقود فى قصيدة لبن المعيز.. والفواعلية فى قصيدة تانى.. وحضور أجواء وعوالم من أزمنة ولت، أزمنة طفولة وشباب الشاعر، والغاية خلق جدل فنى عن طريق مزج الأزمنة لابراز حجم ومقدار التفاوت والتدنى فى فى شخصيات واقعنا الحاضر.
تجربة ديوان شبابيك، تفتح على نوافذ جديدة لعالم قديم توخزه ذكريات مؤلمة عن أيام القهر فى الوسية "غيطان وسية قسية الحزن فيها يبات / واخد فى حضنه الفواعلية اللى ما لهم حد / وسواقى دايره ف ليل شتا ممتد / فدادين سكوت / مزروعة موت" قصيدة تانى .. هنا يتزاوج الخوف القديم مع الخوف المعاصر، رغم إختلاف الأليات والصور، ولكن القهر والعسف بالانسان واحد.
ـ وتتميز المشاهد بالرؤى المعبرة عن المشهد الكلى الذى يجمع قصائد الديوان جاعلا منه قصيدة طويلة بتنويعات متعددة ومتنوعة ،
ـ الديوان أيضا يمكن أن يشكل نبعاً صافياً يضاف إلى ينابيع تجربته الشعرية الاجمالية، عبر إصدراته السابقة.
هو الشاعر المثقف المترع بالمثالية، والانسانية، القادم من أيام الخطاب القومى، يشتبك الآن مع واقعه ؛ فى المستشفى، والشارع، والمقهى، و لا ينحسرعالمه فى خلق المفارقات التى تحمل قدرا عميقا من الحزن، والرفض، والسخرية، بل يقدم قصيدة ذات روح وثابة، قادرة على إجتراح آفاق جمالية مبهجة.
نراه فى قصيدة (شبابيك) التى يحمل الديوان عنوانها: " كنت بتسمع بس / إجمالا أو تفاصيل / عيادات وأسامى دكاترة وأجزخانات / وأشعة وتحاليل / و"شبين" و"الدلتا" و"الحرمين" / و"عبور" و"مبرة" و"صيدناوى".
من شباك الباص البالكونة عليها اليافطة
جات لك على سهوة
مصر اللى انت عارفها مصر (وديع الصافى) "
السطر الشعرى الأخير يستدعى فيه الشاعر مصر، مع صوت المطرب "وديع الصافى" .. ويحيلنا إلى أغنيته الشهيرة (عظيمة يا مصر) بتاريخيتها، وخطابها الحضارى وروحها النهضوية؛ يقدم الشاعر مفارقة موجعة عبر هذا المقطع المسرود الذى يعبر فيه عن إنتشار المستشفيات الخاصة وإبتلاعها للعامة .. يذكر أسماء أربع مستشفيات (خاصة) مقابل ذكره لاثنين ـ فقط ـ من المستشفيات العامة.. بالاضافة للسطر الشعرى ( مصر اللى إنت عارفها .. مصر "وديع الصافى").. يدل أيضا حالة على تغييب مسبق عن تلك التطورات فى الواقع، خالقا حالة من الصدام، حال إحتياجه للعلاج، نراه يفتح عينيه على مشهد، فيه تتابع لعرض اللافتات أثناء تنقله من خلال شباك الباص.. وتذكره لـ (مصر) مرتين فى هذا السطر، يعكس دلالة سيميولوجية تؤكد شعوره بالفقد.. ومن ثم يتولد عنده حزن عميق، نعايشه، عبر تجليات قصائد الديوان.
- صور تشكيل المشهد السردى
ـ ادخل يمين يا حاج.
هتلاقى ناس كتيرة
ربنا الشافى
هنا يتولى الراوى فى القصيدة الحديثة، دوره ليكون فى حضوره بديلا عن حضور الشاعر الذى يتخفى وراء راوٍ يسرد بشاعرية وعبر جمل قصيرة مكثفة، أحداثا، ومشاهد إنسانية، بتراكمها، وتفاعلها مع الواقع الخارجى، تتولد من ثم الرؤية المركزية للنص.
نراه فى عمر رجل حاج .. (ادخل يمين يا حاج) والاجابة رغم إقتصادها، وبساطتها؛ تفتح أبواب المستشفى، كما تنفتح أبواب القصيدة على مصراعيها، فماذا يرى، أو نرى .. (ناس كتيرة / مرضى) ترافقها دعوة المسئول بالشفاء له وللمرضى.
المقطع التالى لافتتاحية الحاج بالسؤال عن شباك تذاكر الباطنة .. يبدأ بجملة (كنت بتسمع بس) وذكرنا آنفا أنها تؤكد حالة الغيبوبة التى كان الشاعر واقعا فيها دون أن يشعر، طالما كان ناعما بالصحة والعافية.
ثم تطالعنا فى المقطع الثالث جملة (تدخل من باب المستشفى تقابلك وش) الافاقة على وجوه وتجليات جديدة فى (الدنيا).
وفى الحركة الرابعة ، أو المقطع الرابع .. تتسع دائرة المشهد، بخروجه من باب المستشفى، حيث يشاهد (تطالع بره دقيقة مش عارف طالع ليه / بتلاقى مظاهرة وعربية شرطة ومطافى) مشهد يشير لمرحلة تاريخية من حياة الشعب الثائر، حيث تحضر فى المشهد (عربية شرطة، ومطافى)
فى عالم المستشفى الداخلى نرى أخبار المرض والموت .. وفى الخارج نتابع الغضب والسعى نحو التغيير، وبين مشهدى الداخل والخارج، تنهض المفارقة الفنية التى تشعل القصيدة .. فلابد أن ينتبه ( ـ خد بالك من جيبك الحرامية كتير!)
على باب المستشفى ـ الخارج ـ توجد خناقة ، غضب، سباب، عدم تقدير للآخر.. وفى الداخل (زحمة ، وناس نايمة ، وليل)
بين مشهدى داخل المستشفى وخارجه؛ نتابع عالمين أو صورتين أو مشهدين من خلال المزج الذى قام به الشاعر بينهما تتولد القصيدة، ونستشعر المفارقة، والحزن، والأمل الضعيف، والمرض والموت.
ثمة حركة يمثلها (الباص) .. حركة سكون وإستسلام، يجسده المرض، ويبعث على القلق والخوف.
- القناع، وتعدد زوايا الرؤية.
وفى قصيدة (لبن المعيز)، يقدم الشاعر رؤيته الفنية معتمداً على منجزه السابق فى مطبوعه الذى يحمل عنوان (المزلقان)(2) .. والذى صنفه بـ (حوارية شعرية) وفيه آثر الشاعر إستخدام [الحوار] كتيمة أساسية فى بناء الدراما المسرحية، وها هو فى قصيدة لبن المعيز، يعاود العزف على تيمة أخرى ، بالاضافة للحوار، وهى (القناع) .
كى يمنح قصيدته زوايا متعددة للرؤية.
تتشكل القصيدة من خلال ثمانية مقاطع هى (مقدمة ، عرض ، تفصيل ، وقلت لك ، خاتمة ، ملحق1 ، ملحق2 ، ملحق3 )
تنهض القصيدة على العزف على وتيرتين هما (الأنا والآخر) أو (الراوى والمروى عنه)
فى مقدمة القصيدة، يقدم موالاً شعريا ، يحتوى على مشهد مكثف، يفتتح به العرض :
" ما يموتشى إلا اللى مات فى قلوب محبينه
ماشيين وسايبينه
حيصلوا أربع تكبيرات وحيمشوا فى جنازته
وحتلاقيهم ـ ربما ـ
حاضرين تأبيه"
تبدأ القصيدة عرضها بعرض المشهد الأخير، مشهد رحيل إنسان، بمثابة قناع يتوارى وراء الموال شعور عميق بغواية السعى وضلاله فى هذه الدنيا ، ولعل مفردة (ربما) الموضوعة بين شرطتين إعتراضيتين . تخدش بقوة المشهد، حتى نتهيأ لحالة التلقى الدرامى، وليس التلقى الاخبارى.
وطالما توجد مقدمة، فلابد أن تتواجد (خاتمة) والشاعر فى مقطع (خاتمة) وهو الخامس، سوف يتبعه بثلاث مشاهد لثلاثة نماذج ترتدى قناع (الصاحب)، والزميل، وهم بعيدين كل البعد عن (تقدير الآخر ومحبته) بل نلاحظ بأن النماذج تتسم بأنفس حقودة ذات طاقات سلبية وتخفيها أقنعتها الزائفة
فى القناع الأول .. مشهد سردى لراوٍ / شاعر .. سافر للمصيف، ولما نما إلى علم الزميل/ الآخر، خبر سفره، أعد ـ على مستوى المبالغة الشعرية ـ لوادر الهدم وحضر ليقوم بردم البحر.. بالطبع صيغة المبالغة، وروح السخرية اللاذعة واضحة ومؤثرة.
الردم هنا ، يرمز لاستحالة إنتصار الحاقدين والحاسدين على الأرواح الانسانية الطيبة.
وفى (ملحق2) أو المشهد الثانى.. نطالع تدخل الآخر لايقاف بيع ماعز الشاعر/ الراوى بترويج إشاعة كاذبة تفضح حقده " وإذا به ـ واحد زميلى .. محترم جدا حقود ـ عمال يقول للناس / ما تشتروهاشى مسروقة.
مهارة رسم الشاعر للقناع بالاستهلال، ثم التقديم السردى، يحتوى على مفردة تفجر، بل تنسف معطيات المشهد، (محترم جدا حقود) وهنا أتوقف أمام (جدا) مفردة حلقت بالكناية فى آفاق المفارقة الكاشفة للآخر الدَّعى/ المقنع بمسوح الزمالة، والصداقة، والجيرة.
فى الملحق الثالث.. يمرض (الآخر) ولما يقوم الشاعر/ الراوى بزيارته، حاملا له أكياس الفاكهة، يصطدم بتصريحه الشاكى بحقد كامن مستعر .. (طبعا معاكو فلوس / وأنا حزين منحوس) إن إعتماد الشاعر هذين السطرين الشعريين على القافية، يستمدان روح العامية الزجلية، ليؤكدان على تقليدية شخصيات كهذه.
لهذا عندما يقوم الشاعر بتعجيل الخاتمة ونقلها إلى منتصف القصيدة، تحديدا فى المقطع الخامس، يدلل على تكشف (القناع)، ونلحظ قدرة الشاعر على قراءة إدعاءات الآخر .. فيقوم بتعريته فى إطار ملحمى تنشع فى جنباته روح الموال الذى ابتدأ به القصيدة، يقول: " فيه ناس لا ترحم ولا رحمة كريم تسيب
أحلم يكون لى غنم تحلم يجيها الديب
سبحان من فرقك يا طبع بين الناس
وفرق الاحساس
اللوم علىَّ أنا
أنا اللى غلطان أنا"
(طول عمرى أنجح أنا .. وسايبه هو يخيب) .. يعد تقديم الشاعر للخاتمة مساهمة فى تثوير حالة الصراع الدرمى وتهيئة القارئ للتفاعل بحماس مع هذا النموذج الذى هدمته أحقاده، وظلام روحه .. فماذا يجنى الفاشل غير خيباته.
أيضا تبدت تلك المقدمات فى مقطع (وقلت لك) .. "المية ما تعديش على عطشان / لكن عطشنا وارتويت"
هذا تلميح آخر يتم فيه بث مستوى أعمق للرمز، ويطلق سهم الدلالة على مدى أكثر إتساعا ورحابة، ليتهاوى قناع الزيف والمزيفين .. (بياعين الكلام) و(تجار الدين) وعلى من يتحكمون بسطوتهم فى أرزاق البشر، إما بحكم مواقعهم، أو بقدرتهم الفائقة على التخفى وراء أقنعتهم الزائفة التى سرعان ما تتساقط فاضحة زيف الآخر، وتدنيه.
- تجليات الصورة السردية .
"أنا قلبى لسه بيعشقك / وأتمنى لو أحكى ف بساطة لابراهيم حامد حكايتنا / عارفة ابراهيم؟ / غير ابراهيم ورشة حدادة ع الطريق / على فكرة هو يعرفك" ق آخر كلام
"لما الجرس يضرب يقوم / يمشى لحد الباب ويفتح : / يا هلا / الكورة عدت ممكن نجيبها"ق كُرسى جنب الباب
" أنا شاكر جدا / لو تقدر تفهم / آسف . تستوعب / أنا ليه مؤمن بالله / وبأحب جمال عبدالناصر / والطفل أبو ست سنين / والأيام اللى ماكنتش مجاز"ق الكوبرى
الجمل السردية فى الديوان تمتاز بالتنوع ، منها الجملة الوصفية لمفردات الفضاء المكانى الذى يستدعى بالضروة عوالم طفولته، بغية خلخلة ضغوطات العالم خارجه.."بحر مويس والترعة / والساقية وشجر التوت وخليج السلطان / والجميزتين وعريشة حسين الغرباوى"ق جلابية جديدة ..ونلحظ بعد ذلك فى ذات القصيدة جمل أخرى تحفر فى طبقات الوعى الحالم بالماضى، ماضى تفيض فيه الأحلام، وجنية البحر/ ومخاوف الطفولة التى يتم توظيفها فى أداء شعرى معبر للغاية عند سرد مفعم بحيوية الحلم والحياة " يرجع ليه / وعروسة البحر الجنية / فاردة عليه ضفايرها بحنية؟ / ولا مرة قالت له: "ما تقلعش هدومك وتعوم فى الترعة" ق جلابية جديدة.. والجلباب هنا رمز يعادل تقديم رؤية جديدة للماضى ، وقت حلوله فى الذاكرة.. فالصورة السردية معنية هنا بمزج مقولات وتدخلات الشخصيات الأخرى المساهمة فى إنتاج رؤى جديدة للماضى، وهذا يعنى أن الشاعر يحتفى بأزمنة طفولته " ينشق الحيط وعيون بتبص يخاف / وحمارة عمى حسين واتنين يشيلوه / الشَّـبَّة تقول: محسود / أمه تقول: محمود؟ يرقوه" نلاحظ هنا حيوية السرد، فى تجسيد المشهد عبر تحريك الشخصيات داخل بناء القصيدة، صحيح أن الجمل سردية، لكن الايحاء، والمدلولات تحلينا لحقل الشعر، والمشهد الكلى للقصيدة كقناع معبرٌ عن التجربة، ويعمل على تجذير الوعى الشعرى لدى المتلقى، ويبرز قدرات، ومهارات شاعر يطرح تجربته بصوته وأدائه الخاص.. ذلك الأداء الشعرى الذى أفاد من الصورة السردية، ومن الحوار، ومن مسرحة القصيدة أحيانا باستدعاء شخصيات مثل (الشابة)، والشخص الذى يسأله الشاعر فى قصيدة شبابيك عن قسم الباطنة، والزميل الحقود فى قصيدة لبن المعيز.. والفواعلية فى قصيدة تانى.. وحضور أجواء وعوالم من أزمنة ولت، أزمنة طفولة وشباب الشاعر، والغاية خلق جدل فنى عن طريق مزج الأزمنة لابراز حجم ومقدار التفاوت والتدنى فى فى شخصيات واقعنا الحاضر.
تجربة ديوان شبابيك، تفتح على نوافذ جديدة لعالم قديم توخزه ذكريات مؤلمة عن أيام القهر فى الوسية "غيطان وسية قسية الحزن فيها يبات / واخد فى حضنه الفواعلية اللى ما لهم حد / وسواقى دايره ف ليل شتا ممتد / فدادين سكوت / مزروعة موت" قصيدة تانى .. هنا يتزاوج الخوف القديم مع الخوف المعاصر، رغم إختلاف الأليات والصور، ولكن القهر والعسف بالانسان واحد.
- طرائق بناء المشهد
ـ وتتميز المشاهد بالرؤى المعبرة عن المشهد الكلى الذى يجمع قصائد الديوان جاعلا منه قصيدة طويلة بتنويعات متعددة ومتنوعة ،
ـ الديوان أيضا يمكن أن يشكل نبعاً صافياً يضاف إلى ينابيع تجربته الشعرية الاجمالية، عبر إصدراته السابقة.
- وعبر تلك الرحلة الممتعة فى ديوان (شبابيك) لا يفوتنا إلا أن نعترف بأن الصوت الشعرى للشاعر أصبح مائزا، حيث تشكلتْ ملامح وسمات خاصة واضحة بجلاء فى أدائه الشعرى. كما تمكن الشاعر من استدعاء عوالم جديدة / قديمة ، مفعمة بشاعريتها وخصوصيتها.
- القصائد كأنها مقاطع ممتدة تشكل قصيدة واحدة، لشاعر يعزف على أوتار إيقاع حياة يتبدى من وراء أقنعة زيفه غائما، بيد أن خبرات الشاعر مكنته من إستجلاء ما وراء الأقنعة، وبحس درامى فائق التأثير، والمرونة شكل الشاعر تجربته الفريدة بعمق ومحبة.
- د. محمود عبدالحفيظ ـ شبابيك ـ ديوان شعر بالعامية المصرية ـ مطبوعات إقليم شرق الدلتا الثقافى ـ 2020ـ مطابع هيئة الكتاب.