مصطفى فودة - قراءة فى المجموعة القصصية "قرموط الست" للكاتب هانى منسى

يلوح بالعنوان نوع من الغرابة يلفت نظر القارئ ويثير دهشته وأظنه لهذا السبب تم اختيار العنوان، والقرموط نوع من السمك يشبه بشكله الانسيابى ذكر الرجل، وله دلالة الخصب والرغبة الجنسية، وتدل طريقة تكاثر الأسماك على الوفرة والخصوبة إذ تلقى الأنثى آلاف البويضات ويلقى الذكر آلاف الحيوانات المنوية عليها بالماء فيما يسمى التخصيب الخارجى، وقد ارتبطت الأسماك وخاصة القرموط بالميثولوجية المصرية القديمة إذ يعتقد أنه من التهم ذكر أوزوريس ومن ثم به قوة جنسية هائلة، كذلك ارتبطت الأسماك عامة بالميثولوجية اليونانية والرومانية، ومن ثم يلوح البعد الجنسى بعنوان المجموعة وبالقصص كعنصر أساسى على ما سنرى ، تتكون المجموعة من ست عشرة قصة وتقع فى مائة وتسع عشرة صفحة وهى صادرة عن دار الروافد عام 2025 وهى المجموعة الثانية للكاتب، وقد سبقتها مجموعة قصصية بعنوان سنكسار عام 2023 .
بدأت المجموعة بقصة قرموط الست والتى حملت المجموعة عنوانها وهى أطول قصة بها إذ تبلغ خمس عشرة صفحة وهى تستدعى أسطورة إيزيس وأوزوريس فى الميثولوجيا المصرية القديمة وتدور حول شخصية سحر التى تحاول بكافة الطرق بالإنجاب من زوجها مبروك (الأبله) والذى تمتلك أسرته أراض واسعة ويريد عمه إفشال هذه الزيجة والإستيلاء على تلك الأراضى والغيطان، ويتصاعد الكاتب بتصوير شخصية سحر من فتاة ناصحة ولهلوبة وتغزل برجل حمار إلى شخصية أسطورية كأنها ملكة مصرية متوجة وتتوازى مع شخصية إيزيس فى الأسطورة المصرية القديمة عن طريق الحلم الذى حلمت به ويربط بين الواقع والاسطورة .
أما قصتى صديق الحفيان وتجار البركة فهى تستدعى أسطورة مجنون ليلى فى التراث العربى القديم فرشيد نشأ مع ابنة عمه كريمة وأحبها وأحبته "كانت هى الحياة ذاتها وبدونها موت محقق"ص33 ووعده أبيها بزواجه منها بعد عودته من الكويت إلى أنه خان عهده معه وزوجها من التاجر حمدان عبر عنها السارد أبلغ تعبير"سيقت كريمة إلى حمدان كشاة تساق إلى الذبح"ص40 ، فجُن رشيد وذهب إلى قرية حبيبته وابنة عمه وعمل على جمع الزجاج المكسور فى شوال وسمى بجامع الزجاج وهو رمز لكسرة نفسه وتحطم حياته، أما قصة جعفر البغل فهو شاب (أبله) تتمناه نسوان القرية ويغار منها رجالها لما له من قوة جنسية هائلة فقد ماتت عروسته من الخضة ليلة الدخلة، كما ماتت احدى زوجات العمدة بسكتة قلبية بعد إقامة علاقة معه فقرر العمدة الإنتقام منه، فأوعز إلى جابر المزين بإخصاء جعفر البغل وأولم وليمة بذبح عجل احتفالا بإخصائه، "هوبا بيضحك ليه" قصة شخصية أبله أوعبيط القرية (ابن سحر ومبروك فى القصة الأولى قرموط الست)، يحتفى به أهل القرية ويتباركون به ويعتبرونه مصدرا للسلام والتصالح مع الحياة ، وقد غاب عن القرية أربعين يوما (ربما إشارة إلى غيبة موسى عن قومه) ثم عثرأهل القرية عليه وبنوا له بيتا احتفاء به ومكث فيه ستة أيام ومات فى اليوم السابع (لرقم سبعة إيحاء دينى فى الترث الدينى والشعبى) واتخذوا من بيته مقاما ورددوا "مدد ياسيدى هوبا مدد"ص59 ، احتوت المجموعة القصصية على ست قصص على لسان الحيوان والطير مثل "دكر البط" على لسان ذكر البط ، "همس مجلجل" من سطر واحد على لسان الثعابين، "أم الخير" على لسان البقرة ، "الحية" ، "البغلة"، وهو سرد على لسان الحيوان ولكنه بوعى الكاتب ويكفى ما ذكر فى قصة دكر البط "كواك كواك عيش حرية عدالة بطية" وهى شعارات ثورة 11 يناير 2011 جعلها الكاتب على لسان دكر البط مع تعديل عدالة اجتماعية إلى عدالة بطية، ومن ثم نرى أن هذه النصوص تعليمية وذات رسالة تربوية لتعليم الناشئة حب الطبيعة وعدم معاداة الكائنات الأخرى بها، فالإنسان لا يعيش وحده على ظهر الأرض بل هناك كائنات أخرى معه عليه أن يتعايش معها، وتنتهى المجموعة بقصة الليل وهى أقرب ألى نص نثرى على لسان الليل (أنسنة الحيوان والليل)، هناك شخصيات تكررت فى قصص المجموعة مثل سحر وهوبة وكريمة وجعفر وغيرهم واستكملت بعض الأحداث مما يمكن أن تصنف كمتوالية قصصية.
شغل الجنس حيزا كبيرًا فى قصص المجموعة، فالجنس أصل الحياة وسبب استمرارها، فى قص قرموط الست يومئ عنوانها إلى الجنس كما ذكرنا سابقا بعنوان المجموعة وبالقصة تصوير محاولات سحر الجنسية للإنجاب من زوجها، وبقصة جعفرالبغل كما أشرنا إلى قوته الهائلة الجنسية مما أدى إلى موت امرأتين عقب اتصاله بهما، وقد وردت عبارت كثيرة تتصل بالجنس ولكنها وردت فى سياق الكناية مثل جاءتها "البتاعة" ، لتطمئن على "البضاعة"ص15 ، "قادته لفتح غشاء صبرها برجولته المرتعشة"، "رجعت سناء بعد جوازها بأسبوع إلى بيت أبيها صاغ سليم..الموكوس طلع مفنيخ. مقدرش يفتح القفل بتاعها..مرضيتش تبقى مرة غير بمفتاحه الطبيعى"ص16 ،"واللى فى الديست تفضحه ليلة الدخلة" وهى عبارات كنائية فنية تبين ولا تفصح، ولم يقتصر الجنس على الإنسان بل تم تصويره عند الحيوان مثل البقرة (أم الخير) وتعشيرها من الثور (عنتر) فى قصة سيف ووالده زاهر، كذلك فى قصة دكر البط وتعشيره للأنثى وهكذا إلا أن الجنس كان موظفا توظيفًا فنيًا فى خدمة سياق القصة وعبر الكاتب عنه بعبارات كنائية وفنية بديعة دون فضح أو فحش.
كانت اللغة فى القصص مزيجا من الفصحى المبسطة والعامية الريفية وأحيانا الموغلة فى البيئة الصعيدية كما سبق أن ذكرنا، بل وباللهجة الخليجية مثل "يرحم والديك ..شنو ..دوم"ص40 ، وقد فسر الكاتب بعضها فى الهامش، أم الحوار فكان بالعامية الصعيدية مثل الحوار بقصة "تجارالبركة"
- ملكش حاجة عندى. كل حاجة باسمى. عاوز تتجوز خد أختها سميحة .
- بس أنا متفق معاك حتجوز كريمة.
- اتجوزت وسافرت بعيد معرفلهاش طريق جرة. اعتبرها ماتت وبعدين الزفتة ده مش فرخة بكشك" ص33
وهذا الحوار من البدايات البارعة لقصة "تجار البركة" والتى دخلت فى الحدث مباشرة دون مقدمات .
ومن جماليات اللغة براعة الوصف كما جاء فى وصف سحر"تلمع قمحيتها السمراء وتتوهج عسلية عينيها ، كأنها ملكة مصرية متوجة. هى ملكة بالفعل"ص16 ووصف كريمة فى قصة تجار البركة "عينان سوداوان لديهما مفاتيح بهجة العالم"ص33 ، كما برع فى استخدام التشبيه النابع من البيئة مثل " صوتها الذى يطوحه كدرويش فى حلقة ذكر"، "كشاة تساق إلى الذبح"،"كأنها سمكة خرجت من النيل تتلوى وتدفع بنفسها حتى تقفز فى المياه من جديد"ص11
ومن التقنيات البارعة فى قصص المجموعة تقنية الاسترجاع وكسر الزمن واستدعاء الماضى كما فى قصة قرموط الست وتجار البركة وغيرها، كذلك برع فى استخدام تقنية الحلم فى قصة قرموط الست عن طريقه حلم استدعاء أسطورة إيزيس وأوزوريس وموازاتها بواقع شخصية سحر"نامت بعد تفكير مضن، رأت وجه ستها حزينا بملابسها المصرية القديمة تجمع أعضاء زوجها من الغيطان ...."ص20
الزمن وتنوع الضمائر والاصوات
لم يكن الزمن خطيا تقليديا فى كثير من القصص بل كسر الكاتب تراتبية الزمن الطبيعى وذلك بتقديم الحاضر وتأخير الماضى ثم استدعاؤه فعلى سبيل المثال بدأت قصة قرموط الست بالزمن الحاضرعن محاولاتها وإصرارها إنجاب طفل من زوجها ثم عادت إلى الزمن الماضى عن طريق الإستدعاء أو الفلاش باك، كذلك تنوعت الضمائر ما بين ضمير الغائب العليم إلى ضمير الأنا حيث عبرت الشخصيات عن نفسها فتعددت الاصوات التى ابعدت الملل فى السرد وجعلته أكثرتشويقا وجاذبية .
هناك بعض الهنات القليلة فى المجموعة مثل الإسهاب فى التفصيلات الزائدة مثل محاولات أم مبروك الانجاب مرة أخرى بعد إنجاب مبروك فى القصة الأولى فهى لم تفد القصة وقللت تكثيف السرد، كذلك الإسهاب فى المعلومات الواردة فى الهامش ص12، 13 بزيادات لاتخص القصة عن عيد الميلاد فيكفى ذكر أنه عيد مسيحى ولا داعى لذكر تفاصيله وكم مرة فى السنة وتاريخه كيف نشأ بحيث استغرقت ما يقرب من نصف صفحة من الهامش بالخط الصغير، كذلك كان هناك حشد كبير فى بعض القصص بالشخصيات والأحداث والتفصيلات حتى اتسمت بعضها بالنَفَس الروائى مثل الشخصيات والأحداث الكثيرة فى قصة قرموط الست والتى جعلتها أقرب إلى النوفيلا منها إلى القصة القصيرة، إلا أنها هنات لا تقلل أبدَا من براعة المجموعة القصصية وقوتها وفنيتها ولغتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...