العربي عبدالوهاب ـ فى محبة مولانا الدكتور (كارم محمود عزيز )الذى رحل عن عالمنا عصر الأربعاء 29 أكتوبر 2025

عندما تنشط الذاكرة وتشف الروح
قراءة فى رواية عرق الجدران
للدكتور كارم محمود عزيز



..... يقول ليفى برول " لم تنشأ الأساطير والطقوس الجنائزية، وعمليات السحر والزراعة ـ فيما يبدو ـ عن حاجة الرجل البدائى إلى تفسير الظواهر الطبيعية تفسيرا قائما على العقل، لكن نشأت استجابة لعواطف الجماعة القاهرة " (1)

إذن تلك العواطف المضمخة بالرغبة فى الانعتاق من أوجاع الروح التى ألمت بالكاتب، إبان كتابة هذه الرواية، جعلته يخال الجدران المتهاوية، والخربة/ أماكن شاهدة على أزمنتها التى ولت، وتداعت تحت معاول التغيير المستمر بفجاجة.

فهل كانت الجدران تكأة للولوج إلى عالم الذات، رؤيتها من الداخل، ثم مناقشتها، صعودا بالايقاع السردى حد تعنيفها ومحاكمتها.

فى عرق الجدران(2) يسلم الكاتب مهام عملية السرد لراوٍ يتحرك فى مساحة زمنية ممتدة بين زمن متاح لصبى يافع تفتحت عيناه على الأناشيد الوطنية، والوحدة العربية، والحلم الناصرى، وصولا لتقويضه مع النكسة، وانحساره مع الانفتاح، وما تلاه؛ يدفع الكاتب بالرواية من خلال عمليات التذكر والاسترجاع، عبر منولوجات داخلية قصيرة، وفى الغالب يستخدم المحاورات عبر(البرولوج) بشكل دال، ومحرك لخلق بنية سردية درامية، مخافة الوقوع تحت ظلال الحكاية التى اعتمدها فى روايته الأولى (العوجة)، كأنه بين الجدران يئن تحت وطأة وجع مقيم، خلفته أزمنة ترنحت من قبل، ولم يتبق منها سوى جدران خربة، تنز عرقا مالحا، فى صورة أماكن صارت أثرا بعد عين.. "لم أكن معنياً الا ببحث الظلال الاجتماعية التى يخلفها المكان على العمل الروائى" ( 3)

تظل الذاكرة قادرة على النبش فى ذلك المدى الزمنى، المستتر بقناع الإشارات التاريخية .لكل من :ـ (الوحدة العربية، النكسة، مقاومة السويس، التهجير، أكتوبر،الانفتاح، نهوض الغابات الاسمنتية)، مع إماكنية السرد عن المسكوت عنه، متمثلا فى البعد الانسانى الذى بقى متواريا فى الخطاب الروائى الحداثى، وإن بان فى الكتابات التسجيلية، مثل السلاسل الأدبية التى نهضت لتمجيد النصر، (كسلسلة أدب أكتوبر) .

نلاحظ فى عرق الجدران، مشاركة الأمكنة بشخوصها، وعوالمها، وحنينها الدافق.. مشاركة تفاعلية مع الذات المعبرة عن رحلة/ البطل/ الكاتب، منذ صباه، وحتى زمنه المعاصر.

ذلك التخييل الذى اعتمده الشاعر، والباحث فى مجالات الأسطورة، والأدب العبرى، د.كارم عزيز، ليس مجرد حنين مجانى، بل حيلة فنية، لخلق عالم روائى، ورغبة عميقة غايتها التعبير عن عواطف جماعة المثقفين. ذلك الحنين استمد من ماضى الشعراء العرب عندما كانوا يستهلون قصائدهم بالبكاء على الأطلال، وما البكاء هنا إلا عاطفة صادقة معبرة عن انمحاء عالم حقيقى، ونهوض آخر جارح، ومتردٍّ، وشائه.

أو بتعبير آخر: انقضاء عهد الطفولة الأسطورى، عند الرجل البدائى، ليحل بدلا عنه عهدٌ جديدٌ، يجسد عالما برجماتيا موغلا فى قسوته، قاهرا للروح الشاعرة، مفارقا لخصوبة الماضى، ساقطا فى التحولات السريعة، الواقعية المقبضة.

لماذا يبحث الكاتب عن ذاته بين الجدران؟؟!!! ..وكيف تنز الحكايات من عرق الجدران، وهو يبحث فى تاريخه، وعلاقاته، يستعيد رحيق هذه الأماكن، يهز نخيل ذاكرته كى يتساقط بلح المواقف، منذ انطلاق أناشيد الوحدة العربية، ونقراته على الاكسيليفون،فى طابور الصباح، مرورا بالأحداث الدامية فى السويس إبان سقوط المدينة تحت نيران القصف، ثم التهجير، حينها تستفيق طفولته النابضة على مراهقة ملسوعة بوهج العشق، عشق يغازل الموت، وموت يغازل واقعا، فقد قدرته فى المحافظة على خصوصيته، لعل الطائرات بأزيزها المرعب فى فضاء المدينة التى عايشها ذلك الصبى اليافع أثناء زيارته العائلية، منحته صلابة الرجال، شكلت روحه مشاهد المقاومة، ومعانقة الموت، ليواجه بعد خمسين عاما موتا بطيئا بمشاهداته المتأنية لأحوال الجدران /عوالمه القديمة.

عن العشق والانكسار يكتب، عن المقاومة والانتصار يكتب، ثم عن مرارة السقوط فى الانفتاح يكتب، مع كل ما سبق ينفتح عالم (جابر العزايزى)/الصبى الذى كان يراقب، ويتساءل دون كلل، رافضا أزمنة ساهمت فى تقويض مشاريعه العاطفية، وباعدت بينه وبين مراعى طفولته وصباه.

هل الرواية سياحة فى التاريخ؟؟؟ .. ومحاكمة له، ولذات البطل الشاهد على حجم التحولات المورفولوجية فى المكان، وكأن العالم بانتقاله تلك النقلة الحضارية فى الهدم، والتحول لاقامة الأبراج وناطحات السحاب، لإنشاء غابات إسمنية بلا ملامح أو هوية..(حسب وجهة النظر الساردة) كان يلاحظ بأن روحه يتم هدمها مع تلك الجدران.. ومعها ذكرياته، وتاريخه الوحدوى العظيم..يحس بها استفاقت، شاعرة بحزن شفيف بعدما لم يتبق منها سوى أنينها الذى ينز عرقا، وحزنا، وحكايات، ومشاهد محفورة فى روحه للتحولات الزمكانية ..فاذا سقطت الجدران، سقطت الذكريات؛ فأين دور المثقف العضوى، ليعيد قراءة وتحليل تواريخه السالفة، لحمل مشعل النور حضاريا، فى دروب الظلمات، والتشيؤ.

" لا تزال الأحلام صغيرة جداً تغلفها رومانسية فجة، وليست بقدر العالم الكبير الصاخب من حولها، والذي تلوح في سمائه نذر تحولات فائقة فارقة .. لا تزال على مقاس الوعي الذي أنتجها وتحمل قناعاته البسيطة، لكنها على أي حال أحلام نظيفة !.." !.." ص56




أهم السمات الفنية التى تجذرت فى البنية السردية للرواية

  • تحول الأصوات..... من المخاطب ـــــ للأنا .. ومن الأنا ــــ للمخاطب فى حالة من الاسترسال الدائرى، كل طرف يفضي إلى الآخر، وبالعكس.
لو استنامت الرواية لآلية الصوت الواحد فى الأداء السردى، لما تمكنت من المكاشفة، والقراءة، ومن ثم طرح الرؤية الفنية من زوايا متعددة، إن التنوع فى استخدام ضمائر الخطاب يمنح القارئ وجهات نظر عديدة، تساعده على إنتاج رؤيته الخاصة.. يشير ضمير الأنا إلى زمن الافضاء، والحكى، والي مكاشفاته وصيرورته الداخلية المشحونة بالانفعالات، فتلمع أخيلته الطفولية، ويسترجع مدارج عشقه، ومثاليته المفرطة.."مع تتابع مارش الصعود إلى الفصول، يختطفك سؤال بارق: " لماذا ثلاث مرات ؟ هل لو هتفنا مرة واحدة ألن تحيا الجمهورية ؟.. أم هي عادتنا في تثليث أشياء كثيرة في حياتنا، حتى في دعائنا إلى الله ! " ... تتلاشى علامات الاستفهام مع انفتاح أبواب الفصول، لتهلَّ عليكم ( الأصح هنا أن لا نستخدم الفعل "هلَّ "، لأن معناه يشير إلى الظهور الموسمي المتقطع – لارتباطه بـ " الهلال " الذي يظهر أول كل شهر، في حين أن دخولكم إلى الفصول هو فعل يومي)، لذا نقول : لتعانقكم رائحة العلم وعبق المعرفة، مع دخولكم إلى مراعي العقول دائمة الخصوبة .." ص23

ذلك المقطع بدأ بالراوى، موجها خطابه السردى للمخاطب/ البطل/ جابر العزايزي، ثم فتح الكاتب قوسين، ليقدم توضيحا حول خطأ شائع فى استخدام الفعل (هلَّ) المستخدم للدلالة (خطأ) للاشارة لفعل يومى يمارسه الطلاب، كل صباح، بالدخول إلى فصولهم .. إن حضور المؤلف هنا والذى يتكرر فى مواضع متعددة فى الرواية، قائما تارة لإيضاح معلومة، أو كاشفا لعمليات كذب وخداع متعمدة، قد يذهب إليها الراوى، وقت سرد أزمنة الطفولة، وعلاقاته الغرامية.. هذا لتدشين حالات من التشويق، يدعمها بالطبع تقنية إجراء المحاورات، مع الجدران/ التاريخ على المستوى الخارجى؛ ومع الذات على المستوى الداخلى.. وعملية الانتقالات السريعة بين الضمائر فى الرواية هدفها خلخلة البنية السردية ..ليعاود الراوى حضوره.." يومئ الصوت فى الرواية إلى فاعليته الخاصة، أو إلى صيرورة كونية تاريخية تتعإلى أحيانا على الخطاب في النص، وتفكك بنية الشخصية أو الحدث أحيانا فتمارس دور القارئ، أو المؤول فيما يتعلق بالمسارات السردية" (4)

فهل قدم الدكتور كارم عزيز رواية متعددة الأصوات فى عرق الجدران؟ حينما أنشأ جدولا مقسما بشكل رأسى فى الصفحة، فى موضع واحد فى الرواية، جعل الشق الأول منه، يجسد صوت الأنا/ البطل.. والثانى يحمل صوت الجدران.. كأنه فى محكمة، والجدران تمثل هيئة المحلفين، ذلك لتنقية ما تم سرد آنفا بغية تحرى الحقائق، وفصل ما هو تاريخى عما هو ذاتى متخيل، والكاتب هنا يستخدم تلك الحيل الفنية فى خلق حالة من الإيهام للقارئ، حتى لا ينسى أنه أمام نص سردى، ولو ذهب للمزج بين الذاتى والموضوعى، فهذا لإضافة مستويات أكثر من المتعة والإثارة، وإلا توجه لاستلهام الرواية الوثائقية، كما فعل (صنع الله ابراهيم) فى ذات، وشرف وبيروت ..بذات، وشرف وبيروت ..بيروت.

لكنه أفاد هنا من ملمح جيد فى الروايات الصوتية، هو التحول السريع، بشكل حداثى للغاية، داخل بنية السرد بين الضمائر (الرواى والأنا، والمخاطب، وصوت المؤلف).." فالرواية المتعددة الأصوات أو الرواية البوليفونية‏ هي سمة من سمات السرد القصصي ونوع أدبي للرواية الحديثة الذي يفسر الواقع من عدة وجهات نظر متراكبة في آن واحد، ولا تعتمد فحسب على وجهة نظر وحيدة. ويصبح الواقع بداخلها أمرًا معقدًا للغاية، ولا يحاول فقط إعادة إنتاجها ولكنه يهدف إلى استبدالها داخل محيطها الأدبي، حيث تطيل السرد أكثر مما هو معتاد وتصبح الرواية عملًا كونيًا. وهو نوعً أدبيً سيحدث تأثيرًا كبيرًا في وقت لاحق على الأعمال الروائية الأوروبية، من خلال تناول ما تم تسميته بالكتابة غير المشروطة والتي تمكن الفنان من إظهار كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وكوميدي ونثري وشعري وحواري وخطابي وخرافي وفلسفي وأسطوري في محاكاة ساخرة حقيقية لجميع الأنواع الأدبية. في الرواية متعددة الألحان تتداخل وجهات النظر المختلفة حتى تصل إلى مستوى من التعقيد وتندمج مع الحقيقة ذاتها، متجاوزة بما في ذلك أنماط ما وراء الخيال" (5)



فهل قدم الكاتب رواية صوتية؟.. أم كان يسعى عبر تقنية تناوب الضمائر، بين الحضور والغياب ذاته، وعوالمه الخاصة، وتقديمها فى حالة اشتباك وأحيانا رفض للمسلمات التاريخية، محاورة من شأنها خلق جدل بين ما هو ذاتى وما هو موضوعى.

إكتفى فى تبديل الضمائر بالاعتماد على تقنية القناع، فالراوى صنو الكاتب، والأنا والمخاطب هما نفسهما ذلك الصبى اليافع منذ خمسين عاما، عندما يستملح الذكريات، يفضي بضمير (الأنا) المتعبة المحزونة، وحينما يصل إلى نقاط خلافية مع أناه يتحول إلى ضمير المخاطب، لائما إياها على تقصير ما.. كأنه يسعى ـ بلا توقف ـ لاستعادة زمن مفارق.



ولما كانت رواية عرق الجدران التى تقع فى مائتى صفحة، لجأت مرة واحدة إلى استخدام تلك التقنية (التعدد الصوتى) من ص 152 وحتى ص 162 .. وذلك فى إطار جدول بيانى، لا يتعدى نسبة ( 5 فى المائة) من مساحة السرد.. كان لهذا دلالته الخاصة، فى الارتقاء بطرفى الصراع، هما الصوتان اللذان يتبادلان التهم، سعيا وراء كشف مغالطات ما رواه (الأنا/ البطل/ العزايزى) وما هو مستقر كتاريخ ..وما اللجوء إلى تلك الحيلة إلا لتحفيز القارئ، بعدم التسليم لمعطيات وجهة النظر الثابتة أحادية الجانب. بل مساعدته على السعى نحو القراءة والتحليل من خلال نظرة أكثر موضوعية و شمولية.

تلك المحاورات تتكرر فى مناطق عدة من الرواية، فنستبين عالم الداخل المكتنز بالحميمية، والساعى نحو التطهر،والبحث عن الفردوس المفقود، فردوس الطفولة والصبا، أما الخارج فهو الجحيم.."ـ أنت تتكلم عن المطهر و الفردوس و لا تأتي على سيرة الجحيم !


  • الجحيم هو ما أتى بي إلى هنا ... إنه في الخارج، حيث نار الجهل والجشع والجور تمتص روح الشوارع والبيوت والناس وتحرق الأنس والأمل والسكينة وتلتهم الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ بكل تجلياته الزمنية .. الشوارع والناس لله كانت، فصارت لهم !" ص15


وينعكس هذا على شكل العلاقات الآخذة فى التخفى وراء أقنعة ملامح المكان



  • شادية ابنة السويس، تجسد وجه المقاومة، والحرب والاستنزاف/ وجه المدينة، فى أوقات خوف المدنيين، ومحاولاتهم الاحتماء من القصف، بينما الطائرات تدمر أعصابهم، ثم تقنصهم بشكل هزلى، يحمل مرارة وأسى ما تخلفه الحروب فى البشر، كانت شادية أكثر منه جرأة، ورغبة، بينما هو لم يكن مستوعبا تلك اللحظات، هى قناع دلإلى للمدينة فى أشد أوقاتها سخونة، وتسعى للاحتماء به والتوحد معه، بينما هو يتوحد يحقق هذا ـ فقط ـ فى أحلامه.
  • وكما تقنعت شادية بقناع مدينة السويس، فقد تماهت (صفاء) فى الفصل الرابع مع أحداث الحرب التى اندلعت، حرب أكتوبر المجيد، بعد ست سنوات من الاستنزاف، والمتاعب، تخللتها أحلام عايشها جابر العزايزى، كانها كوابيس غير مبررة، أبرزها دلالة حين يرى نفسه محشورا فى قبره، لا تخرج منه سوى رأسه، ولا يتمكن من التقلب على جنبيه.. فهل كانت صفاء غافلة عنه، أم كانت تستعد للرحيل، وللتخفى وراء الخمار والسفر إلى بلاد النفط برفقة زوجها، ثم رؤيته لها صدفة، فتتجاهله.. أهى من تجاهلته؟؟؟. أم أنه شعور قار فى وعي العزايزي، برفض القناع، والانفتاح، وتبدل الخطاب الوحدوى، إلى خطاب دينى، وسعي برجماتي لدى صفاء وزوجها، ومن على شاكلتهم، لتجمتع الثنائيات المتضادة، ونستبين الليل من النهار، ونخرج من حالة الصراع بينهما، إلى المكاشفة، وصولا لأنوار المعرفة الشفافة.
  • وهكذا تتكرر صور الحبيبات، بقصص مختلفة وإطلالات تساعد على بلورة شخصية جابر العزايزى، ورسم الظلال الكاشفة لفترات متلاحقة من تاريخنا وتاريخ البطل، وكأننا أمام رواية تسير على خطى روايات السيرة الذاتية، لاحظ معى نحت الاسم جابر/كارم..عزيز/ العزايزى ..حتى نصل لإشارة دلالية تؤكد هذا فى ذلك اليوم لم يُلق تحية الصباح على عم ابراهيم غرام السائق – وهو يسخن موتور سيارتهم النقل (البدفورد) أمام جراج عبد العال، كذلك لم يرد عم ابراهيم التحية بجملته المعتادة :" صباح الفل يا ابو محمود !" ص ..ذكر ابو محمود مطابق تماماً لاسم والد الكاتب ..بالإضافة لعلامات سيميولوجية أخرى، كاشتغاله بالبحث، وتدخلاته المتعددة للإيضاح العلمى، تارة فى تسجيل هوامش لبعض الأحداث او الشخصيات، وأخرى فى نطاق بنية السرد.


ثمة حيل فنية أسست لملامح، وأسلوبية خاصة فى الرواية

إستعان الكاتب بالشعر فى الاستهلال الذى كان منوطا به تقديم افتتاحية شاعرية للعالم، شاعرية قدمت مفاتيح وألغازاً، سوف تتكشف مع تتابع الفصول، وشاعرية أيضا فى الوصف: (الشوارع تكاد تعرى من الناس والجو يرشرش أحاسيس غامضة مريبة يبللها ترقب ممزوج بحزن غريب) ص39

ملامح أسلوبية خاصة بالكاتب وإسهاماته الشعرية، كشاعر مرموق له العديد من الإصدرات من قبل.. بالإضافة إلى ملامح أخرى، ترجع إلى دور الكاتب كباحث وأكاديمى كبير، جعل الجملة السردية تتميز بالدقة والحدة أحيانا، لترشق سهام دلالتها بوضوح شديد.

لذلك نراه قد لجأ لتقنية حضور المؤلف داخل المتن السردى، ليعلق، ويؤكد، ويوجه السرد إلى مناطق بعينها.. تصب فى الدلالة الكلية للرواية ... وهى المكاشفة، من خلال القبض على أزمنة ولت، لكنها قارة فى الذاكرة، وما كتابة هذه الرواية ـ حسب ظنى ـ إلا لتحفيز الذاكرة، ومساعدتها على التذكر، ففى التذكر حضور، وحنين، ووجع وحياة ضد النسيان والتلاشى والموت.

التنوع فى استخدام الخطوط .. بين فونت ثقيل مائل يرافق الحوار المنطوق من الجدران، وبين فونت عادى (معتدل بلا ميل ) يرافق بقية الرواية.

أليس استخدام تلك التنويعات يعكس علامات سميولوجية، فالخط المائل للجدران، يعكس دلالة وضعها الآيل للسقوط.. وكون الخط ذا حبر ثقيل أيضا يبرر رغبة الكاتب فى توكيد وجود الجدران كرمز وبعد دلإلى.

أيضا ثمة تنوع فى مستويات الخطاب السردى، بين شاعرية الوصف، والتحليق فوق مخلفات الحرب بشاعرية مؤلمة، غير السرد المعبر عن أهازيج الطفولة، فالرواى يملك العزف على الإيقاع السردى عبر مستويات أداء لغوى تمازج بين لغة الراوى الصبى، وبين الباحث، وبين الشاعر .. فى مزيج مميز يعكس قدرات الكاتب التشكيلية، وامتلاكه لفهم وقدرات خاصة فى استيعاب جماليات السرد، وكيفية استخدام تلك التقنيات المشكلة للنص الروائى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ ياسين النصير ـ الرواية والمكان (2) ـ الموسوعة الصغيرة (195) ـ دار الشئون الثقافية ـ بغدادـ العراق 1986م ....

Herbert Read : Art and society. London 1946, p. 29.

والنص مترجم مترجم عن كتاب برول بالفرنسية "كيف تفكر الشعوب".

2 ـ دكتور كارم محمود عزيز ـ رواية عرق الجدران ـ دار الربيع للطباعة والنشرـ أغسطس 2020م

3 ـ ياسين النصير ـ الرواية والمكان (2) ـ الموسوعة الصغيرة (195) ـ مرجع سابق

4 ـ د. محمد سمير عبدالسلام ـ بنية الصوت السردى فى رواية معبد أنامل الحرير ـ شبكة الانترنت

5 ـ ويكيببديا (الموسوعة الحرة) ـ شبكة الانترنت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...