محمد العرجوني - أرّا أيا غيول..!

حينما كان المغرب يعرف ظاهرة تفريخ ما سمي بالأحزاب الإدارية مع أواخر السبعينات لسد الطريق أمام الأحزاب التي افرزتها الحركة الوطنية، والتي قررت النضال من داخل المؤسسات، خاصة اليسارية منها، كانت الحملات الانتخابية لهذه الأحزاب الإدارية تتوجه خاصة لساكنة البادية والقرى، علما ان المدن المبيرة، كانت في الغالب تعتبر خزانا لأصوات لصالح الأحزاب المعارضة. وفي خضم إحدى الحملات الانتخابية، مرت سيدة بإحدى القرى الشرقية المغربية، على تجمع، وهي تمطي حمارها عائدة من السوق الأسبوعي. أوقفت حمارها بالقرب من هذا التجمع، بدافع الفضول. فلاحظت ان اعين الحاضرين كلها متجهة صوب شخص واقف على منصة وهو يخطب في الجموع. وكان الحضور كله فاغرا فاه ولا يبخل بالتصفيقات من حين لآخر بإيعاز من شخص كان هو أيضا على المنصة، وبحركات يديه كان يبدو كمايسترو يسير هذه الجوقة. كان الشخص المخاطِب، ببذلة سوداء وربطة عنق سوداء تتدلي على قميص أبيض. ارخت السيدة أذنيها عساها تلتقط فكرة ما. لكنها لم تفهم شيئا. فالشخص كان يتحدث بلغة لا تفهمها هي المتمرسة على الأمازيغية وبعضا من الدارجة المغربية. فلم تلتقط من كل هذا الخطاب المتدفق بسيل من الكلمات، إلا كلمتين : "الاتحاد و النظام".
أمام هذا الغبن، كونها لم تفهم ما يقال، مقتنعة ان هذا لا يعنيها، قررت أن تواصل طريقها نحو مسكنها البعيد، تاركة التصفيقات والخطاب الحماسي وراءها. ندهت حمارها بضربة خفيفة على كتفه بعصا تحملها للتحكم في توجيهه، وفي نفس الوقت ببعض الضربات الخفيفة برجليها على جانبي بطنه مطلقة طقطقة بلسانها الآمر : "أرّا!" . تحرك الحمار، لكنه بعد أن تقدم ببعض الأمتار، حرُن، فتوقف ورفض التقدم. اندهشت من تصرفه، فحاولت حثه على مواصلة السير بكل الوسائل المعهودة. لكن الحمار واصل حِرانه وكأنه يريد البقاء لتتبع خطاب المرشح للحزب الإداري، كما لو كان هذا الخطاب موجها لبني جلدته. مع تعنت الحمار قررت السيدة، زيادة على النغز والطقطقات اللسانية، أن تستعير ما التقطته من الخطاب، عسى الحمار يكون استوعبه، فقالت له بالأمازيغية: "أرّا أياغيول قا زَعْما الاتحاد و النظام..!". ما معناه :"تقدم أيها الحمار... ألسنا في اتحاد ونظام...؟!". فلم تستغرب حينما تحرك الحمار، بل ابتسمت وهي تفكر بأنه ربما فعل ذلك خوفا أن يُتهم بالخروج عن الإجماع...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...