العربي عبدالوهاب ـ الكاتب "محمد الحديدى".. فى أنشودة الترحال





لكل كتابة شفرة ولكل كاتب لغة

و للواقع سطوة على كل مبدع ، فالإنسان بشكل عام ليس نتاج اللاشئ

بل هو نتاج منظومة كبيرة يلعب الواقع بمعطياته فيها دور البطولة ؛ ولكن كيف يتشكل الواقع ، ذلك هو السؤال النقدى ؛ وماهى أشكال الأداء الفنى الذى اعتمدها الكاتب والطرائق السردية التى غلبت على نصوصه الإبداعية ليتشكل فى النهاية أمام المتلقى وينهض ككيان منسجم ومتناغم يتسم بالخصوصية

ومحمد الحديدى على الرغم من اعتماده على تقليدية النمط فى طرح جملة قصصية منبسطة ، وسرد يستمد بشكل مباشر منطقه من ملابسات الواقع وذلك حسب تصنيف د . صلاح الدين محمد الذى أرجع تلك الكتابة للنمط الواقعى ؛ هذا فى مقدمته الضافية التى استهل بها المجموعة وربما لن نختلف كثيرا على أن تلك الكتابة اعتمدت آليات التشكيل والأداء الفنى فى الكتابات الواقعية وذلك بإحياء روح الحكاية مع مزجها بمواضعات الواقع من أحداث عامة وانتقادات لسلوكيات اجتماعية صادمة مباشرة ،

ثمة إنسان يمنطق هواجسه بل ويدفع بها إلى محيط الفعل القصصى فى إطار من واقعية النمط المتعارف عليه .

نراه فى قصة أنشودة الترحال التى حملت عنوان المجموعة يبحث عن المثال فى ملامح شخص يحمل ملامح جنة الخلد فى جوفه 0 ولأن تلك الرحلة خيالية افتتحها بمصباح علاء الدين كناية على خلو ذلك الزمان منه وكأنه استحال ا إنسان أسطورى . ولأن تلك الرحلة هى افتراضية تتولد لحظة التنويرـ كما اصطلح على تسميتها فى الكتابات التقليدية ـ خلال دخوله فى الثبات العميق حيث يستمع الى بشارة الخلاص التى تأتيه عبر الموج ، أى من عمق التحولات : بأن خلاصه وبحثه عن الإنسان المثال يتمثل فى الأنثى / الحلم / الوطن . كل هذه المترادفات المتوازية أو المعادلات الموضوعية يلمح لها الكاتب بشكل متميز وعندما يتوحد بها فى نهاية القصة يمتلك عرش المملكة يقول : أتربع على كرسى العرش وفى يدي شهادة ميلادى .

إذن وسيلة الطرح داخل الإطار الواقعى ليست أكثر من حيلة فنية لتجسيد ما هو مثالى فى إطار من الواقعية .

على هذا المنوال تجئ الأقاصيص القصيرة .

ولكن يتبق السؤال قائما عن مبررات إسناد الفعل داخل أكثر من قصة لأشخاص لا يستمدون رؤاهم من ذاتهم بقدر ما يلعب الحلم أو الدخول فى حالة من الثبات العميق الذى يستتبعه ميلاد الرؤيا/ الحكمة / الكتشف لحظة التنوير.

تتوالد الرؤية إذن عبرا لنوم أو الحلم أو البحث العبثى أو المصادفة ولا تتحقق بفعل تنامى الموقف أو دراما النص ـ ولأنه لا يقدم كتابة واقعية بالمفهوم السلفى ـ بل ظاهرها التشكيلى فقط هو الواقعية وباطنها هو رؤية الانعكاسات المباشرة للواقع على مرآة الذات ـ جاءت التفاصيل مكثفة متواترة تحمل زخم الواقع المزاحم للنص " أعاود ترحالى . أنظر فى ساعتى العقارب تكاد تتوقف . انظر خلفى . تسير بجانبه . يحادثها عن آلامه واماله . تضحك . من بعيد يتراءى امام ناظريها فارس آخر . تقترب منه . يخرج من جيبه ما يرضيها فتلهث خلفه " صــ43 ق انشودة الترحال ..

نلحظ الحركة الميكانيكة للواقع فى تلاحق كأنه البرق

ـ البطل يعاود الترحال .

ـ الزمن فى حالة توقف برغم لهاث السائرين

ـ الأنثى تسير مع فتاها

ـ فارس آخر يتراءى لها

ـ تلهث خلفه

الجمل التلغرافية موظفة بعناية .. والطموحات والرغبات متشابكة ومتعارضة ولغة المصالح هى الأغلب ، الولد يتحدث عن آلامه قبل أحلامه ومن ثم تفضل عليه الآخر ـ فارس هذا الزمان ـ لتوافر الإمكانيات وتطابق الأطماع وسيادة لغة اليع والخديعة كل هذه التفاصيل الصغيرة تكثف معطيات الواقع وكأنها غير متعمدة ، لأن بنية القصة ترمى إلى البحث عن المثل العليا التائهة وسط زحام المارة وأرجل المتعجلين من هنا تصبح النهاية مبررة عندما يلمح بأن ضالته هى أنثاه ، لا تلك المخادعة سابقة الذكر فى المقطع السالف فالسعى والترحال فى النصوص ليس لمعالجة نماذج من تفاصيل الواقع بقدرما هى الرغبة فى الوصول إلى واقع أكثر رحابة . يحفل بالمعانى الخالدة " يحمل فى جوفه جنة خلد "

ولأن الغفوة هى المحرك الفعال أيضا فى قصة الرجل والمدينة " وضعت بندقيتى بجانبى ، حينما اسشتعرت بشى من الراحة .. رحت فى ثبات عميق .. هاهم الغرباء بزيهم العسكرى المريض " صــ 21 فالإنسان هنا غير مسمى والأعداء هم الغرباء بزيهم العسكرى البغيض ثمة توصيفات جاهزة تعمل كتقنية دالة فى القصص مرجعيتها ازدحام العالم بالوقائع الجسام والتفاصيل الهامة . البطل يواجه الغرباء فى مدينته حينا على هيئة هيرقلية فيقتل ثمانية من المطاردين العشرة له ثم نراه يفر مذعورا من الاثنين المتبقيين ويغفو فتتجلى كابوسية التفاصيل أكثر حدة وصرامة من دموية الوقائع . هذا التشابك لا يحيل إلى واقع بعينه أو مكان يمكن تحيده واتخاذه كرمز دال ؛ بقدر ما هو تعدد لأمكنة عدة فى جسد الوطن الأكبر وتشظى للأشقاء وإهدار للدم العرى هنا وهناك .

أما فى قصة قرية ميت مغلوب فهى القصة التى أخذت من سمات القصة التقليدية كل أنماطها وسلبيتها .

أفادت القصة من الحكاية ، فرسمت ملامح الأشخاص فى إطار مصالحهم ومهدت بالتعريف للأسماء فالقرية مسماة والشخوص تتحرك نحو إنتاج الحكاية ؛ والحكاية هى الشبراوى وسيدة البيضا " والصراع التقليدى بين طامعين مخادعين ؛ قاامت فيه سيدة البيضا / صاحبة التجارة الكاسدة بالتحايل على الشبراوى والزواج منه ؛ ولما نفدت من بين يديها كل الحيل فى إيقاف نجاح الشبراوى فى تجارته المتمثلة فى دكان البقالة الذى كان يبيع فيه " على النوتة " لأهله الريفيين ؛ سوى الزواج منه ولأن الكاتب قد مهد جيدا للخديعة القادمة وبسرد يلتحف بالحكاية ويبتعد عن الرؤية من الداخل غلب على القصة الطابع الاخبارى وتعرى النص من الغلالة الشفيفة التى تستره ، حين ذهب لرصد مكيدة سيدة البيضا التى أعدتها للشبراوى واستولت على "تحويشة عمره " وفرت هاربة . كان الشيراوى كشخصية مسرود عنها مهيأ تماما . كما كان القارئ قادرا على استحضار المثل الشعبى ( تجى تصيده يصيدك ) الكتابة على هذا المنوال يلحق بها سلبيات عدة أثناء السرد لأنها اتكأت على العادى وصاغته كمبرر للواقع وهو تعليل التسمية للقرية بميت مغلوب .. الكتابة اذن ليست رد فعل مباشر لما يحدث فى الواقع وليست تكأة للتعليلات بقدر ما هى احتواء وصهر وإعادة طرح بشكل جمالى .

أما الأقاصيص القصيرة فقد أخذت من سمات الحكاية بعض ملامحها ؛ فالخطاب القصصى منذ البداية يتضح أنه موجه للقارئ ربما لأخذ الحيطة بيد ان البعد الدلالى أكثر رحابة والمعادل الموضوعى كما نادى به ت . س . اليوت هو أن تلك الحكاية على قدر واقعيتها هى فى ذاتها تيمة رمزية لواقع آخر يقلق الكاتب ويدفعه للعزف مرارا على نفس الأوتار ؛ خاصة عندما يغلب عليه الحس الاصلاحى أكثر من الحس الفنى فنراه يتخلى عن أدواته التى اعتمد عليها فى تشكيل قصص جيدة كأنشودة الترحال والرجل والمدينة

ليتساهل فى طرح عالمه يقول فى الولد مليم فغاب عنا مليم .. بالأمس القريب . دخلت حارتنا سيارة فاخرة . سمراء اللون . نزل منها رجل فارع الطول . اسمر اللون . يرتدى بدلة أنيقة . ويتبعه ثلاثة رحال آخرين . أخذنا نتفحص الرجل . فتراءت أمامنا صورة الماضى .. انه مليم .. جرينا نحوه لنحتضنه . منعنا الرجال المرافقين له .. نظر إلينا باشمئزاز .. ركب سيارته مبتسما .. وتركنا نتخبط فى بحور دهشتنا " ق الولد مليم .

الأقصوصة قائمة على المفارقة منذ العنوان وحتى منع الحراس لهم باحتضانه ؛

أما النهايات عند الكاتب فإنها تحتاج الى وقفة هى مبررة أحيانا على أساس تقليدية التناول ، لكنها تسقط فى هوة ومثالب النمط يختتم قصة قرية ميت مغلوب بتصريح مباشر يطيح بها تما عندما يقول :ولهذا سميت قريتنا الحبيبة " ميت المغلوب " ويقل هنا وتركنا نتخبط فى بحور دهشتنا ـ انها دهشة الكاتب وحده ـ فالقارئ يتمكن من فض الغلالة الواهنة للرمز بسبب تقليدية الطرح واستنامته للمفارقة .

محمد الحديدى لا شك انه تمكن من طرح عالمه عبر تقنيات متعددة ومستويات سردية متنوعة لعبت فيها ذات الكاتب دور البطولة حين أعادت تشكيل ملامح الواقع من خلال مرآة تصوراتها ؛ ولعبت المفارقة فى الأقاصيص لعبتها ؛ واتضحت أكثر فى قصة "قرية ميت مغلوب ."



نخلص مما سبق أن مجموعتى فرط العتمة وأنشودة الترحال على الرغم من تباين طرق التناول وزوايا الرؤية فيهما إلا أن الرغبة العارمة فى الإضافة للمشروع القصصى وإذا كان مبروك أبو العلا احتفى بالمفردة الموحية و بالجملة المكتنزة على مستوى السرد فبدت متوهجة حين قاربت الكشف عن الخفى والغامض ؛ و " يمكن تحديد السرد المكتنز على مستوى الدلالة اللغوية باعتباره السرد المختبئ أو المدفون تحت السطح بصورة مكثفة للنص الذى يحتويه " (6)

فقد تمكن أيضا محمد الحديدى من استقبال الانعكاسات الواقعية على مرآة ذاته وإعادة إنتاجها نصا طويلا وممتدا يعج بالحياة الدافئة والخوف من كائن ما يتربص بكل ماهو مثالى وفعل الكتابة هنا يشكل وقفا للنزيف وفضحا لملامح الآخر / الضد ؛ وقد أضاف من خلال ذلك ـ وبحرفية القاص رؤيته للعالم عبر تواتر الصور وازدحامها وتشابكها وتداخل تفاصليها

ثمة كتابة فى المجموعتين لها طعم ومذاق ومتميز .

ــــــــــــــ

  • هامش
ـ أنشودة الترحال ـ قصص ـ محمد الحديدى ـ أصوات معاصرة 2005 م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...