ناعم زينب جيهان - عبدالحاكم بالحيا... شاعرٌ يحمل اللغة إلى حدودها القصوى

في المشهد الشعري الجزائري الحديث، يبرز اسم عبد الحاكم بالحيا بوصفه أحد الأصوات التي نجحت في أن توازن بين العمق الفكري والتجربة الوجدانية، بين القصيدة بوصفها كيانًا جماليًا حيًّا، والكتابة بوصفها فعل وعيٍ ومعرفة.
شاعر وباحث أكاديمي، وُلد ونشأ بين تفاصيل الجنوب الغربي الجزائري، حيث تلتقي الصحراء في هدوئها بالروح المجبولة على التأمل والتساؤل. يعمل أستاذًا للغة العربية في التعليم الثانوي، وأستاذًا متعاقدًا في التعليم العالي، كما ينشط في مخبر التراث الثقافي بالجنوب الغربي الجزائري في ضوء النقد المعاصر بجامعة النعامة، وهو أيضًا حاصل على عضوية مؤقتة سابقا في الاتحاد الدولي للغة العربية.
منذ بداياته، لم تكن الكتابة عند بالحيا مجرّد تعبيرٍ عن الذات، بل كانت رحلة في جوهر اللغة، وسعيًا لاكتشاف الإنسان في أكثر حالاته هشاشة وعمقًا. استطاع أن يبني مسارًا أدبيًا متزنًا جمع فيه بين الحسّ الشعري، والفكر النقدي، والبحث الأكاديمي، ليكوّن بصمةً فريدة في الساحة الثقافية الجزائرية والعربية.
إصدارات تكتب سيرتها الخاصة
أصدر عبد الحاكم بالحيا إلى اليوم ستة أعمال، تنوّعت بين الشعر والدراسة الأكاديمية، وجميعها تحمل في طيّاتها مزيجًا من التأمل، الوجدان، والرؤية الفلسفية للحياة والوجود.



من أبرز مؤلفاته:
حلّاج النهايات (2021) – ديوان شعري عن دار ميم.
ثُر كي أراك، ثُر كي أحبّك (2022) – مجموعة شعرية عن دار خيال.
الخطاب والتلقي (2023) – دراسة علمية أكاديمية.
أبناء السماء يرحلون باكرًا (2023) – مجموعة شعرية عن دار فكرة كوم.
هاء ياء، ملكوت الهباء (2025) – ديوان شعري عن دار كلاما.
نظّارة ويد وكيس فارغ (2025) – عمل شعري عن دار خيال.
تتنوّع موضوعات دواوينه بين الوجداني والميتافيزيقي، بين الحب والمقاومة وسؤال الوجود، لتصبح القصيدة عنده فضاءً للبوح الفلسفي والبحث عن المعنى.
وفي عمله الأخير “نظارة ويد وكيس فارغ”، يهدي بالحيا قصائده إلى روح الكاتب الراحل بوداود عميّر، مستحضرًا سيرته بوصفها رمزًا للمثقف الحقيقي، ومقدمًا عبر اللغة رثاءً يضيء أكثر ممّا يبكي.
أما في “هاء ياء، ملكوت الهباء”، الصادر مؤخرا أيضا، بالرغم من أنه يحتوي نصوصا كُتبت من سنوات خلت، فيغوص حاكم بلحيا في تجربة الوعي بالعدم والخلود، حيث تتحول اللغة إلى مرآة للغبار الإنساني الذي نحاول أن نصنع منه نورًا. هي قصائد تشبه صلاة طويلة في حضرة المعنى، تُصليها الذات في مواجهة الفراغ. تتجلى فيها المرأة بوصفها رمزًا للحياة والقصيدة معًا، فهي البطل الذي ينتصر تارة وينكسر تارة أخرى، بينما يشكّل الحب الخيط الذي يوحّد جميع تجاربه، هي رؤية تجعل من شعره ساحةً للدهشة، ومساحةً يتجاور فيها الحنين والفكر، والجرأة والخجل، في آن واحد.
رؤية شاعر وباحث:
ما يميز عبد الحاكم بالحيا أنه شاعرٌ لا يكتب بعاطفةٍ منفلتة فقط، بل بعقلٍ ناقدٍ يزن الكلمة بميزان الفكر؛ فهو شاعر لا يكتفي بالقول الجميل، بل يُحاور المعنى بوعي فلسفي، ويجعل القصيدة ساحة لامتحان اللغة أمام أسئلة الوجود. وإلى جانب اشتغاله الشعري، أسّس لمسار معرفي جادّ من خلال مقالاته ومداخلاته، التي تركز عموما على العلاقة الجدلية بين الخطاب والمتلقي والسياق في ضوء مقولات النقد والفكر المعاصر، مؤكّدًا أن الأثر الإبداعي في جوهره فعل تواصل لا يكتمل إلا بالآخر.
وتُظهر كتاباته النقدية والمقالات العلمية المنشورة له في مجلات وطنية وعربية ودولية قدرةً واضحة على دمج الحس الجمالي بالتحليل العلمي، وهي ميزة نادرة تجمع بين الشاعر والباحث في توازنٍ دقيق.
جوائز وتكريمات:
نال عبد الحاكم بالحيا جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للمبدعين الشباب في مجال الشعر الفصيح عام 2014، تقديرًا لإسهاماته في تجديد الخطاب الشعري الجزائري، كما حصل على جائزة “تلك الأشعار” الدولية سنة 2021، اعترافًا بتميّزه الأدبي وفرادته الأسلوبية.
الثورة والحب والإنسان... مثلث الإلهام
في معظم دواوينه يتقاطع الحب مع الوعي، وتنهض الثورة إلى جانب الفكرة، ليكتمل مثلث الإلهام بالإنسان وهو يواجه مصيره. ليست الثورة في قصيدته حدثًا عابرًا، بل موقفًا من الوجود، وشكلًا من أشكال البحث عن الحرية والمعنى. أما الحب، فيتحول إلى طاقةٍ معرفية وروحية، تُعيد الإنسان إلى جوهره الأصيل. وهكذا يقيم عبد الحاكم بالحيا في شعره توازنًا نادرًا بين العاطفة والفكر، بين المقاومة والدهشة، لتغدو القصيدة عنده ساحةً يتجاور فيها السؤال والنبض، والفكر والإنسان، في نسيجٍ واحد.
إشعاع ثقافي يمتدّ:
بفضل حضوره المتواصل في الملتقيات الأكاديمية والندوات الأدبية داخل الجزائر وخارجها، استطاع عبد الحاكم بالحيا أن يُكرّس صوتًا ثقافيًا جزائريًا أصيلاً، يُعيد للقصيدة العربية هيبتها الفكرية، ويمنحها امتدادًا إنسانيًا يتجاوز الجغرافيا.
إنه شاعر لا يكتب ليُقال عنه شاعر، بل ليفتح بالقصيدة أبواب التأمل في الإنسان والوجود، وليذكّرنا أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون بيتًا للروح، ومرفأً للمعنى في زمن الضجيج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...