العربي عبدالوهاب ـ رسالة لم تكتمل .. والبحث عن الزمن المفقود، فى قصص حمدية رفاعي

أعتقد أن الاستعانة بعنوان رائعة مارسيل بروست ليست من قبيل المصادفة، أو لوجود علاقة وثيقة بين قصص حمدية رفاعى(*) والملحمة الروائية الكبيرى (فى البحث عن الزمن المفقود) .. بقدر ما تمثله أزمنة الطفولة الانسانية من براح وصدق، وشفافية، وما من كاتب أو كاتبة إلا ويتابع من زاوية ما مقدار تحولات الزمن من خلال عين كلها دهشة، ورفض وإستياء، لما تحدثه التحولات الزمنية فى الشخصيات التى يقوم بتناولها، ومن ثم يتم رصد الأضرار الواقعة على حياة هذه الشخصيات بفعل الزمن، فمفهوم الزمن هنا هو يمثله من حجم التحولات العميقة فى مسار العادات والقيم فى حياة البشر وإنعكاسها على مخيلة الكاتبة التى رصدت مجموعة كبيرة من الشخصيات عانت من أفاعيل الزمن، ونلحظ اهتمامها الكبير بالتنقيب فى الهوة التى أحدثها تلك التحولات وكم الانكسارات والشروخ على الروح الانسانية.

توزعت قصص المجموعة على أنماط ثلاثة هى على التوالى:

قصص تقليدية ناضجة (البيت الريفى، والقرنفلة والقدر، حين يخلع البلطجى أسنانه)

قصص البورتريه ( عشرة قروش، الخالة سكرة، الغريب، ليلتان لا ينساهما، سعيد جميل، متولى بن لبدة)

وبقية قصص المجموعة تندرج تحت ما يسمى بقصة (الحالة).

كما نرى فى ( قصص ولكنها رسالة لم تكتمل، المجداف والملاح ، الوجوه الأربعة ، من مذكرات أستاذة جامعية، هذه ليلتى ، فى الركن البعيد الهادئ، أغانى الثمانينات، الأوامر لم تأت بعد، المراهقة)

ولن أكون مغاليا إذا قلت بأن (تيمة الفقد) التى تتكئ عليها قصص المجموعة تتسع وتتعمق حتى تصل الى حد (الضياع).. كما قدمت الكاتبة فى أول قصص المجموعة (البيت الريفى) .. فهل كانت حركة القطار، هى حركة موازية لحركة الزمن وتحولاته، فى تبديل الشخصيات، تسعى الكاتبة لاكتشاف ما تم فقدانه ، فى حياة الريف المصرى المنوط به المحافظة على القيم أكثر من المدينة ذات الايقاع السريع.

تحقق الكاتبة من خلال قصتها صحة المأثورات الشعبية فى تجسيد وتحقق المثل الشعبى (يا مربى فى غير ولدك، يا بانى فى غير ملكك) عانت الجدة عزيزة من كونها عاقر، أشد المعاناة، فقد رضيت بتربية ابنة وابن لجارة متوفاة، واتخذت منهما طفليها، ولكن الزوج لم يكن رحيما بها، كما دار الزمن دورته، وتزوجت الطفلة، وسافرت، وها هى تعود، لتروى لنا مأساة السيدة التى قامت بتربيتها، فتجدها قد أصابها المرض، والعمى، وحاصرتها خيلات الماضى ، فماذا حصدت بعد أداء رسالتها كزوجة أب ربت طفلا وطفلة؟ ،غير نكران الجميل من إبن زوجها التى ظنت أنه سيكون لها سندا، إستسلم لادعاءات زوجته/الوجه القبيح للتحولات الزمنية، محققة صدق المثل الشعبى القائل (يا مربى فى غير ولدك.. يا بانى فى غير ملكك) ، بادعائها أنها كانت سترعاها لو كانت أمه الحقيقية.

تنتقل السيدة للعيش فى كنف أخيها، يتنازعها الماضى والحاضر والمرض .

تقدم الكاتبة نموذج مختلف تماما لزوجة الابن، فى قصة (القرنفلة والقدر)، نرى زوجة الابن رحمية عطوفة، تحتفظ بالخرزات التى على شكل القرنفلة لحماتها، وتضعها حماتها كتميمة فى أنفها لتدرأ فقدان الابن، حيث أن الحماة أنجبت من الأبناء كثرين، ولكنهم كانوا يموتون تباعا، ماذا تفعل (الأم) أمام سلطان الموت الذى يتخطف منها أبنائها صغارا واحدا بعد الآخر، وهى عاجزة.. حتى رأت رؤيا، فتجهزت برفقة زوجها، وقامت برحلة كأنها من رحلات ألف ليلة وليلة، الى الصحراء، لتلتقى بشيخ ورع، يقدم لها البشرى والنبوءة والتحذير، فقال لها: أنه يتوجب عليها فعل ثلاثة أمور، حتى يقضى الله حاجتها، أولا: تقوم بتزويج زوجها من أخرى، ثانيا تقوم على خدمتهما لمدة أسبوع، ثالثا: تحافظ على الخرزة فى أنفها مدى الحياة، وسوف يرزقها الله بولد وحيد، قدره مرتبط بمحافظتها على بقاء القرنفلة فى أنفها، ، وسوف يرزق الله زوجها من المرأة الأخرى بذرية كبيرة ، وسوف يرزقها الله بولد وحيد، وسوف يعيش إذا حافظت على القرنفلة فى أنفها.. الجميل فى القصة هنا هو تحول التميمة الى هاجس مرضى، يعانق الأم، ويسير حياتها، هنا نلاحظ توكيد الكاتبة على دور الوعى الريفى، وحجم سطوة الموروثات والمأثورات الشعبية، وقناعة الشخصيات بذلك حد الهوس، مما يعكس ـ فى باطنه ـ إدانة واضحة يتضمنها النص.

  • فى قصص (البورتريه) وهو مصطلح يمكن استعارته كشكل من أشكال التعبير فى الفنون التشكيلية، لرسم ملامح الوجه، وفيه تقوم الكاتبة برسم شخصيات فنية، عبر تصوير جوانب هامة ومؤثرة من حياتهم، نستبين تلك التفاصيل، من خلال هوامش خافية علينا، تتعايش معها الكاتبة وتستبطن أعماق شخصياتها وتناقش مآسيها بلوعة وحزن مشوب بالأسى، " هل سأل عنه أهله حتى أصابهم الاعياء فاستكانوا؟ ، ألم يؤلمه الشوق حنينا الى مكان مولده وصباه فى ساعة خلوة؟ ألم يتزوج؟ ألم ينجب؟ .. كيف تخلى عنه أهله؟ وأى جريمة اقترفها؟" ق الغريب .. سيل من الأسئلة لا يتوقف جريانه على الورق، كأنها سريان الوعى الباطنى، لفض ما يجترح وعى الراوية، عن هذا الغريب الذى عاش ومات فى بلد بعيد، هاربا من ثأر، تاركا وراءه، حياة ذات جذور وملامح، خلفها وراءه، ليعيش غربته، وينأى بنفسه عن الموت، وإذا به يعيش موتا من نوع آخر، موت من شخص مجهول، لا يقدر على البوح بسره لأحد، وفى النهاية يموت غريبا ويدفن فى مقابر الصدقة.
وإستكمالا للسرد عن المهمشين، البؤساء فى قصص المجموعة، نجد شخصية (سعيد جميل) الذى يعيش فقره وبؤسه وحيدا، ويموت ميتة غريبة، هل لأنه كان يعيش على قنص العصافير وذبحها، فيظل موته وقطع لسانه لغزا لا تفصح عنه الكاتبة.

أيضا من الشخصيات الجميلة المرسومة بعناية شخصية (الخالة سكرة) بوسطجية الغرام فى الأزمنة القديمة، وبواسطتها يتم التواصل مع الصيادين فى البحيرة، وذويهم من أهالى القرية ، ونتيجة لعملها صار صوتها ذكوريا، وفى هذا إشارة لخصوصية دور المرأة العاملة، وتأثير طبيعة العمل على ملامحها وصوتها، واستعياب مجتمع القرية لدورها الحيوي فى حياتهم، ولعل الجملة الأخيرة تعبر عن تقدير الكاتبة لهذه الشخصية "وإنصرفت بسوادها كطيف مفاجئ، فخرجت من باب الدار وأنا أتابعها، وهى تخترق الطريق يلاطم ملسها الأرض" ق الخالة سكرة.

ومن الشخصيات التى أجادت الكاتبة فى وصفها، شخصية (عامل المدرسة) سمح النفس، خفيف الروح الذى يعيش وحيدا، يلجأ للظلام عند النوم فيتخيل جنيا أفريقيا عند سريره، والليلة الأخرى التى قضاها محبوسا على ذمة جريمة قتل هو برئ منها، ولكن حظه العاثر وخوفه من الدماء أسقطت هويته بجوار القتيل. قصة (ليلتان لا ينساهما)

تتعدد الشخصيات وتتنوع فى المجموعة حيث نطالع رؤية فنية متجاوزة فى القصة الجميلة ( عشرة قروش) فعلى الرغم من استهجان أهل البلدة لهذا الرجل التاجر المرابى، وضعف شخصيته أمام تسلط ابنته عليه، وعلى أمواله بعد موته، لكن تتبقى فى ذاكرة الطفلة/ رواية القصة ذكرى جميله تحملها له، ولا تنساها، حين إستوقفها ذات يوم، وقام بسؤالها عما تحفظ من القرآن، وطلب منها تسميع سورة مما تحفظ، ثم قام بتشجيعها ومنحها (عشرة قروش)، مكافأة لها، فهل يحصل على المغفرة بدعائها له، رغم سيرته غير الحسنة على ألسنة أهل البلدة، بقيت تلك الذكرى فى قلبها، وبقى الدعاء سريا، وفى هذا تلميح للقارئ بعدم إطلاق الأحكام على البشر بصلاحهم أو فسادهم، فالرب الغفور هو الذى يعلم ما خفى من أمور مخلوقاته.

نلاحظ أيضا الدكتور القادم بعلمه المتخصص فى الحاسب الآلى، وحجم الهوة العلمية بينه عقليته الفارقة، وبين طلابه، وقدر محدودية تفكيرهم بعدم الانشغال بما يقدمه من علم متقدم، و البحث والتنقيب فى سيرة حياته الخاصة .. وبيئته الفقيرة التى خرج منها .. فى قصة (متولى بن لبدة).

  • فى بقية قصص المجموعة تتجسد خلالها قصص (الحالة).. وهى قصص ترصد حالات خاصة، تلعب الذات فيها دورا محوريا بحضورها المضئ، الرشيق، يغلب على القصص السرد الرومانسى، كما فى قصة (ولكنها رسالة لم تكتمل)، نلاحظ رحيل صاحبة الرسالة عن عالمنا، وبقاء رسالتها وكلماتها المشحونة بشاعرية مفرطة حاضرة ومؤثرة ، لتعبر عن حجم مأساتها الخاصة فى تفريق العوازل والحاسدين لهما، رحلت وبقيت كلماتها، تحتل مساحة النص وتسيطر عليه .. ونفس الحال فى قصة المراهقة التى تقع ضحية شاب يشغلها بمعسول الكلمات، مشغول بذاته فى عيون الأخريات، كاذب ومخادع، ولا يثق فى اللقاءات العابرة، ويعد الفتاة، ويخلف وعوده، تاركا إياه تكتشف مرارة الحياة وإكتشاف شخصيته المحادعة مع الأيام.
الواقع يكشف خطأ الجمع بين العقلاء والمجانين فى إحتفالية واحدة نظمها قصر الثقافة، حيث ساد الهرج وبان تسلط أحد المرضى على الاحتفال، قصة (هذه ليلتى). تعود المعلمة بتلك الحالة من الرعب، لتقوم بسردها معبرة عن بحث البعض عن الشهرة والمجد بطرح أفكار غرائبية مثل الجمع بين مجتمع العقلاء، وجمع من المرضى نزلاء مستشفى المجانين فى حضور إستعراضات عن الفنون والرقصات النوبية.

فالبنت فى قصة (من مذكرات أستاذة جامعية)، لم تزل تبحث عن ذاتها، تارة فى الرقص الايقاعى، لكن الأم ترفض هذا الطموح، فتلجأ للعلم حتى تصل لأعلى المراتب، فهل تتمكن من تجاوز الوعى السلفى لمجتمع، يرفض التفاعل مع معطيات الواقع الحديث، لا يقدر قيمة العلم ويصنع باستمرر الفخاخ، فى طريق كل من يسعى للنهوض.

  • وضمن قصص (الحالة).. نلاحظ قصصا ترصد حالات خاصة، تلعب الذات فيها دورا محوريا بحضورها المضئ، الرشيق، يغلب عليها الحس الرومانسى، كما فى قصة (ولكنها رسالة لم تكتمل)، نتابع رحيل صاحبة الرسالة عن عالمنا، وبقاء رسالتها وكلماتها المشحونة بشاعرية مفرطة حاضرة ومؤثرة ، لتعبر عن حجم مأساتها الخاصة فى تفريق العوازل والحاسدين لهما، رحلت وبقيت كلماتها، تحتل مساحة النص وتسيطر عليه .. ونفس الحال فى قصة المراهقة التى تقع ضحية شاب يشغلها بمعسول الكلمات، مشغول بذاته فى عيون الأخريات، كاذب ومخادع، ولا يثق فى اللقاءات العابرة، ويعد الفتاة، ويخلف وعوده، تاركا إياه تكتشف مرارة الحياة وإكتشاف شخصيته المحادعة مع الأيام.
الواقع يكشف خطأ الجمع بين العقلاء والمجانين فى احتفالية واحدة نظمها قصر الثقافة، حيث ساد الهرج وبان تسلط أحد المرضى على الاحتفال، قصة (هذه ليلتى). تعود المعلمة بتلك الحالة من الرعب، لتقوم بسردها معبرة عن بحث البعض عن الشهرة والمجد بطرح أفكار غرائبية مثل الجمع بين مجتمع العقلاء، وجمع من المرضى نزلاء مستشفى المجانين فى حضور استعراضات عن الفنون النوبية.

فالبنت فى قصة (من مذكرات أستاذة جامعية)، لم تزل تبحث عن ذاتها، فى الرقص، والفنون تارة، فترفض الأم هذا، تلجأ للعلم حتى تصل لأعلى المراتب، فهل تتمكن من تجاوز الوعى السلفى لمجتمع، يرفض التفاعل مع معطيات الواقع الحديث، لا يقدر قيمة العلم ويصنع باستمرر الفخاخ، فى طريق كل من يسعى للنهوض.

  • لا يمكن إغفال محاولات الكاتبة البحث عن نغمات متعددة لأدائها السردى، فالقصص تفاوتت فى مدى اقترابها وإبتعادها عن الواقع، وهنا أعنى الواقع الفنى، لا الواقع المعاش، فالقصص الأولى كانت طويلة نسبيا، لكنها تمكنت من تناول مفاهيم الوعى ومستوياته، على سبيل المثال فى توفير زوجة الابن للقرنفلات / التمائم .. فى قصة (القرنفلة والقدر) ليس معناه قناعة منها بحجم وتأثير هذه القناعات الشعبية، وسريانها عليها، بقدر ما تجسده من رغبة فى ارضاء حماتها.
  • أما قصص الحالة فقد توقفت بعض قصصها مثل (ولكنها رسالة لم تكتمل، والمجداف والملاح، ومقاطع من قصة المراهقة) عند جماليات اللغة، ولم تسع إلى قراءة عوالمها بقدر ما أوغلت فى إجترار الذات وسؤالها، بالاضافة لولع الكاتبة بالأداء اللغوى، وشاعريته التى تأتى مفرطة أحيانا وتعرقل مسارات القصص.
من الواضح أن هذه المجموعة هى الاصدار الأول للكاتبة ولذلك تفاوتت مستويات القصص، ووضحت رغبة الكاتبة فى الوصول إلى سمات أسلوبها الخاص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) حمدية رفاعى ـ قصص رسالة لم تكتمل ـ إقليم شرق الدلتا الثقافى ـ فرع ثقافة كفر الشيخ ـ هيئة قصور الثقافة 2017

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...