ناعم زينب جيهان - شحيمة نخلة.. حين يُصبح النور طريقًا، والحكاية ولادةً من رحم الآيات

في عالمٍ تتنازع فيه الأصوات وتتسارع فيه الخطى نحو المادي، تولد بين دفتي الكتب روح مختلفة… روحٌ اختارت النور بدل الضجيج، والسكينة بدل الصخب، والقرآن بدل الحيرة. من هناك، من عمق مدينة بوسعادة الجزائرية، تحديدًا من بلدية عين الريش، خرج صوتٌ أنثويٌّ هادئ لكنه عميق، اسمه شحيمة نخلة — كاتبة جعلت من كتاب الله بوصلتها، ومن الآيات مرجعها في كل خطوة من رحلتها الإنسانية والفكرية.
شحيمة نخلة، البالغة من العمر خمسةً وعشرين ربيعًا، هي ابنة طريقٍ لا يبدأ بالشهرة ولا ينتهي بها، بل يبدأ من القلب وينتهي عند الله. درست البيولوجيا (ليسانس وماستر)، فتعرفت على أسرار الخلق من منظور العلم، لكنها وجدت أن أعظم مدرسة دخلتها كانت مدرسة القرآن، حيث تدرّبت روحها على الثبات والسكينة، وتعلمت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالدرجات الأكاديمية بل بالقرب من الله.
تقول الكاتبة في مقدمة سيرتها:
"ما كان حفظي للقرآن إلا فضلًا من الله وحده، لا حول لي فيه ولا قوة، ولا فضل ولا مقام يُذكر أمام جلال عطائه. قاعدة كل نجاح هو كلام الله."
هذا الإيمان العميق لم يبق حبيس القلب، بل تجسد في أربعة مؤلفات روحية شكّلت مشروعها الإبداعي والإيماني، حيث تتقاطع التجربة الإنسانية مع النور القرآني في رحلة تحول وعودة إلى الله.
1. بصائر القرآن:
2. "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"
كتاب يوقظ البصيرة، لا ليفسّر الآيات تفسيرًا تقليديًا، بل ليُذوّقها للقلب تذوقًا. هو دعوة إلى أن نقرأ القرآن بوعي الروح لا بعين العادة. جمعت فيه الكاتبة آياتٍ أيقظت الروح وبدّلت الاتجاه، فكان بمثابة خريطة للعودة من التيه إلى الطريق الأقوم.



2. وتين من السراب إلى اليقين:
رحلة صادقة من التعلق المرهق إلى التوكل الصادق.
يحكي هذا الكتاب عن القلب حين يفتنه السراب، فيسعى خلف حبٍّ ناقص أو رغبةٍ فانية، حتى يطفئ النور في داخله. لكنه أيضًا حكاية التوبة التي تعيد الروح إلى صفائها، واليقين الذي ينهض من رماد الضعف.
تكتب شحيمة هنا بلغةٍ شاعرية شفافة، فتجعل القارئ يعيش مراحل السقوط ثم النهوض، كأنه يتطهّر بين السطور.
3. مرفأ السكينة:
في هذا الكتاب، تفتح الكاتبة نوافذ القلب على معنى الطمأنينة، وتروي كيف يكون القرآن رفيق الدرب لا مجرد كتابٍ محفوظٍ في الرفوف. هو خلاصة خطوات صغيرة، لكنها ثابتة وصبورة، نحو السكون الداخلي والرضا.
تجعل من "مرفأ السكينة" دليلاً عمليًا للنفوس التي تبحث عن الأمان في عالمٍ يضجّ بالقلق، وتؤكد أن السكينة لا تُهدى، بل تُربّى بالذكر والمجاهدة والصبر.
4. سلسلة النور:
مشروعها القرآني الأكبر — رحلة بين قصص الأنبياء من آدم إلى محمد ﷺ.
تسرد القصص بروحٍ جديدة تُعيد المعنى الإيماني الأصلي للدعاء، والصبر، والابتلاء، واليقين.
من توبة آدم عليه السلام إلى دعاء زكرياء، ومن صبر أيوب إلى ابتلاء إبراهيم، حتى نصل إلى الرحمة المهداة ﷺ، تُقدّم الكاتبة رؤية تربوية روحية تربط بين تجارب الأنبياء وتحديات الإنسان المعاصر.
شحيمة نخلة لا تكتب لتُعجب، بل لتُحيي.
في كل نصٍّ من نصوصها، تلمح القارئ أنفاسًا من التوبة، وإشراقاتٍ من نور اليقين. كتاباتها ليست تنظيرًا دينيًا ولا دعوةً خطابية، بل تجربة وجدانية صادقة تُروى على مهلٍ، كما تُروى الحكايات التي تُحكى في السحر حين تخلو الأرواح بربّها.
تسعى الكاتبة من خلال مشروعها إلى أن تكون الكتابة وسيلةً لإحياء الصلة بالقرآن، وأن تُعيد للقلب وعيه بعد غفلته، وأن يكون ما تخطّه الأقلام سببًا للهداية لا للمجد. تقول في ختام سيرتها: "أن يكون ما يُكتب وما يُقال مما يرضي الله، وأن يجد القارئ في هذه الصفحات ما يمس قلبه ويعيده إلى النور. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب."
شحيمة نخلة هي نموذج لجيلٍ من الكاتبات الجزائريات اللواتي وجدن في الكلمة طريقًا إلى الله، لا إلى المنصات. في زمنٍ كثرت فيه الأصوات، اختارت أن يكون صوتها همسًا خاشعًا، وأن يكون قلمها من نورٍ يضيء للآخرين درب العودة، من السراب إلى اليقين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...