العربي عبدالوهاب ـ (طعم الوجع) .. بين الشعر والسرد والغناء .. قراءة فى قصص (الدكتور إبراهيم عطية)

عندما يأخذنا الوجد للغناء، يتماهى السرد فى فيوضات المشاعر، وتتجلى للكاتب الأشياء من حوله مثل سيموفونيات، لا يتوقف فيها العزف، ولا تخلص من جعبتها الأصوات، كأنها إتحاد نغمات متعددة، لأوجاع شتى.

والغناء يرافق فرضية الفرح ، لكنه هنا إبنا شرعيا للوجع.

وطعم الوجع (1) مذاقه مـرٌ، وتذكره أشد مرارة، ولتخفيف كل ما سبق؛ يكون الغناء، والشعر، وإستنهاض الموروث الشعبى بكل طبقاته، حيلة فنية لتعميق التجربة، فالكاتب ليس الوحيد المعنى بالحزن والأوجاع، بل هو مغنى وراوى القبيلة، وسارد حكاياتها، والمبلغ عنها ما ألم بها.

طعم الوجع المتخمة بالألم ، والانتكاسات العاطافية، مكتوبة برومانتيكية الحالم المهزوم، وبروح الشاعر الشعبي، الذى يستلهم لغته وبلاغته الشعرية من مخزوناته وثقافته العميقة " يسعد صباحك يا نيل

يا أبو المقام عالى

اغسلنى فى جنتك واورينى

رجعنى للحبيب الغالى ..

إنى مسنى الشيطان بسحر السفر والترحال , تطيبت بريح المسك والعنبر قدام مقام سيدنا الحسين , ونويت أصلى ركعتين لله أن يخرجنى منها بسلام ..

حنين الشوق يشدنى للنهر .." ق بدء


لا بدء، ولا إنتهاء للوجع، هو معزوفة لا تنتهى؛ تجدد نفسها لدى الكاتب كلما أمعن النظر فى أى شئ، " حمال الهموم يا صغير , والليل نهار غرقانة شمسه فى النيل , هزتنى ريح السكات فوق برج الجزيرة .

الحمل ثقيل والقاهرة لا ترحم "ق بدء


فى القصة الأولى التى تحمل عنوان (الوجع) يهيم الكاتب بين الجامعة، والزملاء، بين الغناء فى الأوبرا والغناء الشعبي، ضائعا فى المكان، بين مدينة واسعة تلتهم خطواته، ولا تمنحه غير الوحدة، والقلق والحزن، وبين قريته التى تناديه، وكأنه دوما فى حنين لطفولته، رافضا الايقاع السريع للحياة، إيقاع من شأنه تأجيج الوجع، تفجير الجروح العميقة بقلبه" المسافة باقية بيننا بامتداد النظرات المتسترة جبال الصمت , وصوت الحمام يبعث برسالة الشوق .. يطير من فوق قبة الجامعة إلى الأبراج – هناك – خلف دوار العمدة" ق الوجع

لذلك فهو ينتظر فى قصة (مس الروح)، أن تهل عليه الحبيبة بوعيها المتجاوز لكل سلبيات المدينة وزيف مشاعر أهلها، عابرة تلميحات الزميل الواهم أن كل البنات واقفة على أعتابه، تكسر هى تلك الأكاذيب وتعلن عليه حبها، سائلة إياها حول إيمانه (بتلاقي الأرواح) وهو العائش باستمرار منغلقا على ذاته وغنائه، ووحدته، كأنه انتظار الحالم أن تصالحه المدينة الرامزة للزميلة الجامعية، وتتقدم إليه معلنة له عن حبها، بذلك يشير الكاتب بدلالة عميقة عن الهوة الشاسعة بين البطل فى معظم القصص، وبين المدينة، هوة من شأنها أن تخلق عدة ثيمات مثل :ـ (الغربة ، إنكسار الحلم على أعتاب الواقع ، الغناء)


  • الغربة.
معظم التيمات السابقة تتجلى فى غالبية نصوص المجموعة، إلا أننا لابد لنا من وقفة أمام قصص بعينها للقراءة، ولرصد تحقق تلك التيمات، وإستقرارها بعمق فى أغوار النص, تتحقق الغربة فى قصص ( الوجع، مس البدن، على بعد ساعات من النهار، حديث تليفزيونى، بقعة الدم) يتفصد عن الغربة مشاعر عميقة، ربما تنتهى بالموت كما فى قصة بقعة الدم، أو بالأوجاع الروحية، كما فى قصتى الوجع ومس الروح، أو بالضياع كما فى قصة على بعد ساعات من النهار" الساعة تمر مسرعة وهذه المدينة تضيق ذرعاً بمن فيها ، وأنا وأنت غريبان ، حين امتطيناها . كان الأمل المشرق يجذبنا نحوه ، وستائر الغيب مدلاة على أبوابها .

و القطار الذى سيغادر الرصيف بعد دقائق قليلة يزأر"..
لكن القطار لم يزأر، ولم يحضر فى موعده، وتأخر، فتأخر كل شئ، تجمعت الحشود فى الميدان فى انتظار القطار/ رمز الحياة وميقات تحققها، ولكن كان القطار فى معية المسئول الكبيرالذى أوقف الحركة والحياة فى الميدان لصالحه فقط، هذا الزحام المتأخر عن الوصول لغاياته، لا تضبطه سوى القوة المتمثلة، فى الحراس، بأياديهم الهراوات، والأسلحة، والبطل برفقة صاحبه يندبان حظهما وقد تركا ـ تقريبا ـ ندوة أدبية، من أجل العودة لمدينتهما البعيدة، صار الزحام مرافق لخلق الغربة التى جمعت حشودا مستاءة من عدم الانضباط وتبخرت أحلام عودتهم فى قطارتهم التى تأخرت عن موعدها.. تماما كما ضاعت الورقة الصفراء، تلك الورقة التى حملت حلم صاحبها فى صرف مستحقاته من بنك الرافدين بعد غربة طويلة دامت فى بلد شقيق، إنتهت بعودته لبلده ـ نتيجة الحروب الدائرة فى المدينة ـ دون تحصيل أجره، عادوا من غربتهم وليس فى حوذتهم سوى ورقة صفراء، بمثابة الحلم، ولكن حالت عنجهية وغطرسة القوات التى يجب عليها المساهمة فى تحقيق الحلم وصرف الورقة البنكية، أن فرضت سطوتها، وضربت وفرقت، الحشود، بغية تحقيق الأمن، لكنه لم يتحقق، وتلقى البطل ضربة عصا، إنتق على إثرها للمستشفى، ولما بحث عن ورقته البنكية/ حلمه البعيد، وجد أنه فقدها بين الزحام والحراس، وسطوة المدينة القاهرة.

فى قصة بقعة الدم تتعدد الأقاويل حول موت شاب أو صبى فى حادث على الطريق، وتتمحور القصة فى لقطة بارعة، حينما تنتهى الأمور وتحمل الاسعاف الجثمان ، وينفض الجمع، يدوس الجمع على نقطة الدم، دون مراعاة لحرمة الدم "ازدادت رشاشات السماء ورخت على الأسفلت سيلا من المطر الشديد ، وهرول المارة فى قلب الشارع ، بينما الأقدام تدهس بقعة الدم التى ذابت فى قلب الطين ."

إذن هذا الاختلاط المتعمد الذى تم بمساعدة السماء، وهطول المطر، وتفاعله مع التراب، وتحوله إلى طين، غطى بقعة الدم، كل هذا دلالة على إجتماع جميع الأطراف على التغطية على الحقيقة، ومن المسئول عن موت الصبي، وكما إنفض الجمع، سوف تمر الحوادث، ويستمر نزيف الأسفلت دون رادع.

وكما أشار الكاتب فى الأسطر الأخيرة للبعد الدلالى بالمقطع المذكور، الذى حمل رؤية القصة وعمل على تعميقها، كذلك فى حديث تليفزيونى، يستعد الفنان، من الواضح أنه إبتعد عن الأضواء لفترة، أو إبتعدت عنه الأضواء لانحسار نوعيات الفن الراقى الذى يقدمه، ولكن المفارقة تتحقق فى الجمع بين زمنين، فى الوقت الذى كان يستعد فيه بتجهيز أفضل حلة عنده كى يستعيد مجده على شاشات التلفاز، تقرأ المذيعة على المشاهدين نعيه، مع أسمى آيات العرفان بفضله فى الرقى بمسيرة الفن، لماذا إذن كان التغافل عنه؟!!

ثم معاودة ظهوره، تلك الحيل الفنية، هى التى تساهم فى صناعة الحبكات الفنية للقصص، وتبرز محتواها الدلالى.




  • إنكسار الحلم على أعتاب الواقع.
للانكسار فى طعم الوجع ألوان شتى، تتجلى فى مشاعر البطل الفياضة بالحياة، والرغبات، والآمال العريضة، والانكسارات المتوالية، ثم النهوض والقيام، حالة من المراوحية بين حالتين، الحلم والواقع، التحقق ، والانهزام، النهوض والسقوط، ذلك الواقع بفرضياته هو ما يجذب السارد من أحلامه الرومانسية ليستفيق على أعتاب مدينة لا تبادله سوى ـ حسب قانونها الخاص ـ غربة، وانكسارا، لا ترفق به، حتى الالتماعة الخفيفة فى قصة مس البدن، لا تتكرر تجليات حضورها فى أى نص أى ؛ على العكس نتابع تجليات إنكسار الحلم على أعتاب الواقع، فى الأقاصيص القصيرة المعنونة بـ ( تنويعات على لحن الوجع) وتضم حالات من القص كل نص يحمل مفردة واحدة دالة على أتساع الرؤية، وهى على النحو التالى (إختيار، عقود الياسمين، رسالة، حلم، إمرأة، خوف، ضعف) حيث تختار البنت حسب رغبة عائلتها العريس الجاهز، بالرغم من عدم حبها له ، ولماذا يكون الاختيار هكذا؟ لأن العربة المرسيدس الفارهة فى الحالة الأولى (إختيار) وقفت بين الفتى والفتاة، ومزقت العلاقة بينهما، فى توكيد لسطوة المادة على القلوب والأحلام، وتراجع الانسانيات أمام الماديات " ما بى بك

وما بك بى "

قال الولد للبنت وتعاهدا على قهر الظروف

وقفت سيارة مرسيدس بينهما

أشار الرجل للبنت

وافترقا " ق إختيار


تلك الاشارة، والجمل القصيرة البرقية، وصلابة الموقف، يكشف حجم توتره وحدته، بل وقسوته على النفوس، هذا ليس إختياراً بقدر ما هو سقوط وتهشم للحلم على أعتاب المادة، حيث تحولت القلوب إلى سلع تباع وتشترى.. وبحدة أكثر قسوة وعنفة ولا أنسانية نطالع فى حالة أو قصة إمرأة سطو مجموعة من الذئاب البشرية على إمرأة تسير برفقة زوجها فى جنح الظلام، فيقتلون الزوج كى يفترسوا المرأة، غير أنهم أثناء عراكهم من أجل تحديد من يبدأ معها، يكتشف أحدهما أنها هى الأخرى فارقت الحياة، حقق الكاتب رؤيته الكابوسية عن واقع لا يحمل بين جنياته سوى الدموية والفتك واللانسانية، واقع فرض آليات الحياة فيه للمادة، وللأقوى، بينما تراجعت القيم، وإنهزم الانسان، أمام إنعدام الانسانية، فحدث الموت فى قصص ( بقعة الدم، وإمرأة، وحديث تليفزيونى، وغيرها من القصص) وفرضت الغربة حضورها على الشخصيات فى المجموعة، فتراجعت الأحلام، وتهشمت رومانتيكية العالم أمام بلادة الأقوياء فيه وهيمنتهم على مقاليد الأمور.




  • الغناء
يكون الغناء أحيانا تعبيرا عن طرب الروح ونشوتها، ويكون فى المجتمعات التى تراجعت فيها القيم النبيلة، غناء أسيان، حزين كالبكاء، غناء يعنى الفقد، والحسرة، غناء كما فى قصة حلاوة حمصية التى يختتم بها الكاتب مجموعته، البنت العانس التى تجلب للصبي الحلوى، وتقبله خلسة، وتدارى الخطوط البادية فى وجهها بالبودة، لقد أصابت المجتمع العنوسة، والشباب عدم القدرة على الزواج، ومن ثم إنتشرت الجريمة، كما ذكرنا، الغناء هنا تعبير عن جراح عميقة قهرت الروح، وفجرت ينابيع أحزانها، وغربتها .." بحق من جمعنا .. من غير ميعاد فى بلاد غريبة لا يهمنى , بعدك ولا قربك ...!

القلب موجوع من زمان .. والباقى طلل مهجور , عشش فيه الأسى . " ق الوجع

لاحظ الأداء اللغوى الذى يعتمد على لغة مفعمة بالأسى، لغة تستنهض الأمثال الشعبية، وتقوم بمزاوجة الموروث بجروح الذات .. أو يمازج بين المقتطفات من الأشعار العامية، والنص المقدس داخل بنية سردية واحدة ، وكأنه العاشق الذى يتطوح نشوانا بالهزائم .. " عطشان يا صبايا دلونى على السبيل .." ونغمات الناى تهز قلاع المركب , تغسل – الآه – وفى جسدى قداس النار .. يا نار كونى برداً وسلاماً ..

" يا مين يجيب لى حبيبى وياخد من عيونى عين وياخذ النص راخر ويكفانى بقين العين "ق الوجع.


نحن هنا أمام حية تحمل قدرا عاليا من الحيوية فى أدائها السردى، أيضا قدرا كبيرا من الأسى والغربة والوجع، ولكن مهارة الكاتب أنها طحنت كل ما سبق فى بنية واحدة، وجعلت من الخاص عاما، ومن الذاتى واقعا موضوعيا.. بل تمكن عبر غنائه المتواصل من خلق سارد له ملامحه الخاصة، أشبه بالاروي الشعبى سارد السير الشعبية، وراويها.

تلك الكتابة فى طرحها الأول للكاتب لنتاجه الأدبى كأول مجموعة قصصية له،تعبر بجلاء عن موهبة سامقة وكاتب يعي فن القص الذى يمارسه فى أشكاله المتنوعة بين القصير جدا، بين الأقصوصة، والقصة.. المجموعة تحمل فى جيناتها أنماطا متنوعة من القصص التجريبية شأنه فى ذلك شأن الكتاب من أبناء جيله، جيل التسعينات الذى يدق أبواب الابداع بدربة ومهارة وبوعى متجدد، ورغبات حقيقية فى التجديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ إبراهيم عطية ـ طعم الوجع ـ قصص ـ سلسلة إبداعات ـ هيئة قصور الثقافة ـ 1998

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...