علي مفتاح - الخطاب النقدي الزجلي في ضوء علي مفتاح - ما بعد النقد: قراءة ما بعد سيميائية لأنموذج عبد الله عتو الدكتور محمد ازلماط

يشكّل الزجل المغربي أحد أبرز أشكال الأدب الشعبي الذي يعكس تفاعل اللغة والثقافة والهوية الجماعية على مرّ العصور. ورغم بساطته الظاهرية، إلا أن الزجل يمتلك أبعادًا دلالية وسيميائية معقّدة تتجاوز مجرد وظيفته الجمالية، ليصبح فضاءً للتعبير عن الوعي الجماعي والفردي على حد سواء. وفي هذا السياق، يأتي نص عبد الله عتو الموسوم بـ«طرق الصوغ في الزجل المغربي: تأملات نظرية ونصية» كمنعرج مهم في النقاش النقدي المغربي المعاصر، إذ يسعى إلى تجاوز الأساليب التقليدية في دراسة الأدب الشعبي، ويضع الزجل في قلب حقل تحليلي يتداخل فيه التداول اللغوي مع التمثلات الثقافية.وإن هذا الجنس الثقافي استدعى مداخل نقدية متعددة لدراسته فظهرت عدة رؤى نقدية التي بدورها تطلبت استدعاء نقد النقد وما بعد النقد لدراستها.

وفي هذا السياق، يكتسب نص عبد الله عتو الموسوم بـ«طرق الصوغ في الزجل المغربي: تأملات نظرية ونصية» أهمية خاصة، إذ يمثل نموذجًا نقديًا معاصرًا يسعى إلى تجاوز حدود النقد التقليدي، ويضع الزجل في قلب حقل تحليلي متداخل بين التداول اللغوي والتمثلات الثقافية، بما يجعل النص النقدي أداة لفهم البنية المعرفية والثقافية للخطاب الشعبي.

ومن منظور نقدي أعمق، يمكن قراءة هذا النص في إطار ما وراء النقد (Meta-Critique) وما بعد النقد (Post-Critique). ففي حين يركز ما وراء النقد على مراجعة أدوات ومفاهيم النقد نفسه، أي تفكيك الأسس النظرية والمنهجية التي يقوم عليها التحليل النقدي، يسعى ما بعد النقد إلى تجاوز وظيفة التفكيك والتقييم التقليدية للنصوص، نحو إعادة بناء علاقة القارئ بالمعنى والنص والعالم، بما يسمح بفهم الزجل كنظام معرفي وثقافي متحرك.[1]

1 نقد النقد أو ماوراء النقد

ويُعَدّ نقد النقد من أبرز التحولات التي شهدها التفكير الأدبي المعاصر، إذ لم يعد النقد الأدبي مجرد نشاط تأويلي أو وصفي يهدف إلى تحليل النصوص الأدبية فحسب، بل غدا بدوره موضوعًا للفحص والمساءلة والتحليل. فبعد أن كان النص الإبداعي هو مركز الاهتمام، أصبح الخطاب النقدي ذاته جزءًا من الحقل التداولي والثقافي الذي ينتج المعنى ويعيد توزيعه، ويُنظر إليه بوصفه خطابًا علميًا يبحث في مبادئ النقد، ولغته الاصطلاحية، وآلياته الإجرائية، وأدواته التحليلية[SUP][2][/SUP]. وقد أدى هذا التحول إلى نشوء وعي جديد يعتبر الناقد منتجًا للمعنى لا مجرد قارئ محايد، إذ تحكم عمله خلفيات معرفية وإيديولوجية ومنهجية تتقاطع داخل بنية ثقافية أوسع[SUP][3][/SUP]. وبناءً على ذلك، فإن نقد النقد يمثل محاولة للكشف عن الحدود والافتراضات التي يقوم عليها الخطاب النقدي، وتتبع ما يخفيه من سلطات رمزية وأنساق تمثيلية تتجاوز ظاهر التحليل اللغوي أو الجمالي نحو البنية المعرفية التي تشكّله وتوجه منطقه الداخلي[SUP][4][/SUP]

إن الضرورة المعرفية اليوم تستلزم تعزيز استقلال نقد النقد عن النقد الزجلي، بحيث يختلف عنه في المنهج والمقاربة والغاية[SUP][5][/SUP]، لأن النقد الزجلي ينصرف إلى تحليل التجربة الإبداعية في خصوصيتها الجمالية، في حين أن نقد النقد يتجه إلى مساءلة هذا التحليل ذاته من حيث المفاهيم التي اعتمدها، والمناهج التي استند إليها، والنتائج التي انتهى إليها[SUP][6][/SUP]. فبينما يركّز النقد الزجلي على النصوص الشعرية الزجلية بوصفها تجارب لغوية وجمالية، ينشغل نقد النقد بالكشف عن الأسس النظرية والآليات الإجرائية التي وجهت عملية القراءة والتحليل، ساعيًا إلى تقويمها معرفيًا ومنهجيًا. إنه بهذا المعنى نشاط معرفي[SUP][7][/SUP] متقدّم، غايته اختبار صلابة التصورات التي يستند إليها الخطاب النقدي، والكشف عن منطلقاته الإبستيمولوجية التي تحدد ما يُرى وما يُهمّش، وما يُعتبر دالًا وما يُستبعد من مجال الدلالة[SUP][8][/SUP].

ويتمثل جوهر هذا الاتجاه في النظر إلى نقد النقد كفعل معرفي يروم الكشف عن المبادئ والميكانيزمات التي تحكم الممارسة النقدية ذاتها، وتفكيك أبنيتها النظرية والإجرائية والعملية، بما يسمح بمراجعة الأقوال التفسيرية والمفاهيم المنهجية التي تصدر عنها .فالنقد هنا لا يكتفي بوصف الممارسة النقدية، بل يسعى إلى مساءلة منطقها الداخلي وحدودها التأويلية، وإلى تقييم مدى انسجامها مع المقاصد المعرفية التي تدّعيها. وبذلك يغدو نقد النقد مشروعًا لتقويم الفكر النقدي ذاته، والوقوف على مدى سلامة منطلقاته ومفاهيمه وآلياته، في أفق تجديد الدرس الأدبي وتوسيع أفقه الإبستيمولوجي بما يتلاءم مع التحولات التي فرضها المنعطف السيميائي والثقافي في الدراسات المعاصرة .

2 مابعد النقد

غير أن ما بعد السيميائيات منحت مصطلح ماوراء النقد بعدًا أكثر عمقًا وتعقيدًا، وحولته إلى ما بعد النقد، وهو مفهوم يرتبط بالمنعطفات الفكرية المعاصرة، خصوصًا ما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة، وما بعد السيميائيات.وهو لا يسعى إلى نقد النقد (ماوراء النقد)، بل إلى تجاوزه، بالانتقال من منطق الفحص والتحليل العقلاني إلى منطق التأويل، والتداخل المعرفي، والكتابة المفتوحة.
وإنه موقف يرى أن زمن “النقد بمعناه الصارم” قد انتهى، وأن العلاقة بالنص لم تعد قائمة على التفكيك الصارم بل على المشاركة في إنتاج المعنى.

وإن ما بعد السيميائيات نقلت مساءلة ما وراء النقد من مستوى اللغة بوصفها نظامًا للعلامات إلى مستوى المعرفة والعصبية والثقافة بوصفها شبكة من الأنظمة الدلالية المتقاطعة. فإذا كانت السيميائيات الكلاسيكية تهتم بعلاقات الدال والمدلول،

لقد كان الوعي السيميائي الكلاسيكي في القرن العشرين مشدودًا إلى النموذج اللساني الذي صاغه فردينان دو سوسير، الذي نظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلامات قائمًا على علاقة ثنائية بين الدال والمدلول، حيث يصبح المعنى نتاجًا للاختلاف داخل هذا النظام المغلق من العلاقات [SUP][9][/SUP] وقد جعل هذا التصور من النقد الأدبي ممارسة لغوية بحتة، ومن "ما وراء النقد" مساءلة لآليات هذا النظام ذاته، أي فحص الأسس التي تجعل اللغة قادرة على إنتاج الدلالة وتوليد الفهم.

غير أن ما بعد السيميائيات جاءت لتزعزع هذه المركزية اللسانية، حيث انتقلت من الانشغال باللغة كنظام إلى الانشغال بالمعنى كعملية معرفية وثقافية متعددة المستويات. فقد أعلن تشارلز ساندرز بيرس منذ أواخر القرن التاسع عشر أن العلامة ليست علاقة ثنائية، بل ثلاثية الأطراف: الدال، والمدلول، والمؤول، ما يجعل الدلالة سيرورة لا تنتهي من التأويل,[SUP][10][/SUP] ومن هذا الأساس انفتح الفكر السيميائي على الإمكانات المعرفية والإدراكية، إذ لم تعد العلامة مجرد بنية لغوية، بل أصبحت وظيفة عقلية ومعرفية تمسّ كل مستويات الإدراك الإنساني.

في هذا السياق، نقلت ما بعد السيميائيات مساءلة ما وراء النقد من مستوى اللغة بوصفها نظامًا للعلامات إلى مستوى المعرفة والإدراك والعصبية والثقافة بوصفها شبكة من الأنظمة الدلالية المتقاطعة. فـيوري لوتمان في تصوره لـ"السيميُوسفِير".[SUP][11][/SUP] اعتبر أن الثقافة ذاتها نسق سيميائي شامل يعيش فيه الإنسان كما يعيش في اللغة، وأن إنتاج المعنى يتم عبر تفاعلات مستمرة بين النظم الرمزية والمعرفية. ومن ثمّ، لم تعد السيميائيات تدرس النصوص فحسب، بل صارت تدرس كيف يفكر الإنسان في النصوص، وكيف يعالج جهازه الإدراكي الرموز والمعاني ضمن بنيته العصبية والمعرفية.

وهكذا توسع الحقل نحو السيميائيات الإدراكية (Cognitive Semiotics) والسيميائيات الحيوية (Biosemiotics)، اللتين تشكلان الامتداد الطبيعي لما بعد السيميائيات. وقد أسّس لهذا التحول باحثون مثل توماس سيبيوك[SUP][12][/SUP] الذي دعا إلى تجاوز السيميائيات البشرية نحو أنظمة الحياة كافة، معتبرًا أن الدلالة مبدأ كوني يشمل الإنسان والكائنات الحية. كما طوّر كلاوس إيمس وجان ميتشر مفهوم "السيميائيات الإدراكية" التي تبحث في التفاعل بين العلامة والعقل[SUP][13][/SUP]

بهذا المعنى، صار المعنى يُفهم لا كنتاج للغة أو الثقافة وحدهما، بل كحصيلة تفاعل بين العمليات العصبية والمعرفية والثقافية التي تحكم اشتغال العقل الإنساني. فقد بيّن جورج لايكوف ومارك جونسون في كتابهما المؤسس Metaphors We Live By[SUP][14][/SUP] أن الفكر ذاته استعاري وأن أنساق اللغة تُبنى على تجارب إدراكية وجسدية، لا على قواعد لغوية مجردة، وهو ما يربط بين اللسانيات الإدراكية والسيميائيات في أفق معرفي واحد. ومن هنا، لم تعد الثقافة مجرد وعاء للمعنى، بل أصبحت إحدى نتائجه المتولدة عن عمليات إدراكية أعمق.

إن هذا التحول جعل مساءلة ما وراء النقد تتحول بدورها إلى مساءلة ما بعد نقدية تسائل الوعي الإنساني ذاته بوصفه آلة دلالية تنتج التأويل والمعرفة. فبدلًا من الاقتصار على فحص الخطاب النقدي ضمن بنيته اللغوية أو البلاغية، صار نقد النقد في ضوء ما بعد السيميائيات يشتغل على البنية الإدراكية والمعرفية التي تُنتج الخطاب النقدي نفسه. وهكذا لم يعد الناقد يراجع المفاهيم أو المناهج فقط، بل يراجع آلية اشتغاله الإدراكي والمعرفي التي تُولّد قراءته للمعنى.

ومن ثمّ، فإنّ ما بعد السيميائيات لم تفتح النقد نحو الثقافة وحسب، بل نقلته إلى العقل بوصفه الفضاء الأسمى للعلامة والمعنى، لتتأسس مرحلة جديدة في الفكر النقدي تقوم على ما يمكن أن نسمّيه اليوم العقل السيميائي، أي ذلك الوعي الذي يرى العالم بوصفه شبكة من العلامات تتقاطع فيها اللغة والجسد والعصب والثقافة والمعرفة في توليد لا نهائي للمعنى.

فإن ما بعد السيميائيات تهتم بكيفية إنتاج المعنى في سياقات متعددة، لغوية وغير لغوية، وبكيفية اشتغال العلامة في فضاء ثقافي يتقاطع فيه الجمالي والسياسي والمعرفي. ومن هنا يصبح نقد النقد، في ضوء ما بعد السيميائيات، نشاطًا تأويليًا مزدوجًا: فهو يفكك الخطاب النقدي باعتباره نظامًا من العلامات ينتج دلالاته الخاصة، وفي الوقت نفسه يرصد علاقة هذا الخطاب بالسياق الثقافي الذي يوجّهه ويحدّد سلطته.

إن المقاربة الما بعد النقد على ضوء ما بعد السيميائيات تقوم على تفكيك العلاقة بين الدلالة والتمثيل، فهي لا تكتفي بطرح سؤال “ماذا يقول الناقد؟” بل تتجاوزه إلى “كيف يقول؟ ولماذا يقول بهذه الطريقة بالذات؟” فالخطاب النقدي هنا يُقرأ كجهاز مابعد سيميائي يتقاطع فيه الملفوظ مع السلطة الرمزية التي تمنحه شرعيته داخل الحقل الأكاديمي والثقافي. بهذا المعنى، لا يُنظر إلى المناهج النقدية بوصفها أدوات محايدة، بل بوصفها أنظمة تمثيل تحدّد زاوية النظر إلى النصوص وتعيد إنتاج قيم ثقافية معينة. ومن ثم، فإن نقد النقد بعد سيميائي لا يكتفي برصد الخلل المنهجي في تطبيق نظرية معينة، بل يسعى إلى الكشف عن البنية السيميائية العميقة التي جعلت ذلك الخلل ممكنًا أو مقبولًا ضمن سياق معرفي بعينه.

بهذا المنظور، يصبح مابعد النقد فعلًا معرفيًا يتجاوز التحليل التقني إلى مساءلة الحقول التي تنتمي إليها الخطابات النقدية، سواء كانت لسانيات أو بنيوية أو تأويلية أو ثقافية. فكل نقد يحمل في داخله رؤية للعالم ولمفهوم النص ولعلاقة اللغة بالواقع، وهي الرؤية التي تشكّل موضوعًا للنقد الما بعد سيميائي، لأن هذا الاتجاه لا يفصل بين النظرية والتاريخ الثقافي، بل يرى أن كل إنتاج نظري هو بدوره إنتاج رمزي مشروط بشبكة من العلامات الثقافية والإيديولوجية. من هنا فإن نقد النقد في ضوء ما بعد السيميائيات لا يسعى فقط إلى تصويب المناهج، بل إلى تفكيك أنساق التفكير التي أنتجتها، وإلى إعادة النظر في علاقة الناقد بذاته وبالآخر وبالخطاب الذي ينتجه، بما يجعل من النقد نفسه موضوعًا للتأويل وإعادة التمثيل المستمرة.

المنهج ما بعد السيميائي يرفض الأحكام القيمية والانطباعية لأنه ينطلق من تصور معرفي يرى أن الخطاب النقدي ذاته جزء من أنساق إنتاج المعنى وليس سلطة فوقها. فبدل أن يحكم الناقد على النصوص أو الخطابات من موقع معيار خارجي (جمالي، أيديولوجي، أو بلاغي)، يصبح دوره هو تفكيك البنيات المعرفية والدلالية التي تجعل هذا النص أو ذاك ممكنًا، والكشف عن آليات إنتاج المعنى وتوزيعه عبر السياقات الثقافية والمعرفية والإدراكية.

إذن، من منظور ما بعد السيميائيات، لا يعود النقد "محكمة" تصدر الأحكام، بل مختبرًا لتمفصل العلامات والمعارف داخل شبكة دلالية كبرى تتقاطع فيها اللغة والعقل والثقافة والجسد والإدراك.
كما أن مؤسسي اللسانيات والسيميائيات المعرفية — مثل جورج لايكوف (George Lakoff) ومارك جونسون (Mark Johnson) في كتابهما Metaphors We Live By (1980)، وجيل فوكونييه (Gilles Fauconnier) ومارك تيرنر (Mark Turner) في The Way We Think (2002) — قد نقلوا التحليل من المستوى اللساني المحض إلى مستوى النمذجة الإدراكية والتجسيد المعرفي للمعنى (embodied meaning)، مما مهّد لمرحلة جديدة من التفكير السيميائي لم تعد تنظر إلى العلامة في انفصال عن التجربة البشرية والمعرفية.

وهكذا أصبحت ما بعد السيميائيات تشتغل على ما كان يُسمّى تقليديًا بـ"ما وراء النقد" (أي التساؤل عن أسس النقد ذاته)، لكنها أعادت صياغته في أفق معرفي جديد: لم تعد الغاية مساءلة الخطاب النقدي فقط، بل مساءلة الأنساق الإدراكية والثقافية التي تنتج الخطاب النقدي نفسه، أي الانتقال من سؤال اللغة إلى سؤال المعرفة والإدراك، ومن تحليل العلامة إلى تحليل العقل السيميائي الذي يُنتج العلامة.



3 قراءة إبستيمولوجية من منظور ما بعد النقد في خطاب عبد الله عتو

يُعَدّ خطاب عبد الله عتو حول الزجل المغربي نموذجًا دالًا على تحوّل النقد الأدبي المغربي من الانشغال بالنصوص الشعرية الكلاسيكية إلى الاشتغال على الخطاب الشفوي والثقافة الشعبية. غير أنّ هذا التحوّل، رغم قيمته التجديدية، لم يخلُ من ارتباكٍ في التموقع النظري وتذبذبٍ في المرجعية المنهجية، إذ ظلّ النصّ يتأرجح بين التحليل اللساني التداولي والقراءة السيميائية الثقافية، دون أن يحسم في الإطار الذي يوجّهه أو في الأدوات التي يشتغل بها.
هذا الارتباك لا ينتقص من القيمة العلمية للنص، بقدر ما يكشف عن أزمة موقعٍ إبستيمولوجي يعيشها جزء من النقد المغربي الراهن الذي يطمح إلى تأصيل قراءة محلية دون أن يُحكم الجسر المنهجي الذي يربط بين النظرية والممارسة.

إن تحديد الإطار الاتجاهي
لأي نص نقدي أو تحليلي هو ما يكشف موقعه النظري ضمن خريطة الفكر الأدبي والسيميائي المعاصر.
فالنص لعبدالله عتو يتموضع ضمن اتجاه نقدي معرفي معاصر يمكن داخل إطار اتجاهي أكاديمي نقدي معاصر، يتقاطع فيه اللساني، والسيميائي، والأنثروبولوجي الثقافي، ويمكن تحديد إطاره الاتجاهي بدقة وفق المستويات التالية:

- النص يتحرك داخل اتجاه نقدي إبستيمولوجي يراجع أسس الدرس الجامعي العربي والمغربي في التعامل مع اللغة والأدب، خاصة الزجل.
فهو يعترض على استمرار هيمنة النماذج القديمة (البلاغية، والنحوية، والبيانية) التي تعاملت مع اللغة العربية بوصفها مدونة مغلقة، ويقترح الانتقال نحو سجلات الكلام الراهن بوصفها مادة حية قابلة للرصد والتحليل التداولي.
هذا الموقف النقدي يجعله قريبًا من الاتجاه التداولي والتوصيفي الحديث في اللسانيات التطبيقية، الذي يرى أن اللغة لا تُدرس كجسدٍ نحويٍّ مثالي، بل كفعل تواصلي واجتماعي حيٍّ داخل استعمالاته اليومية.

- يتبنى عتو في خطابه مقولاتٍ من التداولية والسيميائيات، مثل “المقام”، و“المعنى التداولي”، و“العلامة الثقافية”، و“التمثيل الرمزي”، لكنه لا يُحدّد الإطار الإبستيمولوجي الذي يدمج هذه الحقول ضمن رؤية موحّدة.
فالمنهج التداولي يعتمد على مقاربة فعل التواصل اللغوي في سياقه الاجتماعي، في حين أنّ السيميائيات الثقافية تشتغل على أنظمة العلامات داخل البنيات الرمزية للمجتمع.
غير أنّ عتو يوظّف هذين الاتجاهين معًا دون تفريق بين منطق كلٍّ منهما، مما يجعل تحليله للزجل يتأرجح بين:

  • اعتبار الزجل خطابًا تداوليًا يعبّر عن مواقف المتكلمين؛
  • واعتباره نظامًا سيميائيًا يعكس الوعي الجماعي.
هذا التناوب غير المؤسس بين المرجعين يُحدث نوعًا من الغموض المفاهيمي، لأنّ التحليل التداولي يستلزم تحديد “الوضع التواصلي” بدقّة، بينما التحليل السيميائي يستلزم وصف “بنية العلامات الثقافية” وتفسيرها.
غياب هذا الحسم يجعل القارئ أمام تلفيق معرفي أكثر من كونه تركيبًا نظريًا منسجمًا.

- يربط الكاتب بين اللغة والذهنيات، وبين التداول اللغوي والتمثلات الثقافية، مع تأكيده على ضرورة إعادة بناء اللوغوس المحلي (الكلام الحيّ) باعتباره مكوِّنًا للهوية والمعرفة، وهو ما يجعل النص أقرب إلى التحليل السيميائي الثقافي للخطاب الأدبي الشعبي.

- النص لا يكتفي بوصف الزجل جمالياً، بل يعتمده مدخلًا لفهم التنوع اللهجي والاجتماعي في اللغة العربية المغربية.
هنا تتجلى المقاربة السوسيولسانية (Sociolinguistic Approach) التي تعتبر اللهجات أنظمة قائمة بذاتها، وليست انحرافًا عن معيارية الفصحى.
إضافة إلى حضور المنظور التداولي (Pragmatic Approach) في حديث الكاتب عن العلاقة بين “القول والمقام”، وضرورة تحليل اللغة في سياقها الاجتماعي والتواصلي.

- يتبنى النص موقفًا دفاعيًا عن الأدب الشعبي والشفهي (وخاصة الزجل) ضد ما يسميه الأدب الرسمي أو “المعقلن”.
بهذا المعنى، يندرج ضمن الاتجاه الثقافي الجديد في النقد الأدبي الذي يسعى إلى الاعتراف بالأنساق المهمشة والمقموعة في الخطاب الأدبي، أي ضمن ما يمكن تسميته بـ نقد الخطاب الشعبي (Popular Discourse Critique) أو نقد المركزية اللغوية.

- النص يستند ضمنيًا إلى خلفيات فكرية متعددة:

  • اللسانيات البنيوية وما بعدها (في حديثه عن المدونة والأنماط واللغة المشتركة).
  • التداولية والسيميائيات الثقافية (في تحليله للعلامات، والسياق، والشفوية).
  • النقد الثقافي والأنثروبولوجي (في ربطه الزجل بالذهنيات وبالتحول الاجتماعي).
  • نظرية التعدد اللغوي عند باختين (Bakhtin) حين يتحدث عن “التداخل بين الفصيح والعامي” بوصفه حوارية لغوية.
  • فكر عبد الكبير الخطيبي ومحمد عابد الجابري من حيث الدعوة إلى قراءة الواقع الثقافي العربي عبر لغته وذهنيته وليس عبر قياسه على الموروث القريشي المركزي.
وفي هذا الصدد سيتم تطبيق ما بعد النقد برؤية ما بعد السيميائيات على نص عبد الله عتو حول طرق الصوغ في الزجل المغربي، حيث يُعد خطوة تأسيسية في إعادة قراءة الخطاب النقدي الزجلي في المغرب من زاوية جديدة، تتجاوز الأفق البنيوي والوصفي، نحو مساءلة منظومة إنتاج المعنى نفسها: أي الكيفية التي يُبنى بها الوعي النقدي عن الزجل، والافتراضات الإيديولوجية والمعرفية التي تحكم هذا البناء.
وسيتم تقديم قراءة تحليلية معمقة على ضوء ما بعد النقد (Post-critique)،برؤية ما بعد السيميائيات (Post-semiotics مبرزة مكامن الخلل في نقد عتو، ومقترحة إمكانات بديلة للفهم.

يبدأ عبد الله عتو نصه من منطلق نقدي كلاسيكي، ينتمي إلى مرحلة التحليل النصي واللساني الوصفي، حيث يفترض أن الزجل بنية لغوية قابلة للضبط من خلال أدوات اللسانيات، والبلاغة، والتداوليات. لكنه، في المقابل، لا يعي أن تلك الأدوات نفسها تمثل نظامًا دلاليًا موروثًا، أي أنها تشتغل داخل نموذج معرفي (episteme) سابق على الزجل، يحدّ من إمكانية فهمه كظاهرة سيميائية متغيرة.
هنا تكمن أولى مشكلات عتو:
فهو يطالب بـ“ضبط سجلات الكلام الحاضر”، لكنه يظل مأسورًا بفكرة “المدونة” و“التقعيد”، أي أنه يعيد إنتاج المنظور البنيوي التكويني نفسه الذي ينتقده. فبينما من منظور ما بعد السيميائيات، لا يُمكن اختزال “الزجل” في “نظام لغوي”، لأن الزجل ليس كلامًا فقط، بل تجربة دلالية متجسّدة (Embodied semiosis) تتكوّن من تفاعل أصوات، وحركات، وأجساد وجماعة متلقية، وفضاء أدائي واجتماعي[SUP][15][/SUP]
إذًا فعتو يشتغل ضمن إبستيمولوجيا تمثيلية، تضع المعنى في النص، بينما الزجل يشتغل داخل إبستيمولوجيا تجسيدية تضع المعنى في الممارسة، في الأداء، وفي تبادل الرموز بين الأجساد والأصوات[SUP][16][/SUP].

يضع عتو الفصحى والعامية في علاقة تقابلية معيارية (اللغة/اللهجة، الفصيح/الدارج)، معتبرا أن الزجل “قول العوام” مقابل “لغة النخبة”. غير أن هذا التصور نفسه هو جزء من سيمياء السلطة اللغوية التي تَشكّلت منذ العصور الكلاسيكية. ويندرج ضمن ما يسميه بيير بورديو “الهيمنة الرمزية للغة” التي تشكّلت عبر التاريخ الثقافي العربي[SUP][17][/SUP].
ومن منظور ما بعد السيميائيات، اللغة ليست نظامًا مغلقًا بل شبكة رمزية مفتوحة، تتحدد فيها القيم الدلالية من خلال القوى الاجتماعية والمعرفية والسياسية.[SUP][18][/SUP] وبالتالي، حين يصف عتو “الزجل الشعبي” بأنه متراجع عن “العربية الفصحى”، فهو يعيد تفعيل العلامة العمودية للسلطة (Vertical sign of authority): أي تمركز الفصحى بوصفها “لوغوس” (Logos) والمعيار الأعلى للحقيقة.
هنا يتجلّى الخلل الإبستيمي في نقده: فهو يزعم أنه يدافع عن العامية، لكنه يقرؤها داخل أفق الفصحى، لا داخل أفقها السيميائي الخاص. بمعنى آخر، هو لا يفكك الهيمنة، بل يكررها على مستوى اللغة.

يقول عتو إن الزجل “أدب شعبي شفوي منقول كتابةً”، ويعتبر أن نقله إلى الكتابة غيّر “من مجراه الأصلي”.
هذه الملاحظة صحيحة في ظاهرها، لكنها في العمق تنطلق من تصور سكوني للمعنى، وكأن الدلالة الأصلية موجودة قبل الأداء.
بينما عند يوري لوتمان (Lotman) وكريستيان ميتز (Metz) وتشارلز ساندرز بيرس (Peirce) في امتداد ما بعد البنيوية – لا يوجد “أصل” للدلالة، بل كل دلالة هي حدث Semio-event، أي أنها تقع في لحظة التواصل وتتغير عبر كل تجسيد.ويتشكل في لحظة التداول.[SUP][19][/SUP]
فالزجل في هذه الحالة ليس “نصًّا” بل حدثًا سيميائيًا (sémiotique événementielle) يتجدد كل مرة، ولذلك لا معنى للحديث عن “تحول من الشفوية إلى الكتابة” كفقدان للأصالة، لأن “الأصالة” نفسها هي وظيفة رمزية متجددة داخل الفعل الجماعي للأداء.

إذن فالانحراف المنهجي في نقد عتو هو أنه يفصل الزمن السيميائي (زمن الأداء) عن الزمن النصي (زمن الكتابة)، في حين أن ما بعد السيميائيات ترى أن الدلالة تتحقق في تداخل الزمنين.

من الناحية المنهجية، لا يقدّم عتو في تحليله للزجل خطة واضحة تُظهر كيف انتقل من المفاهيم إلى الأدوات، ومن الإطار النظري إلى خطوات التحليل.
فهو يصرّح بانتمائه إلى القراءة التداولية والسيميائية، لكنه في الممارسة يقدّم قراءة انطباعية وتأملية تعتمد على الإحساس الجمالي أكثر من التحليل العلمي الدقيق.

يمكن ملاحظة ذلك في ثلاثة مظاهر:

الانتقائية المفهومية: ينتقل بين مصطلحات مثل “المقام”، و“التمثيل”، و“الذهنية”، و“العلامة”، دون أن يربطها بسياقها النظري الأصلي أو يحدّد معناها الاصطلاحي.

غياب الضبط الإجرائي: لا نجد تحديدًا لأداة التحليل، هل هي تحليل الملفوظ (كما في التداولية)؟ أم تحليل العلامة (كما في السيميائيات)؟ أم تحليل الثقافة (كما في الأنثروبولوجيا الرمزية)؟

تداخل مستويات التحليل: فهو يخلط بين التحليل اللغوي (اللفظي) والتحليل الثقافي والاجتماعي دون فواصل منهجية، فيتحوّل النص من دراسة لغوية إلى تأمل ثقافي، دون إعلان هذا الانتقال.

هذا الخلل المنهجي يُنتج تحليلًا غير مضبوط المسار، إذ يتكئ على المفهوم النقدي دون أن يوظّفه أداةً تفسيرية دقيقة، وهو ما يُضعف القيمة العلمية للقراءة رغم قوتها الفكرية.

عند الانتقال إلى التطبيق، أي إلى تحليل الزجل المغربي، يواجه الباحث مشكلتين مركزيتين:

1. تغليب التأويل على التحليل

عتو لا يُحلّل النصوص الزجلية وفق مستوياتها اللغوية والإيقاعية والتركيبية، بل يُحيلها مباشرة إلى خطابات ثقافية كبرى (الهوية، الذاكرة، الوعي الشعبي...)، مما يجعل التحليل أقرب إلى “القراءة التأويلية الحرة” منه إلى “التحليل العلمي المنهجي”.
وهذا النمط من المقاربة يُفقد النص الزجلي خصوصيته بوصفه نظامًا لغويًا قائمًا على الأداء الشفهي، ويحوّله إلى رمز عام للثقافة الشعبية.

2. الخلط بين الأيديولوجي والجمالي

يبرز في تحليلاته نزوعٌ نحو التمجيد الأيديولوجي للغة العامية بوصفها حاملًا للهوية الأصيلة، مقابل انتقاد الفصحى أو المركزية اللغوية، دون موازنة نقدية تُبرز البعد الجمالي في الأداء الزجلي ذاته.
فبدل أن ينطلق من النص إلى الثقافة، ينطلق من الموقف الثقافي إلى النص، أي أنّ الاتجاه انعكاسي وليس استنباطيًا، مما يضعف الصرامة العلمية في التطبيق.

في تصنيف عتو للزجالين المغاربة (الراشق، أميلي، بلبالي...) نلاحظ ميلًا إلى رصد التشابهات الشكلية والموسيقية (التكرار، الوزن، التنويع اللغوي)، لكنه لا ينتبه إلى أن هذه التشابهات ليست فقط مؤشرات شكلية بل علامات ثقافية-معرفية، تعكس التحول من الزجل بوصفه خطاب الهوية الجماعية إلى الزجل بوصفه خطاب الذات المبدعة.
بمعنى آخر، الزجل المغربي المعاصر لم يعد نص الجماعة بل نص الوعي الفردي المتشظي، الذي يبحث عن معنى وجودي في اللغة.أي انتقال المعنى من الجماعة إلى الذات المفكّرة التي تبحث عن تموضعها الرمزي في اللغة[SUP][20][/SUP]
هنا تبرز أهمية ما بعد السيميائيات، التي لا تكتفي بقراءة البنية بل تبحث في التمثيلات المعرفية (Cognitive representations) التي تنتجها اللغة.
فكل تكرار في الزجل – كما لاحظه عتو – لا يُفهم فقط كآلية شكلية، بل كـ تجلٍّ للذاكرة الثقافية[SUP][21][/SUP] (Cultural memory) التي يعيد الشاعر إنتاجها على نحو نقدي،و استحضارها بوصفها طاقة دلالية متجددة

فما بعد النقد (Post-critique)، كما طرحه Bruno Latour وRita Felski، لا يهدف إلى تفكيك النصوص فحسب، بل إلى إعادة بناء علاقات الفهم بين القارئ والنص والعالم. مع ضرورة تجاوز “النقد الشكّي” إلى نقد تواصلي يعيد بناء علاقة الإنسان بالنص والعالم[SUP][22][/SUP]
من هذه الزاوية، يمكن القول إن نقد عتو للزجل بقي حبيس نموذج “النقد المراقب” الذي يصف ويقوّم، دون أن يفتح النص على سؤال المعرفة الثقافية: كيف يخلق الزجل أنماطًا جديدة من الإدراك؟ كيف يعيد تشكيل الحس الجمالي والرمزي للمغاربة؟
ما بعد النقد، في المقابل، ينظر إلى الزجل كـ نظام تفكير (Cognitive system) لا كجنس أدبي فقط، حيث تُصبح كل استعارة وكل أداء جزءًا من “العقل الثقافي” المغربي الذي ينتج معرفة بديلة عن الواقع واللغة والهوية.
هنا، يفوت عتو أن الزجل ليس “لغة ثانية” بعد الفصحى، بل هو نظام إدراك ثقافي موازٍ (Parallel cognitive system) يعبر عن وعي جمعي بالأصوات، بالأمكنة، بالزمن، وبالانتماء الوجداني.

يعتبر عتو أن الزجل المعاصر فقد “صبغته الشعبية”، لأنه أصبح من عمل شاعر مثقف قارئ كاتب.
غير أن هذه النتيجة – في منظور ما بعد السيميائيات – ليست نفيًا لشعبية الزجل بل تحولًا في بنيته الإدراكية والاجتماعية، إذ انتقل من الأداء الجماعي إلى وعي الذات بذاتها كفاعل رمزي.
فالزجل لم يغادر الشعب، بل غيّر مكانه في الوعي الجمعي، من جماعة مؤدية إلى ذات مفكّرة في اللغة.
هذا التحول هو ما تسميه السيميائيات المعرفية “التفكير الرمزي الذاتي” (Symbolic Self-reflexivity)[SUP][23][/SUP]، أي أن الزجل أصبح يعي ذاته كفعل رمزي لا مجرد قول فني.
من ثمّ، فزعم عتو أن الزجل لم يعد شعبيًا، هو في ذاته مؤشر سيميائي على انتقال “الشعبية” من الخارج إلى الداخل – من الممارسة الجماعية إلى الإدراك الجمالي للذات المغربية.

رغم هذه الملاحظات، يبقى لخطاب عبد الله عتو فضله في أنه:

  • فتح الباب أمام قراءة جديدة للزجل المغربي خارج التصنيفات الأكاديمية الضيقة؛
  • استثمر أدوات اللسانيات والسيميائيات في فهم البعد الثقافي للخطاب الشعبي؛
  • قدّم رؤية نقدية مغربية أصيلة تسعى إلى توطين المفاهيم داخل السياق المحلي.
غير أنّ التحقيق الإبستيمولوجي لمشروعه يقتضي:

  • تحديد المرجعية النظرية بدقة (تداولية؟ سيميائية؟ ثقافية؟)؛
  • بناء جهاز مفهومي منسجم ومحدد الدلالة؛
  • ضبط العلاقة بين النظرية والتطبيق بصرامة منهجية؛
  • تفادي الانزلاق إلى التأمل العام أو التمجيد الأيديولوجي للهويات اللغوية.
إنّ النص الذي قدّمه عبد الله عتو يندرج في سياق التجريب النقدي المغربي الذي يسعى إلى تجاوز التبعية للنظريات الغربية وبناء مقاربة محلية للخطاب الزجلي.

غير أنّ هذا المسعى يظلّ معلّقًا بين الرغبة النظرية والممارسة الفعلية، إذ لم يتمكّن من حسم موقعه بين التحليل اللساني التداولي والتحليل السيميائي الثقافي، ولم يبلور آلية تطبيقية منضبطة تترجم المفاهيم إلى أدوات.

ومن ثمّ يمكن وصف مشروعه بأنه مشروع تأسيسيٌّ واعد، لكنه غير مكتمل منهجيًا، إذ يحتاج إلى إعادة ضبط علاقته بين اللغة والثقافة والمنهج، حتى يتحقق الانسجام بين التنظير والممارسة، وبين الفكر والإجراء.

بناء على ذلك، يمكن اقتراح مشروع نقدي بديل لما بعد عتو، يقوم على ثلاثة مبادئ:

التحليل الإدراكي-السيميائي: دراسة كيفية تشكّل الدلالة في الزجل عبر التفاعل بين اللغة، الصوت، الجسد، والفضاء الجماعي[SUP][24][/SUP].

السيمياء الثقافية المتعددة الطبقات: اعتبار الزجل فضاء لتشابك الرموز الصوفية، الشعبية، والحداثية في آن.[SUP][25][/SUP]

نقد التمثيل: تجاوز الثنائية (فصيح/عامي – شعبي/نخبوي) إلى فهم الزجل كشبكة متحركة من العلامات المعرفية[SUP][26][/SUP].
(إحالة: Umberto Eco, The Open Work, 1989).

يُظهر نص عبد الله عتو وعيًا مبكرًا بالحاجة إلى تجديد دراسة الزجل المغربي، لكنه يبقى أسيرًا لإبستيمولوجيا “النموذج اللغوي” و“القياس النصي”، مما يُفقد نقده بعده السيميائي المعرفي.
من منظور ما بعد السيميائيات، الزجل ليس موضوعًا لغويًا ولا شفويًا فحسب، بل فضاء للتفكير الثقافي المغربي، حيث اللغة تُنتج معرفة، والمعرفة تُعيد تعريف اللغة.
إن الخطأ في نقد عتو ليس في توصيفه، بل في غياب التحول الإبستيمي من “تحليل النص” إلى “تحليل أنماط المعنى في الوعي الثقافي”.
وبذلك، يصبح النقد الزجلي ما بعد السيميائي أفقًا جديدًا لإعادة صياغة العلاقة بين اللغة، الذاكرة، والجماعة، بوصف الزجل مختبرًا للعقل الثقافي المغربي.

المصادر والمراجع



[SUP][1][/SUP] محمد مفتاح، دينامية النص: دراسة في البنية والدلالة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1988،.

باقر جاسم محمد: نقد النقد أم الميتانقد، محاولة في تأصيل المفهوم، مجلة عالم الفكر، العدد ٣، المجلد ٣٧، مارس 2006،.

تزفيتان تودوروف، نقد النقد، ترجمة منذر عياشي، بيروت: دار الحوار، 1993.

جابر عصفور: قراءة التراث النقدي، موسسة عيبال للدراسات والنشر، قبرص،الطبعة الأولى،

رولان بارت، الدرجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد البكري، بيروت: دار الطليعة، 1986،

صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، القاهرة: دار الشروق، 1992،

نجوى الرياحي القسطنطيني: في الوعي بمصطلح نقد النقد وعوامل ظهوره، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد1، المجلد 38، يوليو ـ سبتمبر 2009، ص35.



Claus Emmeche & Jesper Hoffmeyer, Biosemiotics: An Examination into the Signs of Life and the Life of Signs, Copenhagen: University of Copenhagen Press, 1991.

Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Harvard University Press, 1991,

Charles Sanders Peirce, Collected Papers of Charles Sanders Peirce, Vols. 1–8, Cambridge: Harvard University Press, 1931–1958.

Eco, Umberto. The Open Work. Harvard University Press, 1989,

Fauconnier, Gilles, and Mark Turner. The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities. Basic Books, 2002,

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale, Paris: Payot, 1916.

Lakoff, George, and Mark Johnson. Metaphors We Live By. University of Chicago Press, 1980,

Lakoff, George, and Mark Johnson. Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999,

Latour, Bruno. Why Has Critique Run out of Steam? Critical Inquiry 30, no. 2 (2004)

Lotman, Yuri. Culture and Explosion. De Gruyter, 2009,

Lotman, Yuri. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. I.B. Tauris, 1990,

Thomas A. Sebeok, Signs: An Introduction to Semiotics, Toronto: University of Toronto Press, 1994.

Yuri Lotman, Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture, Bloomington: Indiana University Press, 1990.

sembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory (Oxford: Oxford University Press, 2004),

Rita Felski, The Limits of Critique (Chicago: University of Chicago Press, 2015),.






[HR][/HR]
[1] Bruno Latour, Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory (Oxford: Oxford University Press, 2004), p231;
Rita Felski, The Limits of Critique (Chicago: University of Chicago Press, 2015), p12.

[2] نجوى الرياحي القسطنطيني: في الوعي بمصطلح نقد النقد وعوامل ظهوره، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد1، المجلد 38، يوليو ـ سبتمبر 2009، ص35.
[3] تزفيتان تودوروف، نقد النقد، ترجمة منذر عياشي، بيروت: دار الحوار، 1993. ص. 19–21
[4] رولان بارت، الدرجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد البكري، بيروت: دار الطليعة، 1986، ص. 72–74.
[5] باقر جاسم محمد: نقد النقد أم الميتانقد، محاولة في تأصيل المفهوم، مجلة عالم الفكر، العدد ٣، المجلد ٣٧، مارس 2006، ص 118.
[6] محمد مفتاح، دينامية النص: دراسة في البنية والدلالة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1988، ص. 55–58.
[7] جابر عصفور: قراءة التراث النقدي، موسسة عيبال للدراسات والنشر، قبرص،الطبعة الأولى،1991 ص17
[8] صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، القاهرة: دار الشروق، 1992، ص. 89–91
[9] Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale, Paris: Payot, 1916.p67
[10] Charles Sanders Peirce, Collected Papers of Charles Sanders Peirce, Vols. 1–8, Cambridge: Harvard University Press, 1931–1958.p228

[11] Yuri Lotman, Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture, Bloomington: Indiana University Press, 1990.p123

[12] Thomas A. Sebeok, Signs: An Introduction to Semiotics, Toronto: University of Toronto Press, 1994.p56

[13] Claus Emmeche & Jesper Hoffmeyer, Biosemiotics: An Examination into the Signs of Life and the Life of Signs, Copenhagen: University of Copenhagen Press, 1991.p14

[14] George Lakoff and Mark Johnson, Metaphors We Live By, Chicago: University of Chicago Press, 1980.p3-6

[15] Lakoff, George, and Mark Johnson. Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999, p37.

[16] Fauconnier, Gilles, and Mark Turner. The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities. Basic Books, 2002, p. 112.

[17] Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. Harvard University Press, 1991, p. 45

[18] Eco, Umberto. The Open Work. Harvard University Press, 1989, p89

[19]   Lotman, Yuri. Culture and Explosion. De Gruyter, 2009, p. 56

[20] Lakoff, George, and Mark Johnson. Metaphors We Live By. University of Chicago Press, 1980, p. 204.

[21] Lotman, Yuri. Universe of the Mind: A Semiotic Theory of Culture. I.B. Tauris, 1990, p. 35.

[22] Latour, Bruno. Why Has Critique Run out of Steam? Critical Inquiry 30, no. 2 (2004) 231

[23] Fauconnier, Gilles, and Mark Turner. The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities. Basic Books, 2002, p. 147.

[24] Lakoff, George, and Mark Johnson. Philosophy in the Flesh: The Embodied Mind and Its Challenge to Western Thought. Basic Books, 1999, pp. 35–60.

[25] Lotman, Yuri. Culture and Explosion. De Gruyter, 2009, pp. 55–90.

[26] Eco, Umberto. The Open Work. Harvard University Press, 1989, pp. 70–95.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...