العربي عبدالوهاب ـ حول الثيمة الفنية فى رواية .. قدرى أنت .. للكاتبة (عبير عبدالشكور)



تظل تيمة ( الحب) هى القيمة الأساسية الثابتة التى تنضم تحت لوائها معظم القيم الانسانية ، ولن أكون مبالغا إذا قلت أن الأخلاق أيضا تمثل ركيزة أساسية فى ميدان الحب . ولنترك للخيال مجاله ، وتعالوا نستقرأ واقعنا بدون هذه العاطفة النبيلة التى تعمل على تهذيب الروح ، وتبث فى ثناياها الأمل والتفاؤل والرغبة فى الاستمرار ، بل التمسك بالحياة لن يتم ، إلا عندما يفرج المحتمع عن هذه العاطفة الطاهرة ، ويعطيها قدرها من التقدير والاجلال ، بل من التقديس ذاته . ومن ثم يمهد لها سبل التحقق ، لأن الزواج بدونها يؤول مصيره الى الفشل ، وبدونه يصبح الأب قاسيا ومكروها من جانب أولاده ، ونرى ذلك واضحا فى قسوة الأب غير المبررة ، وخياناته لزوجته التى لا تتوقف ، وأشعر أن بعض الشخصيات فى الرواية جاءت منحوتة كنماذج ، أو أيقونات دالة على سلبيات الرجال فى أبشع صورة ، فهو ( متحجر القلب ، بلا مشاعر انسانية ، تسقط ابنته أمامه مغشيا عليها من تأثير ضربه لها ، ولا يهتم ، وتسقط زوجته نتيجة ضربه المبرح لها، ولا ينشغل ؛ ثم الاعتداء على أولاده بسبب وبدون سبب ، وهذا النموذج - للأسف - رغم وجوده إلا أننى أظن أن الكاتبة جمعت فيه كل سلبيات الرجل من خيانة الى قسوة الى حيوانية ، الى تبلد فى المشاعر.، كان حضوره فى المنزل الى المنزل مثل كارثة او وجوده فيه مصدر تعاسة وتوتر للجميع.

إذا كانت الكاتبة مشغولة هنا بتقديم صورة مصغرة من الواقع الاجتماعى الذى تتولد فى رحابه تلك المشاعر الانسانية الخالدة ، وبرغم الثرثرة أحيانا فى الحديث عن الحب ، تحضر شخصية ( أحمد ) الحبيب الأول والذى فشل فى الحفاظ على هذا الحب ، وانصاع لرغبات أهله ، فترك ( فرحة ) محبويته منذ الطفولة ليرضى والده المريض ، ولأنه تخلى عن حبهما مرتين ، الأولى بعد رفض والدها ، والثانية تلبية لرغبة أبيه فى الاقتران ب( ندى) ابنة صديقه ، هذه الشخصية نموذج جيد معبر عن هذا المجتمع الذى لا يهتم بقداسة عاطفة الحب ، ويهتم أكثر بالمادة والجاهزية لاقامة زواج نجاحه مرتبط بالمستوى الاقتصادى الذى يكفل للزوجين الاعتماد على دخلهما ، والمستوى التعليمى ايضا للوصول للفخار العائلى أن المذكور تزوج من طبيبة .... إلخ.

شخصية فرحة بطلة الرواية من الشخصيات الروائية الناضجة جدا ، شخصية ثرية ، جمعت فى داخلها أفضل صفات الأنثى ، مثقفة ، عاقلة ، خجولة ، دقيقة فى اختياراتها ، تمكنت من حمياة أخيها وأمها من قسوة وبطش أبيها مرات متعددة ، وتطورت شخصيتها شيئا فشيئا طوال أحداث الرواية بشكل يستحق الثناء .

إن نموذج الأم المستكينة التى تحتمل كافة ألوان الاهانات والضرب ، لدرجة أنها تحاول الانتحار أكثر من مرة للخلاص من عذاب هذه المعيشة فى كنف زوج لا يراعى الله ولا الانسانية فيها وفى أولاده ، نموذج شخصية الأم يتهم ايضا المجتمع بأنه مجتمع ذكورى ، يتغاضى عن أفاعيل الرجل ، ولا يرحم الزوجة لو انفصلت وحصلت على لقب مطلقة ، إذن هذه ال رواية تقوم بتحليل الصور الزائفة للسعادة والتى يعيشها المجتمع العربى تحديدا ، تكشف بشخصيات الرواية التصورات المغلوطة ، والسلوكيات السلبية والقناعات اللانسانية التى تدمر بنية الأسرة ومن ثم تدمر المجتمع. فالأسرة هى اللبنة الأساسية فى تركيب كل المجتمعات ، ونهوضها على عدم الاعتراف بالحب ، وتحويله لسلعة اقتصادية ، تعمل على سفر الشباب للخارج لتجهيز الأموال كى يتمكن من الحصول على هذه السلعة التى صار المجتمع يغالى جدا فيها ، وبالتالى عدم توفرها يخلق حالات عنوسة ، ويهدم مشاعر بكر وليدة ، ويساعد على نشر أمراض اجتماعية رهيبة .

الكاتبة فتحت بذكاء كبير النار على مجتمع جعل من الحب سلعة اقتصادية وأفرغها من قيتمها الانسانية.. وأدانت بشدة نموذج الأب ، والحبيب الأول احمد ، وسلبية أمها.

ولأن الرؤية فى رواية ( قدرى أنت) (*) تتجول فى دروب العشق ، وتفتح نوافذ جديدة للرؤية ، نوافذ تقتحم من خلالها الكاتبة الفضاء السردى . ناسية ان الشخصيات والأحداث وكافة الأدوات المستخدمة فى تشكيل الرواية هى المنوط بها توصيل الرؤية الفنية والتعبير عما تسعى اليه الكاتبة ، ولكننا نلاحظ أن ( المؤلفة ) تطل برأسها على فضاء الرواية مسجلة بصوتها رأيها بشكل مباشر .. تتحدث فى الحب ، وسنن الحفاظ عليه ، تلك الأراء التى تجنح بالرواية الى سبل ودروب العشاق المراهقين ، ولأن الكاتبة تخشى عليهم الانزلاق الى التجربة بدون الوعى بأهمية تحمل المسئولية الواجب على الرجل تحملها ، تكتب على ظهر روايتها " الرجل هو الذى يؤمن بأن العذاب ليس قدرا محتوما للمحبين ، وبأن الدمار ليس نهاية حتمية لكل قصة حب جميلة ، ولا كل إمرأة يمكن تعوضها بأخرى ، وأن النضال من أجل الفوز بقلب إمرأة ، والحفاظ على حبها ، وإشراقة وجهها وسعادتها ، هى الرجولة فى حد ذاتها ، وأهم قضية يتبناها الرجل فى حياته هى الحصول على أنثاه، والحفاظ على حبه، الحب لم يخلق يوما للجبناء"

هذا التدخل تارة بارساء مقولات جاهزة عن الحب ، عن التضحية عن ايثار الحبيب لحبيبه ،مثل ( الحب لم يخلق يوما للجبناء ) و ( تحتاج حواء الى الرعاية - التفهم - الحترام - الاخلاص - التصديق - الطمأنينة . بينما يحتاج الرجل الى الثقة - التقبل - التقدير الاستحسان - التشجيع - الاحتواء) ص ٥٤

ما عدا التدخلات السابقة وغير المحسوبة ، فان الرواية تعبر بأسلوب أدبى وفنى وبلغة روائية تمكنت نن لمس أسباب متعددة لانكسار وانهيار قصص الحب ، وسعى المجتمع لكل ما هو مادى متخليا عن احتياحات الروح ، مائلا بزاوية كبيرة نحو الرجل .
----------

(*) عبير عبدالشكور - رواية قدرى أنت - دار بنت الزيات للنشر - القاهرة - ٢٠١٦


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...