سمير اليوسف - مقالات في الحب (3) الحب كعودةٍ إلى الأصل .. حركةً وحرية

-3-

لا يسأل الحبيب نفسه "لماذا أحبّ من أحب؟" بمعنى ما الفائدة التي أجنيها من حبيّ للحبيب؟
في أية علاقة أخرى- خاصة الزواج- الفائدة، أو الفائدة المتبادلة بين شريكين، قد تكون المبرر الوحيد لقيام واستمرار العلاقة. ولكن ليس في حالة الحب وإلا فإنه ليس حباً. وقد لا يعود علينا الحب إلا بالشقاء والعذاب والألم، ومع ذلك نستمر فيه، سواء من خلال علاقة حب أو بدونها. فنحن قد نتمكن من التحرر من علاقة حبٍّ لا تتسبب لنا إلا بالشقاء والعذاب ولكننا لا نستطيع التخلص من عاطفة الحب نفسها. ربما لعمق تغلغلها في النفس، أو لأنها اعلان عن رغبة عميقة أصلاً. الرغبة في الحرية التي يكون الحبّ السبيل الوحيد لبلوغها أو استعادتها.
الحب حركة. حينما يقع المرء في الحب لا يعود بوسعه البقاء ساكناً، سواء كان لوحده أو بصحبة آخرين. في غياب الحبيبة يستبد الشوق بالحبيب ويحس بالتململ، ولا يعود بوسعه المكوث في مكان واحد، فيشرع بالحركة والتنقّل من مكان إلى آخر. وهو لن يحسّ بالاستقرار، والقدرة على الإستقرار، إلا في حضور الحبيبة.
ولكن الحب نفسه قد يكون في الأصل تعبيراً عن رغبة في الحركة والإنتقال من حالة إلى أخرى. الإنتقال النفسي من حالة السكون إلى حالة الحركة، الانتقال من المستنقع الآسن الذي تركن إليه النفس أحياناً إلى نهر الحياة الجاري.
نحن مثلاً، ولأسباب مختلفة، نُقبل على معرفة قصص حياة الآخرين، سواء من خلال قراءة السيرّ الذاتية والروايات، أو مشاهدة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والمسرحيات. وقد ونتفرج على المباريات الرياضية، كرة القدم والمصارعة أو الملاكمة أو التنس.. إلخ. من ضمن الأسباب التي تحضنا على فعل ذلك أن معرفة حياة الآخرين تمنحنا الفرصة بأن نكون آخرين، بأن نتماهى في شخصية من الشخصيات التي نتفرج عليها ونتابعها.
وإنه لفي عملية التماهي هذه ما ينمّ عن انتقال المرء من شخصيةٍ إلى أخرى، من شخصيّته المعهودة، وفقاً لهويته الذاتية، إلى شخصيّة فردٍ آخر يثير اعجابه ويعبّر عن طموحه الممنوع من التحقق. مثل هذا الانتقال هو في الحقيقة تعبير عما هو أعمق من مجرد أن تكون شخصية أفضل أو مختلفة. إنها الرغبة في الحركة الكامنة في أعماق النفس، الحركة التي هي تجسيد للحرية المفتقدة بفعل القيود التي فرضتها علينا حياة الإستقرار بأشكالها المختلفة.
"الحركة من طبيعة الأحياء. السكون للأموات." يقول باسكال. وفي البداية والأصل، قبل حلول عصر الزراعة وما تلاه بعد ذلك من عصور كرّست الاستقرار باعتبارها الحالة الطبيعية للبشر، كانت الحركة، الفعل الطوعي الطبيعي للأحياء. إلى أن أمست ثقافة الإستقرار من الشيوع والاستبداد إلى حدّ أن التنقل والارتحال صار يُعتبر فعلاً شاذاً، وفي بعض البلدان بمثابة جنحة يُعاقب القانون مقترفها.
الحب بما هو حركة، جسمانية ونفسيّة، لهو السبيل لاستعادة المرء للحرية البدائية في الحركة والإنتقال. الحرية التي، على حد رأي نيتشه، زاولها الأسلاف الأوائل من دون أن يحاصروها بمفهومٍ أو يمنحونها إسماً. وبهذا المعنى يكون الحب أيضاً تحرراً من النسبي ومعانقة للمطلق أو الأبدية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...