محمد شعير - المثقف النبيل في السبعين... حسين حمودة: رحلة استكشاف الجَمال

هو نسيجٌ وحده. هو كيان منفرد مستقل بذاته، من الإبداع النقدي والإنساني معًا. نموذجٌ للمثقف الحقيقي، الباحث عن الجمال، الساعي إلى إشاعة الروح النقدية، بتعقل وتوازن وحكمة، بتواضع نادر ودماثة خلق، دون صراع مع أحد، أو انخراط في تجمعات و«شلل» هدفها تبادل المنافع والمناصب والتكسب. هو الرجل النبيل، الناقد الكبير، الدكتور حسين حمودة، الذي نحتفي ونحتفل اليوم ببلوغه السبعين في 17 نوفمبر 2025.
بدأ أستاذ الأدب العربي حسين حمودة رحلته الغنية الطويلة، بحصوله على ليسانس الآداب من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1979 بتقدير جيد جدًّا، ثم درجة الماجستير عام 90 بتقدير ممتاز، عن رسالة بعنوان «دور يحيى الطاهر عبدالله فى القصة القصيرة المصرية»، ثم الدكتوراة سنة 1997 بمرتبة الشرف الأولى، عن دراسته «الرواية والمدينة.. نماذج من كتاب الستينيات فى مصر»، وصولًا إلى نيل أرفع الجوائز المصرية؛ جائزة الدولة التقديرية في الآداب، العام الماضي.
وعلى مدى الرحلة؛ نشر وشارك في عشرات الدراسات، وكتب مئات المقالات، كما أشرف على العديد من الرسائل الجامعية، واشترك في لجان تحكيم الجوائز الأدبية. وبرغم هذا كله؛ عندما سألته «الأهرام» عن عنوان يختاره بنفسه لرحلته، هكذا جاء رده، بتواضع العلماء؛ قال: «أتصور أن العثور على عنوان مطابق تمامًا لهذه الرحلة صعبٌ إلى حد ما.. ومما يرد إلى ذهني الآن، عنوان مثل: «طريق نحو مقاربة الإبداع»؛ الذي يشير إلى طريق قد قطعتُ خطوات عليه، ضمن طرق أخرى كثيرة لم أقطعها، وضمن طرق أخرى كثيرة قطعها كثيرون وكثيرات في الوجهة نفسها».
ويفسر اختياره قائلًا إن مفردة «طريق» ربما تختصر الإشارة لخطوات ما، والسعي الذي لا يكتمل أبدًا، وتومئ إلى زمنٍ ما، ليس قصيرًا، أمضيتُ معظمه في رحلة، وربما أيضًا تشير إلى نوع من عدم الاستقرار؛ فأن يقضي الإنسان حياته على الطريق يعني عدم الركون إلى راحة الاستقرار في بيت. ولعل «مقاربة الإبداع» تومئ، كما يقول، إلى الهدف الذي لا يمكن بلوغه.. «مقاربة الإبداع تظل عملية دائمة، وربما أبدية، لا تصل أبدًا إلى منتهى».
النقد بضمير.. كلمتان بسيطتان في ميزان الكتابة، لكنهما ثقيلتان عندما تصبحان منهاج عمل ونبراس طريق في حياة الناقد. هذا المعنى أمكن لي الخروج به من رده عن السؤال حول القيم المهنية والبحثية والنقدية والأخلاقية التي حرص عليها خلال رحلته مع الكتابة، وخلال تعامله مع المبدعين.
قال: «هذه القيم ارتبطت دائمًا باحترام نصوص المبدعين والمبدعات التي حاولتُ قراءتها، والبدء من الإصغاء إليها، وعدم فرض أي تصور عليها من خارجها، والسعي بأمانة إلى استكشاف أبعاد الجمال فيها.. وطبعًا الاحترام والمحبة خلال التعامل مع أصحابها وصاحباتها.. وقد كنتُ أصاب بـ«أرق» حقيقي في كل مرة أبتعد فيها عن بعض هذه القيم.. ولعلها قد تحولت إلى ضمير يراقبني ويحاسبني دائمًا».
اقترب الدكتور حسين حمودة من عدد كبير من أعظم المبدعين، وعلى رأسهم سيد الأدباء نجيب محفوظ، دون أن يسعى إلى التربح من ذلك أو استثمار الأسماء والذكريات، أو احتكار الحديث في بعض ملفات الثقافة وحول شخصياتها الكبرى المؤثرة؛ فذلك كله لم يكن هدفه أو غايته، إنما المسعى لأجل خدمة الأفكار وحفظ التاريخ والسير، فقد كان اقترابه اقتراب الكبار، واحتكاكه بهم بمنزلة تلاقح الأجلاء، مما يثمر ويزهر، ولا يُفشي أو يُشوه.
وعن ذلك يقول: «نعم.. لقد اقتربتُ من أسماء عظيمة في مجالات الإبداع والنقد، على المستوى الإنساني، بجانب أسماء عظيمة اقتربتُ منها خلال القراءة.. وقد انبهرتُ بكثيرين منهم، وتوقفتُ طويلًا عند ما يتحلُّون به من سجايا.. وأتمنى أن أكون قد تشربتُ بالفعل منهم بعض القيم.. لقد حاولتُ أن أقترب من الجمال في كتاباتهم وفي أرواحهم، بقطع النظر على نجاحي أو إخفاقي في هذا.. مثلا، «الأستاذ» نجيب محفوظ، ظلت القيم والسجايا الرائعة التي اتسم بها، تصوغ «مثلًا أعلى» بالنسبة لي.. رغم إدراكي أن هذا المثل الأعلى أكبر مما أستطيع بلوغه، أو حتى الوصول إلى جزء منه».
هكذا هو دائمًا؛ يفيض التواضع من كل حرف يتفوه به، كما يليق بمفكر حقيقي، يعرف قيمة نفسه، ويخلص للكتابة وحدها، يقرأ ويبحث، ينصت ويفكر، لا يرفض المختلف معه إنما يناقشه، يدلي بدلوه في القضايا محل الجدل في ميادين النقد والأدب، مشتبكًا مع الأفكار وليس الأشخاص، الذين لا يعرف سوى أن يحترمهم ويُجلهم مهما اختلف مع رؤاهم وطرحهم.
وهو أيضًا؛ بفعل روحه الباحثة دومًا عن طريق إلى الجمال، يبدو كأنما ترفض عيناه أن ترى إلا النور، أو أي شعاع منه يقود إلى الأمل. تبدَّى هذا بوضوح في إجابته عن سؤالي الأخير حول الأمس واليوم؛ عن حال الإبداع والمبدعين بين الماضي والحاضر. لم يتحسر الرجل الذي أدرك زمن الكبار. لم يتباكَ أو يتألم، لكنه - بأملٍ أيضًا- تكلم.
قال: «هناك بالطبع مبدعون ومبدعات كانوا وكنَّ بالنسبة لي تجسيدات لقيم وسجايا جميلة.. أفتقدها الآن ضمن افتقادي لمن رحلوا منهم ومنهن.. لكن الواقع الأدبي الراهن فيه أسماء كثيرة من المبدعين والمبدعات أصحاب وصاحبات قيم وسجايا أخرى.. في كل عصر تستطيع أن تجد تمثيلات مضيئة.. طبعًا مع بعض الاختلاف الذي يرتبط بتغير السياقات، وبتنوع أشكال حضور هذه القيم والسجايا».
أخيرًا.. في سبعين الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة نقول: كل عام وأنتَ بإبداع وخير وجمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...