سمير اليوسف - مقالات في الحب (6) الحب عدو الواقع .

غالباً ما يُعتبر الحب صديقاً للخيال وعدواً للواقع.
"الحب يحصل في الروايات والأفلام فقط!" هذا كليشيه مألوف الاستخدام لما ينطوي عليه من تحذير. احذر من الإسراف في الخيال على حساب الواقع! والحب إسراف. وكلما أسرفت في الخيال، أي كلما تجاوز اقبالك على الخيال وقتاً أطول مما تتطلبه قراءة رواية أو مشاهدة فيلم، كلما ابتعدت عن الواقع إلى حد خروجك منه تماماً. وهنا تقع الطامة الكبرى.
نحن نعيش في الواقع ونخضع لقيم الواقع ومؤسسات الواقع ومعايير هذه المؤسسات وشروط الإنضواء والإستمرار فيها. الجنوح إلى الخيال، والإسراف في الخيال، من خلال الحب، يتعارض مع معايير وشروط الواقع. وكلما كان الإرتباط بالواقع أشدّ كلما كان التعارض مع معايير وشروط الواقع أشدّ خطراً والخسارة أكبر.
المرأة المتزوجة التي تقع في حب رجل آخر هي الحبيبة الأشد تعرضاً للخطر من أية حبيبة أو حبيب آخر. فكرّ "مدام بوفاري" فكّر "آنا كارنينا"! حتى في الروايات، والتي من المفترض أن الحب ينتمي إلى عالمها الآمن، فإن المرأة لا تسلم في النهاية من العقاب الوخيم، الخسارة التي تؤدي إلى الموت انتحاراً. ونحن نتكلم هنا عن روايتين من أهم الروايات، ليس فقط من حيث معالجة الموضوع المطروح، ولكن من حيث قيمة كل منهما الجمالية في تاريخ الرواية والأدب.
ولا تسلم المرأة غير المتزوجة من عواقب الإسراف في الخيال على حساب الواقع. مثلاً إن وقعت في حب رجل متزوج، أو غير متزوج، ولكنه لا يصلح زوجاً أو من دين أو مذهب مختلف عن مذهب أهلها وعشيرتها. ولا الرجل أيضاً متزوجاً كان أم عازباً رغم أن خسارة الرجل هي دائماً أقل بكثير من خسارة المرأة.
السؤال لماذا حينما يمثّل الحب خطراً جسيماً على انتمائنا إلى الواقع (المجتمع) لا نأخذ الإحتياطات اللازمة للحؤول دون الإستجابة لندائه؟ لماذا لم تحتط إيما بوفاري؟ لماذا لم تفعل آنا كارنينا إزاء هذا الخطر القاتل؟
الجواب القصير والبسيط: أن الحب يمتلك عنصر المفاجأة. أن الحب يقع بغتة ومن دون انذار مُسبق يتيح للمرأة أن تقوم بالاحتياطات اللازمة قبل أن يستولي عليها ويدمر حياتها. وهذا ما حدث لإيما بوفاري ولآنا كارنينا.
الجواب الأطول والأعقد: هو أنه حتى وإن حدث الحب بشكل مباغت فإنه يحدث لأن الطريق ممهدة أمامه أصلاً، لأن هناك باباً أو نافذة تُركت مفتوحة وجاهزة لإستقبال "فارس الأمل". وتوافر الطريق الممهدة أو الباب المفتوح لا يعود بالضرورة إلى المرأة التي تقع في الحب.
شارل بوفاري، زوج إيما، هو الذي مهّد الطريق لحبيب إيما، وإن من حيث لم يقصد أو يُدرك. بلادة شارل العاطفية هي التي مهدت الطريق وتركت الباب مفتوحاً. إيما بوفاري، في ظل بلادة الزوج العاطفية وفي ظل حياة الملل التي كانت تعيشها، كانت في الحقيقة في حالة حرب مع الواقع قبل ظهور الحبيب ووقوعها في الحب. وكذلك الأمر بالنسبة لآنا كارنينا. كلتاهما اعتبرت الواقع عدوها وحلمت بواقع أفضل. وحينما التقت الواحدة منهما بالرجل الذي وقعت في حبه فإن الأمر لم يقتصر على العثور على رجل تبادله مشاعر الحب وإنما أيضاً على صديق وحليف في معركتها ضد الواقع.
نعم، الحب عدو الواقع حينما يكون الواقع مظلماً أو ضيقاً أو جافاً جفاف الصحراء أو بارداً برودة سيبيريا. ولأن الحياة في واقع كهذا أشبه بالموت، ولأن أمنية الموت ليست بعيدة عن تفكير من يكابد الحياة في واقع كهذا، فإنه لن يمانع أبداً أن يخطو إلى غابة المجهول الخطيرة حيث النهاية قد تكون الموت انتحاراً كما جرى لإيما بوفاري وآنا كارنينا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...