توفيق بوعشرين - حين يصبح الشغل عملة نادرة

كلّما أعلنت المندوبية السامية للتخطيط عن أرقام جديدة، نكتشف أنّ الأزمة لا تحتاج إلى “تحليل خبير” بقدر ما تحتاج إلى من يملك الشجاعة لقول الحقيقة كما هي: نموذج اقتصادي يستهلك الوعود… ولا ينتج الشغل.
##وهذه القراءة ليست سوداوية، بل هي محاولة لفهم لماذا أصبح مؤشر البطالة مثل كرة ثلج… تكبر ولا أحد يوقفها.
1/ البطالة:
كنت أزور موقع المندوبية السامية للتخطيط كعادتي منذ سنوات، فعثرتُ على أسوأ معدل بطالة في الربع الثالث من هذه السنة: 13,1%. مرة أخرى تعلن المندوبية عن رقم كارثي جديد: البطالة باقية وتتمدد… والسبب حكومة “الكفاءات”
لا تشعر الحكومات عندنا بالضغط من ارقام البطالة لان هذا لا يحرجها في انتخابات تعرف كيف تودي ثمن أصواتها
في سنة 1999 كان المعدل يتجاوز 13%، صحيح… لكن آنذاك لم يكن لدينا لا أوراش مونديال، ولا “الدولة الاجتماعية”، ولا القروض الضخمة من الداخل والخارج، ولا شعار “الدولة الصاعدة”، ولا حكومة تدّعي أنها حكومة كفاءات.
لم يكن لدينا 16 مليون سائح، ولا صناعة سيارات وطائرات وكابلات…
ومع ذلك نصل اليوم إلى نفس نسبة البطالة!
هذه النسبة لا تشمل البطالة المقنعة، ولا تعبّر عن حقيقة أنّ البطالة وسط الشباب المتعلم في المدن تتجاوز 40%.
اليوم يدخل اكثر من 400 ألف شخص كل سنة إلى سوق الشغل، بينما لم تنجح الحكومة في توفير سوى 5 آلاف وظيفة في الربع الثاني من العام الحالي.
وحتى حين نقول “وظائف” فالأغلبية الساحقة منها هشة: دون حماية اجتماعية، بأجر ناقص، وبعمل جزئي…
ما الذي يخفّف من الانفجار الاجتماعي… إلى حين كيف يعالج المغاربة أزمة البطالة بدون انتظار شيء من الحكومة ؟
هناك ثلاثة اليات تحمي الوضع من الانهيار الكامل:
1/ الأمطار:
كلما نزل المطر ارتفعت فرص الشغل في العالم القروي. الآن نحن في السنة التاسعة من الجفاف… فماذا بعد؟
2/ الهجرة النظامية وغير النظامية:
كلما ضاق الحال على الشباب يمم وجه نحو البحر او ما وراء البحار بحثا عن فرصة لا توجد في مسقط الرأس
بدورها الهجرة اليوم شبه متوقفة بسبب القيود الأوروبية، ثم الأمريكية، وقبلها الكندية على حركة البشر .
لاحظوا: مسيرة الهجرة الجماعية في الشمال سنة 2024، أعقبها خروج جيل “زيد” في 2025.
الهجرة — كيفما كان موقفنا منها — تلعب دور تخفيف تداعيات الأزمة لدينا في بلاد تعرف واحدا من أعلى معدلات الهجرة في العالم ( 14% من عدد السكان يعيشون في الخارج )…
السبب بسيط: الناس تبحث عن مخرج كيفما كان شكله ولو كان محفوفا بمخاطر الوقوع بين فكي الأسماك في البحر .
3/ التضامن العائلي:
يلعب دورًا إيجابيًا وسلبيًا في الوقت نفسه. التضامن العائلي يغطّي على جزء من الخصاص الذي تعيشه الفئات العاطلة التي تعيش في كنف العائلة وعلى مساعداتها ، لكن هذا التضامن الذي صار بنيويا هو في الواقع يؤجّل الحل ويريح الحكومات من ملايين العاطلين الذين يصفون أبواب عائلاتهم عوض ان يدقوا أبواب الحكومة ، ثم ان هذا التضامن الذي اتسع كثيرا أصبح يعزز التواكل، ويدفع الفئات الوسطى نحو الهشاشة لان عاطلي عايلتها يشدونها إلى تحت، فتستهلك ولا تدخر … وتنزل إلى أسفل بدل أن ترتفع.
المشكلة في النموذج الاقتصادي… لا في المواطن
نحن نتبع نموذجًا اقتصاديًا لا ينتج ما يكفي من الشغل ولا ينتج قيمة مضافة، لأنه اقتصاد تقليدي بلا ابتكار.
خذ مثال شركة OpenAI: شركة حديثة، مداخيلها من الاشتراكات الفردية فقط تتجاوز 15 مليار دولار في السنة، والقيمة السوقية لهذه الشركة الجديدة هو 500 مليار دولار.
قارن ذلك بصناعة السيارات في المغرب التي حظيت بدعم هائل من الدولة: الضرائب، الجمارك، الأراضي… ومع ذلك لا يشغل القطاع بكل شُعبه سوى 230 ألف عامل فقط.
أما المشغّل الأول في المغرب فهو قطاع الخدمات والتجارة بنسبة 49%
(المطاعم، المقاهي، الفنادق، البنوك، التأمينات، النقل تجارة التقسيط …).
ويليه القطاع الفلاحي بنسبة 25%، ثم القطاع الصناعي بـ 13% بما فيه الصناعات التقليدية التي تموت كل يوم، ثم البناء والأشغال العمومية بـ 12%.
في أوروبا تمثل الفلاحة والصيد والغابات أقل من 4% من التشغيل وفي امريكا فقط 1% من السكان من يشتغل في الفلاحة
بينما الصناعات وحدها تشغل اكثر من 30% وهذا هو الفارق بين اقتصاد ينتج الثروة… واقتصاد يوزّع الوعود
الخلاصة أنّنا لا نعيش أزمة بطالة فقط… بل أزمة خيارات ونماذج اقتصادية وسياسية .
حين يظلّ الاقتصاد رهين قطاعات هشة، ويظلّ الابتكار خارج المعادلة، وتُترك الطبقات الوسطى تُستنزف بالتضامن العائلي بدل دولةٍ تحمي وتبني… فإنّ البطالة ليست رقمًا في تقرير، بل جرس إنذار لما قد يأتي.
الأرقام لا تكذب.
الناس لا تكذب.
والمستقبل لا يُصنع بالبلاغات، بل بصناعة حقيقية، وتكنولوجيا محلية، ونموذج اقتصادي شجاع يخلق عملا يليق بكرامة المغاربة.
هذا الموضوع وموضوعات اخرى في الحلقة الجديدة من برنامج بودكاست كلام في السياسة سوال جواب
الرابط في اول تعليق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...