سمير اليوسف - مقالات في الحب (11) على هامش رثاء "خطاب العاشق" .

"أنا أحبك" تقول العاشقة
"ماذا تقصدين بذلك؟" يسأل المعشوق
كيف يمكن الإعراب عن القصد من عبارة تراهن على الوعي الصامت؟ على المعرفة من دون شرح وإيضاح؟
يُمهد رولان بارت لكتابه "خطاب العاشق- شذرات" بكلام أشبه بالتبرير أو حتى الإعتذار:
"إن ضرورة هذا الكتاب لتوجد في الاعتبار التالي: إن خطاب العاشق اليوم لفي عزلة قصوى. هذا الخطاب المنطوق من قبل آلاف الفاعلين ولكن غير المكفول من أحد. إنه مهجور تماما من اللغات المحيطة."
متى أمسى من المحال الكتابة عن الحب، أو الكلام في الحب، من منطلق خطاب العاشق، إلا بعد التبرير أو حتى الاعتذار؟ لماذا؟ ألم يعد هناك عُشّاق في العالم؟
"خطاب العاشق" هو أحد أهم كتب رولان بارت وعلى الأرجح من أهم ما كُتب في موضوع الحب في غضون الخمسين عاماً الماضية (الكتاب صدر عام 1977، قبل ثلاثة أعوام من رحيل مؤلفه). ولكنه مع ذلك كتاب شذرات، كما يُفيد العنوان الفرعي، وكما يُفيد النص. والمؤلف إنما يستعين بنصوص الماضي، شأن رواية غوته "آلام فرتر"، عهد كان هناك خطاب عاشق فخم ومتماسك، وعلى الأقل متوَافقٌ عليه. ولكن بارت يتجنب بحرصٍ شديد، إن لم نقل مبالغ فيه أيضاً، ألا يبدو وكأنه يُعيد انتاج الخطاب القديم، أو حتى يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه من الخطاب القديم. ما يحاوله لهو أقرب إلى رثاء ولكن من دون نوستالجيا، من دون تحسّر. لذلك يكتفي بالاستشهاد والتأمل والمناورة والمراوغة والتطفل السريع والعابر.
لم يعد الكلام عن الحبّ بريئاً أو حتى ساذجاً. لم تعد البراءة ممكنة. الحب، الكلام عن الحب، صار علّمياً، موضوعاً للتحليل العلمي النفسي.
"أنا أحبك!"
"ماذا تقصدين بذلك؟"
ما هو الحب؟ السؤال ينطوي على تحدٍ علمي (علم نفسي). أية محاولة لإجابة غير علميّة على هذا السؤال ستُعتبر ضرباً من البلاغة الهوائية التي تنتمي الى السحب أو أمواج البحر أو .. "الخيال الرومانسي" الذي لا وجود له إلا في الروايات والأفلام، على ما يمضي الكليشيه المألوف.
الردّ النموذجي هو القُبلة. أن تُطبق العاشقة بشفتيها على شفتيّ المعشوق الأحمق. اطباق الشفتين على الشفتين هي محاولة لمنع الآخر من الكلام لكي لا يتفوه بكلام قد يُفسد اللحظة أو بكلام لا حاجة له أصلاً. ولكنه في هذه الحالة إجابة على سؤال "ماذا تقصدين؟" تبرير عدم القدرة على الإجابة، العجز عن الكلام، اللواذ بالصمت الذي لا مفرّ منه طالما أن "خطاب العاشق" أو "العاشقة" معزول عن اللغات المحيطة على ما يقول بارت، وفي عزلة قصوى.
أن الحب لم يعد أفلاطونياً، عذرياً. أنه لم يعد من الممكن الكلام عن حبٍّ كهذا إلا بوصفه كلام مراهقين أو محاكاة ساخرة (بارودّي) للغة عشّاق الماضي، فهذا أمر وثيق الصلة بالخطاب المعرفي الحديث- وهو يختلف في الصميم عن "خطاب العاشق". والخطاب المعرفي الحديث لا يتوقف على اتباع المنهجية العلمية للمعرفة، المادية والحسيّة بطبيعة الحال، وإنما أيضاً على الاقتصاد الحديث وسياسات الإقتصاد الحديث والتسويق والإستهلاك.
من هو الأشد إقناعاً: العاشق الذي يقول لحبيبته "أحبكِ!" أم العاشق الذي يقدم لحبيبته باقة وردة كبيرة ثم يقول لها "أحبّك؟"
#مقالات_في_الحب
.
(غلاف كتاب بارت بالإنكليزية. و"القبلة" لوحة للفنان مالكوم ليبكه)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...