العقيد بن دحو - مأساة تغريبة (سيرڤانتيس)

هم أربعة عباقرة عاشوا مأساة الإغتراب ، و تباينت بهم السُبُل في مجرى التاريخ، ما قبل التاريخ ، الشبيه للتاريخ ، و عند جنون التاريح و كذا الصفر التاريخي .
يمكن أن يكون (ميغيل دي ثيرڤانتس سافيدرا) المدعو : "سيرڤانتس" خامسهم.
- "فيني" في برجه العاجي
- "هوجو" في تاملاته الدينية.
"كلوديل" في هجرة و اسفاره.
- "عويس" في هجره الى دبلن
- "سيرفانتس" أخيرا في أسره على أرض الجزائر (1575 - 1580).
سيرفانتس لم يكن رجل أدب و فن و ثفافة ، لكنه كان أيضا رجل حرب ، شأنه ، شأن من أتخذ من المثقفين و الأدباء حلا لإشكالية رعاية الأداب و الفنون فكما كان : - "ارسطاليس" مؤدب "الاسكندر" ، -"بلين" Pline موظفا كبيرا في الامبراطورية الرومانية ، -"بيكون" Bacon رجل دولة في المملكة الانجليزية ، -"شاتوبريان" Chatuperien سفيرا لفرنسا ثم اصبح وزيرا ، -"ملارميه" Malarmé استاذا ، -"جيرودو" Jean Giroudaux دبلوماسيا ، و "سيرفانتس" و "و"اغريبا دوبنية" رجال حرب و قساوسة و رجال دين.
مأساة (سيرفانتس) و تغريبته ، لا تكمن في أسره عرض حوض البحر الأبيض المتوسط من طرف البحرية الجزائرية القرن السادس عشر ثم اقتياده مصفدا باغلال الى الجزائر العاصمة. اليوم ، لا تكمن في تلك السنوات الخمس التي قضاها كرجل أدب و رجل حرب أسيرا ، و أتخذ من مغارة تقع على مرتفع تل ببلدية(بلوزداد) الجزائر العاصمة ، عرفت هذه المغارة بإسمه "مغارة سيرفانتس" ، جعل منها قربى ثقافية و مصلى أدبي ، كتب من خلالها أولى اروع كتاباته الأدبية الرائعة و الشعرية ز المسرحية : "دون كيشوت" ، "الإسباني المغامر"....
هذا حسن ؛ لكن الأحسن تم أسر سيرفانتس كرجل أدب و كرجل حرب حقق ما يسمى بأسطورة فنان ، سبق السيرياليين بقرون ، حين مزج بين صورة الشاعر ، و الكاهن و رجل الحرب.
هذه الرؤوس الثلاث المؤلفة لمثلث الخلق ، التفكير ، المحاكمة ، اللغة و الدين و القوة.
ألزم هذه الحالات الثلاث بافعال ثلاثة ايضا..فإذا كان مهام الشعر الخلق و الإبداع ، و الإتصال بين ما يمكن ادراكه ز ما لا يمكن ادراكه ، و اذا كان من مهام الكاهن فعل المعرفة ؛ فإن من مهام رجل الحرب فعل القتل.
أخيرا صارت الحرب فنا من الفنون الزمكانية و أن الجندي المقاتل صار فنانا حسب مذهب (رامبو).
فإذا كان سلاح الكاتب القلم ، و سلاح الرسام الريشة ، و سلاح النحاث النقاش الازميل فإن سلاح المقاتل رجل الحرب السيف أو البندقية.
غير أن هذا لا يكفي ، و انما يجب توفر ما يسمى "اللحظة المسحورة" ، هي تلك اللحظة التي يختطفها الفنان في مجرى الزمن ، ويحولها الى كلمات قصيدة شعرية أو الى لون و شكل لوحة فنية أو الى نقش او نحثا او ايقاعا....
بل يعمد تحويلها الى رؤى ، رؤية الشاعر بالكلمات ، و رؤية الرسام بالألوان ، و رؤية النحاث بالحجوم ، ....و أخيرا رؤية رجل الحرب وفق كل هذه الرؤى مجتمعة التدمير و الخلق ، اىتفكيك و التركيب ، الفوضى و الدمار و المظام و التنظيم.
كيف من تلك الحرب العالمية الثانية ، و المدفعية الألمانية النازية تدك ثخوم العاصمة الباريسية ، تمكن مجموعة من الفنانين يبدعون تمثالا لهذا الخراب و الدمار ، من بقايا الاحذية ، الأقمشة الممزقة ، الازرار المهشمة ، نفايات الالواح الخشبية و بقايا الهشيم اعظم تمثالا لهذه الحرب ، وفي اعلى متكإ له ، تحت شعار "كل شيء لا شيء"!.
ما أصعب (الأسر) أشد ايلاما ، لا يمس شخص الأسير ذاته ، انما الإنسانية جمعاء ، هناك حيث يتحول الى رقم ؛ بل الى حالة(...) كحالة الطقس ، يخضع لزصد و سبر
أجهزة القياس البارومترية و الترمومترية ، اين يلعب تمدد و تقلص الزئبق دورا مهما في ضبط الحالة..و هذه أم اغريقي توصي ابنها المحارب ، المتأهب الوصول الى جبهات القتال بقولها :"عُد بدرعك أو محمولا عليه" !
في اشارة اما منتصرا او قتيلا (شهيدا) ، لا ثالث لهما ، لا (أسر) !
كل هذا حسن حول ما يجب أن ندركه حول تغريبة أسر سيرفاناس ، لكن الأجمل ان يعود من حين الى آخر النقاد الأوروبيين و الغرب عموما الى (التقليد الأغريقي ).
حين يقارنون أسر سيرفانتس أرض الجزائر ، بنفي البطل العجائبي الأسطوري (فيلوكتيتيس) أو / (فيلوكتيت) :
تقول الأسطورة : هو فيلوكتيتيس شهد موت هرقل و اعانه عليه ، وورث درعه و سهامه المجنحة ، و لما كان نائما في احدى الليالي تسللت حيّة (افعى) الى مرقده داخل خيمته ، ولدغته في احدى قدمية فعل السم فيها حتى صار تنبعث منها صديدا ذا رائحة كريهة ، ضاق به الاهالي درعا وظنوا ان الآلهة ارادت به سوءا ، تآمرت الساكنة على أن يبعدوه عنهم بعيدا ، جعلوه حتى ينام و نقلوا به الى جزيرة نائية بعيدة ، ظل فيها وحيدا مثقلا بعلته عشر سنوات بأكملها ، شقيا تعيسا.
ثم أوحت الآلهة الى الساكنة أن أثينا لن تضفر و لن تأخذ و تنتصر بالحرب إلا اذا عاد فيلوكتيت من منفاه الإجباري الكيدي و شارك في الحرب بسلاحه الأسطوري الحارق الخارق.
و فعلا و بعد حوار معه مطول استطاعوا ان يقنعوا البطل بالعودة الى أرض الوطن و شارك بالحرب بدرع و سهام هرقل المجنحة و انتصرت أخيرا اثينا مجددا .
كان هذا التفسير الأسطوري الذي يحببه انصار نظرية التقليد الاغريقي في تفسير خالة أسر الجندي المحارب المقاتل على أرض الجزائر
ووفق معنى آخر يصب في نفس الإتجاه : أي يمكن أن نفسر من خلال (ڤيلوكتيت) البطل الاغريقي المحارب المجروح ، الذي بحمل القوس في يده ، فيلوكتيت يروي اسطورة العبقرية الغامضة ، العبقري الذي هو قوة و ضعف ، قدرة و عجز ، و قد يبدو ان لعبقرية الفنان منشأ تكفيريا تطهيريا او قربانيا فالعبقرية مقترنة بالمرض و بالأسر ، و هي مقترنة في كثير من الحالات بنقص الدم و القوة ، لا تقدر أن تقوم دون أن تلحق التشويه بنفسها ، و الكاتب يشبه بهلوان الأرجوحة ، الذي يتدرب طوال النهار كي لا يدق عنقه ليلة العرض ، هكذا بحتفظ الفنان بإمتيازات المجنون و الاحمق و نصف نبي. و يظهر اليوم من جديد في ثوب المهرج ، الجوّاب ، الرائي ، لاعب الورق و في صورة الساحر الجديدة : المخرج السينمائي
معنى ذلك يجب ان لا نأسر انفسنا في نفس المغارة التي اسر فيها سيرڤانتس نفسه فيها ، يجب منح أسره بأرض الجزائر أبعادا اخرى و قراءات اخرى غير تلك السطحية لإنسان عادي.
مأساة تغريبة سيرفانتس لا تتوقف عند اسره واقتياده جريحا الى أرض الجزائر ، انما حيال حرية التاربح ، الفلسفة و الشعر ، و سوف تكون نهاية هذه الحرية نهاية التاريخ.
لا يمكن فهم سيرفانتس من خلال سياقه التاريخي و إلا نكون عاجزين عم اعطائه تفسيرات و تحليلات في غير زمانها.
هامش/
- ما قبل التايخ : ما قبل الميلاد
- الشبيه للتاريخ : كل عادات و تقاليد و ارث انساني مادي و اللامادي ، و خرافة و أثار اساطير
- جنون التاريخ : الحرب المدمرة حين يصير المرء بفكر وفق قوته التدميرية او حسب (منطق ابليس) كما يشاع استراتبجيا.
- الصفر التاريخي: اشارة الى سقوط التماثيل ، تدمير و حرق المكتبات و سائر المعالم التي تعكس الوعي و الحلم الجمعي لأي مجتمع من المجتمعات ، و ايذانا بسقوط الدول.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...