سمير اليوسف - مقالات في الحبّ (الحلقة الأخيرة) الحب ولغة المجاز والصراع ما بين الجناس والطباق

مقالات في الحبّ (الحلقة الأخيرة)
الحب ولغة المجاز والصراع ما بين الجناس والطباق
.

هناك، بحسب فيلسوف التحليل النفسي جاك لاكان، ثلاثة نُظم تحكم الوعي الإنساني: المُتَصوَّر والرمزي والحقيقي. والحب إنما ينتمي الى نظام الوعي الحقيقي.

الحب في نظام المُتَصوَّر هو مجرد حبٌ للذات، الحبيب هو من تنظر وتراه في المرآة. وهو في الطور الرمزّي ما يتوافق مع قيم ومقاييس الذوق العام. يخضع المرء لما تمليه مقاييس وقيّم "الآخر الكبير" وفقاً لما يكون عليه "الآخر الكبير"- الدين أو المجتمع أو النظام الاستبدادي أو كلهم معاً. أفضل تعريف للآخر الكبير في عصرنا هو "الواقعية الرأسمالية" بحسب مارك فشر. وهي يُملي بأن من حق، بل ويمكن للمرء، أن يفعل ما يشاء ويكون من يريد، طالما أذعن الى حقيقة أن لا واقع هناك أبعد من "الواقع" الرأسمالي. لقد توقف الزمن أخيراً عند هذا الواقع الذي لا واقع يتجاوزه في الزمان والمكان.

المعيار الشائع والسائد تبعاً لـ"الواقعية الرأسمالية" هو الجناس: الشيء جيد أو جميل أو صالح أو مفيد لأنه يشبه شيئاً آخر جيداً أو جميلاً أو صالحاً أو مفيداً. لهذا فإن الحب ، لا بد وانه يتجاوز "الواقعية الرأسمالية" ومن ثم فهو لا بد وأنه ينتمي الى طور "الحقيقي". ولكن هذا الطور هو الطور اللامُسمى واللامُعرّف لأنه ما انفك خارج مظلة اللغة. فكيف يمكن للحبيبين أن يتبادلا الكلام؟ أن يبوحا بحب واحدهما للآخر؟

بالشعر طبعاً، بالمجاز!

الشعر هو لغة المجاز، وهي اللغة الوحيدة المؤهلة للإقتراب من "الحقيقي" من وصفه وتعريفه وتسميته وإن مجازاً. هناك أمثلة كثيرة في الأدب والفن عموماً. المثال الذي يعجبني بشكل خاص هو الحوار الذي يجري ما بين بطلي فيلم "حينما إلتقى هاري بسالي"، وهو حوار حول فيلم آخر، "كازبلانكا"" وتحديداً حول نهاية فيلم "كازبلانكا".

على الأرجح فإن فيلم "حينما إلتقى هاري بسالي" هو أذكي فيلم يتطرق إلى موضوع الحب كعلاقة طباقية. هاري وسالي شخصيتان مختلفتان إلى حد النفور المتبادل إن لم نقل الإحتقار المتبادل أيضاً. تجمعها الصدفة في لقاء عابر وهما في مطلع حياتهما ثم يفترقان ولا يلتقيان إلا بعد أعوام عديدة بعد أن بلغا من النضج ما يتيح لهما أن يتجاهلاً نفورهما المتبادل والاستقرار على الاختلاف من منطلق الإحترام المتبادل.

لا شيء هناك يجمع ما بين "رِك" و"إلسا"، بطليّ فيلم "كازبلانكا"، بهاري وسالي، بيد أن الفيلم يتخذ من حوار هاري وسالي حول نهاية "كزبلانكا" كناية على العلاقة التي تربطهما في البداية والنهاية. الحوار يحدث في البداية ولاحقاً قبل النهاية واعترافهما بحب واحدهما للآخر. في البداية الحوار يُستخدم ليس فقط لاظهار مقدار الإختلاف ما بين هاري وسالي وانما لكي يقول الواحد للآخر: من المستيحل أن أحبك! وفي النصف الثاني من الفيلم، وبعد أن صارا "صديقين"، الحوار يُستخدم لكي يقولا لواحدهما الآخر: ما الذي ننتظره؟ لماذا لا نبوح بحب واحدنا للآخر؟

وهذا ما يحصل في نهايةٍ من أجمل وأنجح نهايات الأفلام "الرومانسية".
*

كان الحوار ما بين هاري وسالي في فيلم "حينما التقى هاري بسالي" بمثابة مجاز الغرض منه مناقشة طبيعة علاقتهما في الحقيقة. يدور الحوار، كما سبق القول، حول نهاية فيلم "كازبلانكا" وحيث "رِك" يحض حبيبته "إلسا" على أن تلتحق بزوجها بدلاً من اختيارها البقاء معه. فهي تنتمي لزوجها ولسوف تندم في المستقبل أن هي لم تلتحق بزوجها.

يرى هاري بأن ما فعله "رِك" هو الصحيح، ليس فقط أخلاقياً وإنما عاطفياً. أن تحبّ أحداً هو أن تحب الخير لهم وما يضمن سعادتهم في المستقبل. بينما سالي ترى بأن لو "رك" كان يحب إلسا فعلاً لما كان شجعها على هجره والإلتحاق بزوجها.

يبدو الحوار بريئاً من حيث الظاهر. ولكنه كما أسلفنا القول هو حوار مجازي يتعلق بهما. وكأننا بسالي تقول لهاري إن كنت تحبني فيجب أن تعترف بحبك لي وتحتفظ بي كحبيبة وليس كصديقة فقط كما هو الأمر عليه. بينما هاري من جهته يريد أن يقول بأن من الأفضل أن يبقيا كأصدقاء. ما سرّ هذا التباين في موقفيهما؟

الجناس والطباق!
يؤمن هاري بأن الجناس ضروري لنجاح أية علاقة عاطفية. أي أن تكون القواسم المشتركة أكثر وأهم من عناصر التباين والإختلاف بين الحبيبين. هذا في حين أنهما على طرفي نقيض في كل شيء تقريباً، فكيف يمكن أن يكونا حبيبين أو في علاقة عاطفية حتى وإن كان الشعور بالحب هو ما يكنه الواحد للآخر؟

ولكن سالي ترى بأن اجتماع الضدين في الحب (الطباق) ممكناً رغم كل ما يمكن أن يحول دون مثل هذا الإجتماع. سالي تتكلم من منطلق الحب نفسه، الحب الذي يتحدى ويقاوم وينتصر على كافة العقبات التي تحول دون اجتماع الحبيبين. هاري يتكلم من جهة الواقع، امكانية نجاح علاقة ما بين شخصين على ذلك القدر من التباين في التفكير والمزاج والذوق.

لا ينتهي فيلم "حينما التقى هاري بسالي" كما ينتهي فيلم "كازبلانكا" حيث يستسلم الحبيبين لشروط الواقع. سالي تنتصر على هاري. الطباق ينتصر على الجناس. الحب ينتصر على الواقع. ولكن ماذا عن المستقبل؟ هل يمكن للحب أن يستمر بين شخصين على ذلك القدر من الإحتلاف في الطبيعة؟
الجواب على هذا السؤال يستحق وقفة أخرى!
#مقالات_في_الحب
.

(من فيلمي "حينما التقى هاري بسالي" 1989 و"كازبلانكا" 1942)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...