سمير اليوسف - الغزالي وفتغنشتين.. الصمت والاكتئاب

في ذروة نجاحه الأكاديمي والفكري، وقف أبو حامد الغزالي أمام جمهور تلاميذه في "المدرسة النظامية" في بغداد عاجزاً عن الكلام. وكان الغزالي قد أتمّ أهم وأخطر كتبه وأشهرها، "تهافت الفلاسفة".
بعد أكثر من 800 عاماً على هذه الحادثة، وعلى مبعدة 5000 كلم من بغداد، في خنادق الحرب العالمية الأولى في أوروبا، سيخلص لودفيع فتغنشتين، في كتابه الشهير "رسالة منطقية فلسفية"، إلى العبارة التالية: "ما لا يسعنا الكلام عنه ينبغي أن نمر عليه بصمت!"
ليست هناك قواسم مشتركة عديدة ما بين الإمام الغزالي (قدّس الله سره) والفيلسوف النمسوي فتغنشتين وما كنّا لنتوقع وجود أية قواسم مشتركة على الإطلاق. ولكن مع ذلك كان هناك قواسم مشتركة لعل أبلغها دلالة في تاريخ الفلسفة، القول بضرورة اللجوء إلى الصمت بعد أن نتبيّن حدود ما نعرف وما يمكن أن نعرف. أو، بكلمات أخرى، أن ما نعرف وما يمكن أن نعرف، قليل جداً بما يُثير الخجل ويبرر اللواذ بالصمت.
المعلوم أن عجز الغزالي عن النطق أمام تلاميذه كان نتيجة مرضٍ غامض أصابه وعاني منه حتى نهاية حياته. هذا المرض هو ما نسميه اليوم بـ"الاكتئاب". الأمر الذي حمله على مغادرة بغداد والقيام برحلة عبادة استشفائية لمدة عشرة أعوام. فتيغنشتين أيضاً عانى من الاكتئاب طوال حياته، وفكّر في غير مناسبة واحدة، بالإنتحار. وهو بعد أن أتم "رسالة منطقية فلسفية" هجر الفلسفة لما يزيد على عشرة أعوام أيضاً.
انتمى الغزالي وفتغنشتين إلى من يسميهم الفيلسوف الفرنسي آلان باديو بـ"الفلاسفة المعادين للفلسفة". في "تهافت الفلاسفة" و"رسالة منطقية فلسفية، سعى كلاهما الى نسف ادعاءات الفلاسفة واغلاق باب الفلسفة مرة واحدة وإلى الأبد. أفلح الغزالي في أن يدحض خرافة ما يُسمى بـ"الفلسفة الإسلامية" على غرار الفلسفة اليونانية. ولم تكن مساهمة فتغنشتين أقل شاناً في تدمير صرح الميتافيزيقيا الغربية في القرن العشرين. كلاهما بعد أن اكتشف بأن الصمت هو المصير أقبل على التصوّف ولكن بتحفظ كبير.
لا علاج هناك لمرض الاكتئاب. قصارى ما يسع المريض فعله هو التعايش مع هذا المرض. وهذا ما فعله الغزالي وفتغنشتين: شغل الغزالي عقله بتاليف كتابه الموسوعي "إحياء علوم الدين"، وهو بمثابة مرجع رئيسي لتلامذة ومعلمي الفقه والشريعة. أما فتغنشتين فعاد إلى عالم الفكر بنظرية "ألعاب اللغة" التي تعتبر استخدام اللغة بمثابة انضواء في لعبة تحكمها جملة قوانين متعارف عليها. وكأننا بالفيلسوف النمسوي يقول إن لم نفلح في الصمت فعلى الأقل لنكن على بيّنة من أن الكلام هو مجرد ضرب من اللعب والعبث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...