رائد محمود قديح - غزّة... القلب الذي يكشف فلسطين ولا يختزلها

غزّة ليست تفصيلًا في الهامش، ولا ملفًا يمكن فصله عن أصل الحكاية.
أثناء حديثي عبر الهاتف مع مدير بيت الشعر العربي صديقي الشاعر الكبير سامح محجوب، أوحى إليّ بكتابة هذا المقال حين قال إنّ كلّ ما في غزّة يشبه فلسطين التاريخية بكلّ تفاصيلها ومفرداتها، فكان هذا:
غزّة هي القلب الذي لا يتوقّف عن الخفقان، والنبض الذي يذكّر العالم بأن فلسطين لا تُختَزل، ولا تُجزَّأ، ولا تُقرأ إلّا كوحدة واحدة.



في غزّة كلّ ما هو فلسطينيّ ثابت حتى العظم: الأرض التي تتشبّث بأصحابها، الهوية التي لا تتبدّل، الذاكرة التي لا تمحوها المجازر، والإرادة التي تقف كجدار أخير بين الحقّ وفناء الحقيقة.
لكن تحويل غزّة إلى العنوان الوحيد للقضية، أو حشر فلسطين كلّها في مربّع غزّة، ليس صدفة ولا سذاجة.
إنه فعلٌ مُمنهج، مقصود حدّ الدقّة؛ يراد به سلخ غزّة عن عمقها الفلسطيني أولًا، ثم نزع فلسطينية غزّة نفسها لاحقًا، ليصبح الاحتلال قادرًا على تقطيع ما تبقّى من الوطن… مدينةً بعد مدينة، وساحةً بعد ساحة، حتى يغدو ما تبقّى من فلسطين مجرّد جغرافيا مُفرّغة من معناها.
والأخطر أنّ هذا الاختزال لم يبقَ حبيس غرف الدعاية المعادية، بل بدأ يتسرّب ـ بوعي أو من دونه ـ إلى أقلام بعض الكتّاب، وخطابات الإعلاميين، ومنصّات عربية كان يُفترض أن تكون أكثر وعيًا، وأقرب إلى نبض الناس وحقائق الأرض.
هنا يتبدّى الخطر الحقيقي: أن يتبنّى بعضنا سرديّة صُنعت خصيصًا لتفريغ فلسطين من روحها، وتفتيت وحدتها التاريخية، وصناعة وعيٍ معطوب.
لهذا، علينا أن نكون أكثر يقظة ووعيًا.
فالقضية لم تكن يومًا — ولن تكون — قضية مدينة واحدة أو شريط ساحلي أو جبهة منفردة.
فلسطين كلّها جبهة؛ فلسطين واحدة موحَّدة من بحرها إلى نهرها، في غزّة كما في القدس، في الضفّة كما في حيفا ويافا، وفي وعي كلّ فلسطيني، وكلّ حرّ لا تزال العدالة تعني له شيئًا.
اختزال القضية في غزّة ليس فقط خطأً سياسيًا، بل خطيئة معرفية وإعلامية لا تُغتفر.
غزّة وجهٌ من وجوه فلسطين الحيّة، لكنها ليست فلسطين كلّها. وفلسطين "كلّ فلسطين" هي المعنى الأعمق لغزّة، وصوتها، وامتدادها، وحقيقتها التي لا يستطيع أحد أن ينتزعها.
غزّة لا تختصر فلسطين… غزّة تكشف فلسطين على الدنيا.
وفلسطين، وحدها، هي المعنى الذي يكتمل به كلّ شيء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...