كتاب (المستدرَك على كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي).
حققه وعلق عليه وقَدَّمَ له الدكتور كيان أحمد حازم يحيى. وصدر سنة 2024 عن دار (المدار الإسلامي).
ذكر المحقق في مقدمة الكتاب أنه عثر على مخطوطات لكتاب الإمتاع لم يرها محققو الكتاب قبله، ولا سيما محققي الطبعة الرائجة: الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين.. وأنه عثر في هذه المخطوطات على نصوص لم تنشر في طبعتهما.. وعلى تصحيحات لكثير مما نشرا.
الكتاب طريف وممتع. وقد اخترت لكم مما استطرفتُه من نصوص الكتاب الجديدة الشذرات التالية (العناوين من عندي):
في الأدب والفكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صناعات أفلاطون:
( حكى أبو سليمان قال: قال أفلاطون: الصناعاتُ ثلاثٌ: إحداها التي يكون الكلامُ فيها أكثرَ من الفعل. والثانيةُ أن يكون الفعلُ فيها أكثرَ من الكلام. والثالثةُ هي التي يكون الكلامُ والفعلُ فيها متساويَيْن.
والتي الكلامُ فيها أكثرُ من الفعل، فهي مثل الحكاية باللفظ، ولا تكون كالفعل. والتي الفعلُ فيها أكثرَ من الكلام، فهي مثل الطب، فإن عملَ الطبيب بيده أكثرُ من كلامه. وأما التي يتساوَى الكلامُ والفعلُ فيها، فهي الموسيقى، ولذلك هي أشرفُ الصناعات.)
العمل النبيل:
(عَزَلَ الإسكندرُ عاملاً له عن عملٍ نفيس، وَوَلَّاه عملاً خَسيساً، فقَدِمَ عليه بعد حين، فقال له: كيف رأيتَ عملَك؟ فقال: أيها الملك، ليس بالعمل النبيل يَنْـبُـلُ الرجلُ، لكن الرجل ينبُلُ عملُه، وإن كان العملُ خسيساً، بحسن سيرته).
العلمُ صورة:
( النفوسُ كلها من جنس واحد. واختلافها بحسب معارفها وآرائها وأعمالها، لأن هذه الحالات هي صُوَرٌ في جوهرها، وهي (النفوسُ) كالهيولَى لها. وذلك أن النفسَ الجزئيةَ إذا قبلَتْ علماً تكون أشرفَ وأفضلَ من سائر النفوس التي هي من جنسها. والعلمُ في النفس ليس سوى صُوَرِ المعلومات انتزَعَتْها النفسُ وصَوَّرَتْها في فكرها. )
هِـيـتْ:
( يُقالُ: أَخْنَثُ من هيت. و(هيت) من مُخَنَّثي المدينة، (1) وكان يدخلُ على أزواج النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم متى أراد. ومن حديثه أنه دخل يوماً دارَ أم سَلَمَة ورسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم عندها، فأقبل على أخي أم سلمة عبدِ الله بن أبي أمية فقال: إذا فتحَ اللهُ عليك (الطائفَ)، فَسَلْ أن تُـنَـفَّـلَ بنتَ غيلان بن سلمة بن مُعَتَّب الثقفي، فإنها مُبَتَّلَةٌ هَيْفاءُ شَـمُـوعٌ (2) نَجْلاءُ، تَناصَفَ في القَسامَة وجهُها (3)، معتدلة القامة، جامعة الوَسامَة، إذا قامَتْ تَثَـنَّـتْ، وإذا قَعَدَتْ تَـبَـنَّـتْ، (4) وإن تكلَّمَتْ تَغَـنَّـتْ، أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، وبين فخذيها كالقَعْبِ المُكْفَإِ،(5) كما قال قيس بن الخطيم:
( تَغْتَرِقُ الطَّـرْفَ وهي لاهيةٌ
كأنما شَـفَّ وجهَها نَـزَفُ
بين شُكولِ النساء خِـلْـقَـتُها
قَصْدٌ، فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ) (6)
فسمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: مالَـكَ؟ سَباكَ الله. ما كنتُ أحسبك إلا من غير أُولِي الإِرْبَةِ من الرجال، فلذلك كنتُ لا أحجبك عن نسائي.
وأَمَر أَنْ يَسـيـر إلى (خـاخ)، (7) ففعل، فدخل بعضُ الصحابة في أثر الحديث، فقال: أتأذنُ لي يا رسولَ الله أن أتبعَه فأضربَ عنقَه؟ قال: لا، إنا قد أُمِـرْنا ألا نقتلَ المُصَـلِّـين )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ المخنَّثون هم الخِـناث: جمع خُنْثَى: ليس ذكراً خالصا ولا أنثى خالصة. يقول شاعر يهجو بني قُشَـيْـر:
( لَعْمِرُكَ ما خِناثُ بني قُشَيْرٍ
بِـنِـسْــوانٍ يَـلِـدْنَ ولا رجَــالِ )
2 ــ المرأةُ الشَّـموع: الضاحكةُ اللَّـعوب. من شَمَعَ يشمَعُ إذا لم يَـجِـدّ. قال أبو ذؤيب يصف حماراً وحشياً وأُتُـنَـه:
( فَـلَـبِـثْـنَ حيناً يَعْـتَـلِجْـنَ بـروضةٍ
فَـيَـجِـدُّ حـيناً في المِـراحِ ويَـشْـمَـعُ)
3ــ القَسَامَةُ والقَسَام: الحُـسْـن والجَـمال.
(تَناصَفَ وجهُها في القَسامة): أخذ كلُّ جزء من وجهها (الأنف، الخدان، الشفتان/ الجبين..) حَقَّهُ من الحُسْنِ كاملا غـيـرَ منقوص. أي: اقتسَمَتْ أعضاءُ الوجه الحُسْنَ بالسَّوِيَّة. وروَى المبرد في (الكامل) عن أبي العباس ثعلب، أنه أنشدَ، (وهو يُفسر كلمةَ (غَـرِضَ يَغْـرَضُ) بمعنى: اشتاقَ يَشتاقُ)، قولَ الشاعر:
إنِّـي غَـرِضْـتُ إلى تَـنَاصُـفِ وَجْهِها
غَـرَضَ الـمُحِبِّ إلى الحَـبيبِ الغائبِ
4 ــ تَبَـنَّـتْ: باعَـدَتْ ما بين فخذيها وهي تقعد لعِظَمِ عجيزتها.
5 ــ القَعْبُ: القَدَحُ الضخم. والمُكْـفَأُ: المقلوب
6 ــ تغترقُ الطَّرْفَ: تشغله عن النظر إلى غيرها
شَفَّ وجهَها نَـزَفُ: جَـهَـدَهُ وأتعبه، يريد دِقَّـةَ قَسَمات وجهها.
شُكُـول: ضُـرُوبٌ وأشْكال. يقول المتنبي:
( لَياليَ بعد الظاعنين شُكُـولُ
طِـوالٌ وليلُ العاشقـين طــويلُ)
لا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ: لا سمينة ولا نحيفة.
7 ــ خاخ: بلدة خصبة على مسافة مسيرة يوم من المدينة المنورة. حَـمَاها النبيُّ والخلفاءُ الراشدون لتربية إبِـلِ بيت مال المسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اللغة
ـــــــــــــــــــــــ
كِـلاهُـمَا
ــــــــــــــــــ
( قال (الوزيرُ ابنُ سعدان الذي حاوره أبو حيان في ليالي الإمتاع والمؤانسة): كيف يُقال: رجلٌ عَجِلٌ أو عَجُلٌ؟
قلتُ: كِلاهما يُقال
قال: لِـمَ لَـمْ تقل: يُقالان؟
قلتُ: وهذا يُقال أيضاً. قال الأسودُ بن يَعْفُـر:
إنَّ المنيةَ والحُـتُــوفَ كلاهــما
يُوفي المَخارِمَ يَرْقُبان سَـوادي
فأتَى بالوجهيْن. وكأن الذي يُوَحِّـدُ يعتبر: (كِلا)، والذي يُثَـنِّي يعتبر: (هما).
قال: ما أحسن هذا! )
أَوْلَى له
ــــــــــــــــــــ
(قال: ما معنى قول العرب: أَوْلَى له؟
قلت: قال الأصمعي: أولَى له: قد دَنَا من الهلكة. كأنه (أفعلُ) من (وَلِيَ يَلِي)
بالـرِّفاء والبَنين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( قال الوزير: ما معنى قولهم: بالـرِّفاء والبَنين؟
فكان من الجواب: أن الأنباري يقول، على ما حدثنا به الـرحبي عنه: إنَّ الـرِّفاءَ: المال.
وقال غيرُه: الرفاءُ: الاتفاقُ والملاءمةُ، من قولهم: رَفَـأْتُ الثوبَ أرْفؤُه: إذا ضَمَمْتَ بعضَه إلى بعض.
ويُقال: الـرِّفاءُ الـسكون والهدوء من قولهم: رَفَأْتُ القومَ إذا سَـكَّـنْـتهم. قال الشاعر:
( رَفَـوْني وقالوا: يا خَـوَيْـلِـدُ لا تُـرَعْ
فقلتُ، وأنْــكَــرْتُ الوجـوهَ،: هُـمُ هُـمُ )
البعيرُ العَـيَّـار
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ويُقالُ: عارَ البعيرُ يَعيرُ عَيَراناً وعِياراً، إذا كان في شَـوْلٍ (والشولُ هي النوقُ التي خَـفَّ وارتفعَ لبنُها)، وتَـركها، وانطلقَ نحو أخرى، كأنه يستطْـرِفُ، كما يشتهي الرجلُ الطَّـرائف. )
ويبدو أن البعير المُعار هو الذي تركه صاحبُه يَعيرُ أي ينفلت ويذهب فيرعى حيث شاء. وفي لسان العرب: أَعَرْتُ الفرسَ: أسمنتُه قال الشاعر:
(أعيروا خيلَكم ثم اركضوها
أَحَـقُّ الخيل بالركض المُعارُ)
ويقول محققا المفضليات إن بيت اللسان هذا قديم جدا، والظاهر أنه هو الذي حكى بشر بن أبي خازم الأسدي أنه وجده في كتاب بني تميم حين قال:
( وجدنا في كتاب بني تميمٍ:
أَحَقُّ الخيل بالركـضِ المُـعارُ )
لُـكَـع
ــــــــــــــ
( قال: ما اللُّـكَـعُ؟
فقلتُ: يُقال إنه العبد، ويُقال هو النَّذْلُ، ويُقال هو الوَسِخُ، وحكى ابنُ الأعرابيّ قال: ليس في الدنيا شيءٌ أَشَـدُّ من أن يُـقالَ للعربيِّ القُـحِّ: يا لُـكَـع. وجاء كتابٌ من بعض الخوارجِ إلى الحَـجَّـاج كانت فيه مواضع (اسمع يا لُكَع). قال الرسول (الذي جاء بالكتاب إلى الحجاج): كنتُ واقفاً بين يدي الحجاج وهو يقرأ ويتغير وجهُه، ثم رفع رأسَه وقال لي: أَما عرفتَ ما فيه؟ فقلتُ: أصلح اللهُ الأمير، ما أدري ما فيه، لأني أُمِّـيٌّ لا أقرأ ولا أكتب.. قال: فضحك وقال لي: والله لو قلتَ: قد فهمتُه، لَضَربتُ عنقَك. )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الشعـر
ــــــــــــــــــــــــــــ
ــــ قال: أنشدني بيتاً في الغَـزَل، فأنشدتُه:
( سَـرَتْ في سَـواد القلبِ حتى إذا انتهَى
بها السَّـيْـرُ وارتادَتْ حِـمَى القلبِ، حَـلَّـتِ
فللـعَــيْـن تَـهْـمـالٌ إذا القـلـبُ مَـلَّـها
وللقـلب وَسْـواسٌ إذا العـيـنُ مَـلَّــتِ
ووالله ما في القلب شيءٌ من الهـوى
لأخـرى سـواها، أَكْـثَـرَتْ أو أَقَـلَّـتِ )
ــــ ( ثم قال: وصَلَتْ إليَّ رقعةٌ لِبِشْر بن هارون، في آخرها أبياتٌ لا أظنها له، وإن كان مَلِيّاً بقرض أمثالها، فإن عرفتَ فقل، وإن لم تعرف فَسَلْ. وأنشد:
( رجوتُ لك الوزارةَ طولَ عمري
فلما كـان منها مـا رجَـوْتُ
تَـقَـدَّمَـني أُناسٌ لم يـكـونوا
يَـرومون الكلامَ إذا دَنَوِتُ
فأحببتُ المماتَ، وكلُّ عيشٍ
يُحَـبُّ الموتُ فيه، فهو موتُ )
فقلتُ: أنشَدَنا هذه الأبياتَ ابنُ البقال الشاعرُ قال: أنشدني ابنُ بسام في عليّ بن عيسى الوزير.
قال: فإذن استعارها بشر. وقد يكون مثلُ هذا. والغَنِـيُّ قد يحتاج مرةً إلى أن يستقرض، فليس كلَّ وقتٍ يحضره المالُ. )
ــــ ( عادَ عبدُ الله بنُ طاهر إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في علةٍ اعتـلَّها، فقال الناسُ (حين استعظموا أن يزور أميرٌ كبير كعبد الله بن طاهر رجلاً أَقَلَّ منه مقاما): إنما هي خَطْرةٌ خَـطَـرَتْ، فبلغَ إسحاقَ ذلك، فكتب إلى عبد الله بن طاهر:
قالوا: العِيادَةُ خَـطْــرَةٌ خَـطَرَتْ
وصَـحيـحُ بِـرِّكَ ليس بالـخَـطْـرِ
فَـارْدُدْ مـقَـالَـتَـهم بِـثـانِـيَــةٍ
تستنْفِدُ المعروفَ من شكري
فَـعاده (عبدُ الله بنُ طاهر) ثانيةً. )
حققه وعلق عليه وقَدَّمَ له الدكتور كيان أحمد حازم يحيى. وصدر سنة 2024 عن دار (المدار الإسلامي).
ذكر المحقق في مقدمة الكتاب أنه عثر على مخطوطات لكتاب الإمتاع لم يرها محققو الكتاب قبله، ولا سيما محققي الطبعة الرائجة: الأستاذين أحمد أمين وأحمد الزين.. وأنه عثر في هذه المخطوطات على نصوص لم تنشر في طبعتهما.. وعلى تصحيحات لكثير مما نشرا.
الكتاب طريف وممتع. وقد اخترت لكم مما استطرفتُه من نصوص الكتاب الجديدة الشذرات التالية (العناوين من عندي):
في الأدب والفكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صناعات أفلاطون:
( حكى أبو سليمان قال: قال أفلاطون: الصناعاتُ ثلاثٌ: إحداها التي يكون الكلامُ فيها أكثرَ من الفعل. والثانيةُ أن يكون الفعلُ فيها أكثرَ من الكلام. والثالثةُ هي التي يكون الكلامُ والفعلُ فيها متساويَيْن.
والتي الكلامُ فيها أكثرُ من الفعل، فهي مثل الحكاية باللفظ، ولا تكون كالفعل. والتي الفعلُ فيها أكثرَ من الكلام، فهي مثل الطب، فإن عملَ الطبيب بيده أكثرُ من كلامه. وأما التي يتساوَى الكلامُ والفعلُ فيها، فهي الموسيقى، ولذلك هي أشرفُ الصناعات.)
العمل النبيل:
(عَزَلَ الإسكندرُ عاملاً له عن عملٍ نفيس، وَوَلَّاه عملاً خَسيساً، فقَدِمَ عليه بعد حين، فقال له: كيف رأيتَ عملَك؟ فقال: أيها الملك، ليس بالعمل النبيل يَنْـبُـلُ الرجلُ، لكن الرجل ينبُلُ عملُه، وإن كان العملُ خسيساً، بحسن سيرته).
العلمُ صورة:
( النفوسُ كلها من جنس واحد. واختلافها بحسب معارفها وآرائها وأعمالها، لأن هذه الحالات هي صُوَرٌ في جوهرها، وهي (النفوسُ) كالهيولَى لها. وذلك أن النفسَ الجزئيةَ إذا قبلَتْ علماً تكون أشرفَ وأفضلَ من سائر النفوس التي هي من جنسها. والعلمُ في النفس ليس سوى صُوَرِ المعلومات انتزَعَتْها النفسُ وصَوَّرَتْها في فكرها. )
هِـيـتْ:
( يُقالُ: أَخْنَثُ من هيت. و(هيت) من مُخَنَّثي المدينة، (1) وكان يدخلُ على أزواج النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم متى أراد. ومن حديثه أنه دخل يوماً دارَ أم سَلَمَة ورسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلم عندها، فأقبل على أخي أم سلمة عبدِ الله بن أبي أمية فقال: إذا فتحَ اللهُ عليك (الطائفَ)، فَسَلْ أن تُـنَـفَّـلَ بنتَ غيلان بن سلمة بن مُعَتَّب الثقفي، فإنها مُبَتَّلَةٌ هَيْفاءُ شَـمُـوعٌ (2) نَجْلاءُ، تَناصَفَ في القَسامَة وجهُها (3)، معتدلة القامة، جامعة الوَسامَة، إذا قامَتْ تَثَـنَّـتْ، وإذا قَعَدَتْ تَـبَـنَّـتْ، (4) وإن تكلَّمَتْ تَغَـنَّـتْ، أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، وبين فخذيها كالقَعْبِ المُكْفَإِ،(5) كما قال قيس بن الخطيم:
( تَغْتَرِقُ الطَّـرْفَ وهي لاهيةٌ
كأنما شَـفَّ وجهَها نَـزَفُ
بين شُكولِ النساء خِـلْـقَـتُها
قَصْدٌ، فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ) (6)
فسمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: مالَـكَ؟ سَباكَ الله. ما كنتُ أحسبك إلا من غير أُولِي الإِرْبَةِ من الرجال، فلذلك كنتُ لا أحجبك عن نسائي.
وأَمَر أَنْ يَسـيـر إلى (خـاخ)، (7) ففعل، فدخل بعضُ الصحابة في أثر الحديث، فقال: أتأذنُ لي يا رسولَ الله أن أتبعَه فأضربَ عنقَه؟ قال: لا، إنا قد أُمِـرْنا ألا نقتلَ المُصَـلِّـين )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ــ المخنَّثون هم الخِـناث: جمع خُنْثَى: ليس ذكراً خالصا ولا أنثى خالصة. يقول شاعر يهجو بني قُشَـيْـر:
( لَعْمِرُكَ ما خِناثُ بني قُشَيْرٍ
بِـنِـسْــوانٍ يَـلِـدْنَ ولا رجَــالِ )
2 ــ المرأةُ الشَّـموع: الضاحكةُ اللَّـعوب. من شَمَعَ يشمَعُ إذا لم يَـجِـدّ. قال أبو ذؤيب يصف حماراً وحشياً وأُتُـنَـه:
( فَـلَـبِـثْـنَ حيناً يَعْـتَـلِجْـنَ بـروضةٍ
فَـيَـجِـدُّ حـيناً في المِـراحِ ويَـشْـمَـعُ)
3ــ القَسَامَةُ والقَسَام: الحُـسْـن والجَـمال.
(تَناصَفَ وجهُها في القَسامة): أخذ كلُّ جزء من وجهها (الأنف، الخدان، الشفتان/ الجبين..) حَقَّهُ من الحُسْنِ كاملا غـيـرَ منقوص. أي: اقتسَمَتْ أعضاءُ الوجه الحُسْنَ بالسَّوِيَّة. وروَى المبرد في (الكامل) عن أبي العباس ثعلب، أنه أنشدَ، (وهو يُفسر كلمةَ (غَـرِضَ يَغْـرَضُ) بمعنى: اشتاقَ يَشتاقُ)، قولَ الشاعر:
إنِّـي غَـرِضْـتُ إلى تَـنَاصُـفِ وَجْهِها
غَـرَضَ الـمُحِبِّ إلى الحَـبيبِ الغائبِ
4 ــ تَبَـنَّـتْ: باعَـدَتْ ما بين فخذيها وهي تقعد لعِظَمِ عجيزتها.
5 ــ القَعْبُ: القَدَحُ الضخم. والمُكْـفَأُ: المقلوب
6 ــ تغترقُ الطَّرْفَ: تشغله عن النظر إلى غيرها
شَفَّ وجهَها نَـزَفُ: جَـهَـدَهُ وأتعبه، يريد دِقَّـةَ قَسَمات وجهها.
شُكُـول: ضُـرُوبٌ وأشْكال. يقول المتنبي:
( لَياليَ بعد الظاعنين شُكُـولُ
طِـوالٌ وليلُ العاشقـين طــويلُ)
لا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ: لا سمينة ولا نحيفة.
7 ــ خاخ: بلدة خصبة على مسافة مسيرة يوم من المدينة المنورة. حَـمَاها النبيُّ والخلفاءُ الراشدون لتربية إبِـلِ بيت مال المسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اللغة
ـــــــــــــــــــــــ
كِـلاهُـمَا
ــــــــــــــــــ
( قال (الوزيرُ ابنُ سعدان الذي حاوره أبو حيان في ليالي الإمتاع والمؤانسة): كيف يُقال: رجلٌ عَجِلٌ أو عَجُلٌ؟
قلتُ: كِلاهما يُقال
قال: لِـمَ لَـمْ تقل: يُقالان؟
قلتُ: وهذا يُقال أيضاً. قال الأسودُ بن يَعْفُـر:
إنَّ المنيةَ والحُـتُــوفَ كلاهــما
يُوفي المَخارِمَ يَرْقُبان سَـوادي
فأتَى بالوجهيْن. وكأن الذي يُوَحِّـدُ يعتبر: (كِلا)، والذي يُثَـنِّي يعتبر: (هما).
قال: ما أحسن هذا! )
أَوْلَى له
ــــــــــــــــــــ
(قال: ما معنى قول العرب: أَوْلَى له؟
قلت: قال الأصمعي: أولَى له: قد دَنَا من الهلكة. كأنه (أفعلُ) من (وَلِيَ يَلِي)
بالـرِّفاء والبَنين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( قال الوزير: ما معنى قولهم: بالـرِّفاء والبَنين؟
فكان من الجواب: أن الأنباري يقول، على ما حدثنا به الـرحبي عنه: إنَّ الـرِّفاءَ: المال.
وقال غيرُه: الرفاءُ: الاتفاقُ والملاءمةُ، من قولهم: رَفَـأْتُ الثوبَ أرْفؤُه: إذا ضَمَمْتَ بعضَه إلى بعض.
ويُقال: الـرِّفاءُ الـسكون والهدوء من قولهم: رَفَأْتُ القومَ إذا سَـكَّـنْـتهم. قال الشاعر:
( رَفَـوْني وقالوا: يا خَـوَيْـلِـدُ لا تُـرَعْ
فقلتُ، وأنْــكَــرْتُ الوجـوهَ،: هُـمُ هُـمُ )
البعيرُ العَـيَّـار
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ويُقالُ: عارَ البعيرُ يَعيرُ عَيَراناً وعِياراً، إذا كان في شَـوْلٍ (والشولُ هي النوقُ التي خَـفَّ وارتفعَ لبنُها)، وتَـركها، وانطلقَ نحو أخرى، كأنه يستطْـرِفُ، كما يشتهي الرجلُ الطَّـرائف. )
ويبدو أن البعير المُعار هو الذي تركه صاحبُه يَعيرُ أي ينفلت ويذهب فيرعى حيث شاء. وفي لسان العرب: أَعَرْتُ الفرسَ: أسمنتُه قال الشاعر:
(أعيروا خيلَكم ثم اركضوها
أَحَـقُّ الخيل بالركض المُعارُ)
ويقول محققا المفضليات إن بيت اللسان هذا قديم جدا، والظاهر أنه هو الذي حكى بشر بن أبي خازم الأسدي أنه وجده في كتاب بني تميم حين قال:
( وجدنا في كتاب بني تميمٍ:
أَحَقُّ الخيل بالركـضِ المُـعارُ )
لُـكَـع
ــــــــــــــ
( قال: ما اللُّـكَـعُ؟
فقلتُ: يُقال إنه العبد، ويُقال هو النَّذْلُ، ويُقال هو الوَسِخُ، وحكى ابنُ الأعرابيّ قال: ليس في الدنيا شيءٌ أَشَـدُّ من أن يُـقالَ للعربيِّ القُـحِّ: يا لُـكَـع. وجاء كتابٌ من بعض الخوارجِ إلى الحَـجَّـاج كانت فيه مواضع (اسمع يا لُكَع). قال الرسول (الذي جاء بالكتاب إلى الحجاج): كنتُ واقفاً بين يدي الحجاج وهو يقرأ ويتغير وجهُه، ثم رفع رأسَه وقال لي: أَما عرفتَ ما فيه؟ فقلتُ: أصلح اللهُ الأمير، ما أدري ما فيه، لأني أُمِّـيٌّ لا أقرأ ولا أكتب.. قال: فضحك وقال لي: والله لو قلتَ: قد فهمتُه، لَضَربتُ عنقَك. )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الشعـر
ــــــــــــــــــــــــــــ
ــــ قال: أنشدني بيتاً في الغَـزَل، فأنشدتُه:
( سَـرَتْ في سَـواد القلبِ حتى إذا انتهَى
بها السَّـيْـرُ وارتادَتْ حِـمَى القلبِ، حَـلَّـتِ
فللـعَــيْـن تَـهْـمـالٌ إذا القـلـبُ مَـلَّـها
وللقـلب وَسْـواسٌ إذا العـيـنُ مَـلَّــتِ
ووالله ما في القلب شيءٌ من الهـوى
لأخـرى سـواها، أَكْـثَـرَتْ أو أَقَـلَّـتِ )
ــــ ( ثم قال: وصَلَتْ إليَّ رقعةٌ لِبِشْر بن هارون، في آخرها أبياتٌ لا أظنها له، وإن كان مَلِيّاً بقرض أمثالها، فإن عرفتَ فقل، وإن لم تعرف فَسَلْ. وأنشد:
( رجوتُ لك الوزارةَ طولَ عمري
فلما كـان منها مـا رجَـوْتُ
تَـقَـدَّمَـني أُناسٌ لم يـكـونوا
يَـرومون الكلامَ إذا دَنَوِتُ
فأحببتُ المماتَ، وكلُّ عيشٍ
يُحَـبُّ الموتُ فيه، فهو موتُ )
فقلتُ: أنشَدَنا هذه الأبياتَ ابنُ البقال الشاعرُ قال: أنشدني ابنُ بسام في عليّ بن عيسى الوزير.
قال: فإذن استعارها بشر. وقد يكون مثلُ هذا. والغَنِـيُّ قد يحتاج مرةً إلى أن يستقرض، فليس كلَّ وقتٍ يحضره المالُ. )
ــــ ( عادَ عبدُ الله بنُ طاهر إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في علةٍ اعتـلَّها، فقال الناسُ (حين استعظموا أن يزور أميرٌ كبير كعبد الله بن طاهر رجلاً أَقَلَّ منه مقاما): إنما هي خَطْرةٌ خَـطَـرَتْ، فبلغَ إسحاقَ ذلك، فكتب إلى عبد الله بن طاهر:
قالوا: العِيادَةُ خَـطْــرَةٌ خَـطَرَتْ
وصَـحيـحُ بِـرِّكَ ليس بالـخَـطْـرِ
فَـارْدُدْ مـقَـالَـتَـهم بِـثـانِـيَــةٍ
تستنْفِدُ المعروفَ من شكري
فَـعاده (عبدُ الله بنُ طاهر) ثانيةً. )