العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - هوية الامم بين الحقيقة و الادعاء

إن الهوية الثقافية ليست مجرد عنوان نتغنى به، ولا راية نرفعها عند الحاجة؛ إنها حصيلة قرونٍ من التراكم الإنساني، تتجسد في اللغة واللباس والفنون، وفي الذاكرة الشعبية التي تحفظ ما لا تحفظه الكتب.
ولم أُدرك هذه الحقيقة إدراكًا عميقًا إلا حين انخرطتُ في البحث في التراث الأدبي، فرأيتُ كيف تتشكل هوية الأمم من التفاصيل الدقيقة، من قصيدةٍ شفوية، أو تقليدٍ منسي، أو فنٍّ ظل ينتقل من جيلٍ إلى آخر دون أن ينقطع خيطُه. وهناك فقط تبيّن لي أن صون التراث ليس ترفًا، بل واجب ومسؤولية.
وقد شهدتُ في مسار البحث هذا محاولاتٍ متزايدة للاستحواذ على مكوّنات تراثية مغربي أصيل، خصوصًا في ما يتعلق باللباس التقليدي وبالشعر الشعبي، وفي مقدمته شعر الملحون؛ وهو فنّ راسخ الجذور، لا يُنتَج بالادعاء، ولا يُكتب خارج سياقه التاريخي، ولا يمكن اختزاله في خطاب عاطفي أو مزايدة إعلامية.
ومع كل هذا، لا بد من الإشارة ـ وبكل امتنان ـ إلى أن المؤسسات الدولية المنصفة تدرك الحقائق كما هي؛ والحمد لله أن منظمة اليونسكو قد أدرجت شعر الملحون والقفطان المغربي ضمن التراث الإنساني ذي الجذور المغربية الخالصة. وهذا الاعتراف العالمي ليس مجرد تصنيف، بل هو شهادةٌ على أصالة هذا الموروث، وعلى أن الهوية لا تُبنى بالصوت المرتفع و حيال جحة، بل بالحقيقة والعمل المتواصل.
إن التشابه بين الشعوب أمر طبيعي تؤكده الجغرافيا والتاريخ المشترك، غير أن تحويل هذا التشابه إلى ادعاء ملكية لموروثٍ كامل، يمثّل مسًّا بروح التراث نفسه وبقيم الأخوة التي تجمع شعوب المنطقة.
السيدات والسادة،
إن حماية الهوية الثقافية لا تتحقق بالصوت المرتفع او شراء الاصوات، بل بالعمل الهادئ، وبالتوثيق الرصين، وبإحياء الفنون في بيئتها الأصلية. وكل تهاون في هذا الجانب يفتح الباب واسعًا أمام من يسعى إلى إعادة تشكيل التاريخ على هواه.
إننا نؤمن بأن الحقيقة، مهما حوربت، لا تُطمَس؛ وأن التراث الأصيل ـ بما يحمله من صدق وجذور وذاكرة ـ أقوى من كل ادعاء. وسيظل موروث المغرب شاهدًا على نفسه، لا يحتاج إلا إلى من يصونه، ويعرّف به، ويرفعه إلى مكانه المستحق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...