لطالما أفتخر و أعتز عميد الأدب العربي د.طه حسين بأبطال ، آلهة ، أنصاف آلهة الأغريق . شعراء و أدباء و فلاسفة ، وكما أحب حبا جما هوميروس ، أحب أوديب ملكا ، و أحب الكاهن الأعظم تريسياس الضرير ، كما أحب سقراط أيضا - حتى قيل لسقراط ألا تخشى على عيناك من مداومة الكتب !؟
قال : ان سلمت البصيرة فلا احفل بقواعد البصر - أحب بالمقابل عميد الأدب العربي جميع هؤلاء ، كونهم شاركوه نعمة البصيرة ، الفكر و الإبداع ، كما شاركوه نقمة فقدان البصيرة.
هؤلاء الأبطال اختاروا البصيرة و التبصر ، عندما وضعوا في حالة ألا اختيار ، تكيفوا مع فقدهم هذا ، و عملوا على تطوير هذا الجهاز الفيزيولوجي و جعلوا منه أن يكون قادرا على رؤية ما وراء الهدف من الحياة ، رؤية ما وراء صيرورة الحياة ، و ما وراء فكرة الحياة.
الفكرة ليست في المصاب الذي أصاب احد اجهزة الحواس الخطيرة المركزية ، العين ، حاسة النظر التي من دونها لن يتمكن البشر من رؤية الحياة . غير أن العباقرة و أصحاب الخلق و الإبداع لم و لن توقفهم عن انشغالهم الفني الأدبي الفكري ، بل جعلوا من هذه النقمة نعمة ، و من الضعف قوة ، و من القتامة نورا ، و من هذا الضيق مخرجا و استطالة ، و من الألم و الفجيعة أملا و سعادة و بهجة و سرورا.
كنا نعلم رحلة أو سفر درامي واحد في الأدب التمثيلي اليوناني بين أوديب ملكا و ثيسيوس ، أين أسس أوديب كدينة (أثينا) و أين أسس ثيسيوس (ثيبة).
الإشكال في (تريسياس) الذي يكاد يتكرر ذكره في جميع المآسي الإغريقية.
فهو الكاهن الاعظم ، الذي ترجع اليه السلطة الدينية ، كما تعود اليه نسبة كبيرة من الأثاوات و الضرائب و الأسلاب و الغنائم.
كما يجد نفسه مقحما بالمعارك السياسية عندما يشعر وجوده و عرشه و صولجانه و تاجه الديني السياسي مهددا ، كما هي في حالة أوديب ملكا. عندما يقوم بإزاحة ملاءة التحفظ عما كان متسترا عنه.
صحيح (القضاء و القدر) / Parque هو مَن قاد أوديب ملكا (أعمى) مجازا لإقتراف كل هذه الأثام الاخلاقية في حق محارمه دون علم أو أن القضلء و للقدر مسح عيناه بطلسم الغشاوة.
- هو من قتل أباه
- هو من تزوج أمه
- هو من أنجب منها بنينا و بناتا
- هم اخوته و أبنائه في نفس الوقت.
غير أن (القضاء و القدر) : (بارك) Parque ، لاكسيس ، أثروبوس ، هن ثلاثة آلهة كن يتحكمن في مصائر البشر. لكنهن لم يبوحن بشيء.
بل يعود السبب الحقيقي الى هذا الكاهن الاعظم الذي في لحطة معينة ، و في عز قوة أوديب ملكا ، خلص المدينة و الساكنة من ذل سؤال (الهوله). أزاح المتستر عنه ، و تجلت الجريمة ببشاعتها لوحة فنية قميئة الظلال في أعلى متكإ لها !
عندما دار الدولاب و أوديب ملكا وجها لوجه أمام الملكة (جوكاسته) التي هي أمه وزوجه في آن واحد !
أوديب ملكا أمام ابنتيه (أُنتجون) و (إلكترا) اللتان هما اخوتيه في نفس الوقت !
لم يعد السؤال في ذاك اللغز (الإنسان)... !؟
و لا في المأساة برمتها : هل الجريمة تفيد !؟
انما السؤال و أوديب وجها لوجه مع هذه الحالة ، في هلع آسر في يلجأ تريسياس بالهتك الفض لمعنى (زنا المحارم) بالقول المحظور :
من و الى أين يدير أوديب ملكا وجهه ؟
و كأنه يقوم بلعب دور تمثيل اعادة وقائع تمثيل الجريمة الاخلاقية ليس أمام شرطة أو بوليس تقليدي ، أنما أمام شرطي الأعماق (الضمير).
أين المفر ومن وقع عليهم الإثم / الجرم يطوقونه ، و على من ؟ محارمه / ذويه / أهله ، و أيتها جريمة...؟!
غير ذي بعيد يراقبه (القضاء و القدر) ! و من مسافة صفر وجها لوجه ، الكاهن تريسياس !
وان عرف السبب بطل العجب !
تلاقت نصال ونبال و سهام التهم ، ولم يعد أوديب ملكا يحتاج فيها الى دليل.
ترسل الجوقة أو / الكورس أناشيد ألم و حسرة ، يدور الدولاب مجددا ، و يظهر أوديب وقد فقع عيناه و الدم يتقاطر منهما يبللان وجهه !
مخاطبا تريسياس : "يا تريسياس كنت تحسدني على ضوئي فأردت أن تجرني الى ظلمتك ، منذ اليوم لن تستطيع أن تستطيل عليّ بما يمنحك العمى من تفوق " !
يبدو أوديب أطلق رصاصة الرحمة بالمعنى الحديث للكلمة ، على نفسه ؛ لأن لم يجد من يرحمه ، جميع القوى ضده : الكاهن ، القضاء و القدر ، ذويه ، و الحق العام.
فمن يجرؤ على محاكمة أوديب ان لم يك أوديب نفسه ، من في مقدوره محاكمة إله أو نصف إله !؟
حاكم نفسه بنفسه ، و من يحاكم ملكا ، ان لم يحاكم نفسه بنفسه !
كونه مسرح أخلاقي لابد في الأخير أن تسطع الفضيلة و تأخذ العدالة مجراها ، حتى ان كان المذنب إلها أو نصف إله أو بطل ، من حيث العدل أساس الملك ، و من حيث القانون لا يجب أن يكون مناهضا للعدالة !.
هذه المحاكمة الذاتية هي التي قادت في مأساة أخرى - تشابه مع الفارق - في نهاية "الحداد يليق بإلكترا" للكاتب (يوجين أونيل) Eugene O'neill في Mourning Becomes Electra : المقتبسة عن ثلاثية اسخيلوس ، و كذا المقتبسة عن (جون بول سارتر) الوجودي بإسم (الذباب) أو (الندم) ، أذ تقول البطلة (لاميس فلادليا) : " كان عليّ أن أحاكم نفسي بنفسي لما لم أجد من يحاكمني" !
أليست هذه العبارة شبيهة بعبارة أوديب ملكا التي وجهها للكاهن الاعظم تريسياس ، مادام الظلام الدامس و العماء الفيصل بين البطلين ، أوديب ملكا و إلكترا !؟
إلكترا حاكمت نفسها بنفسها بعد كل ما فعلتها في حق ذويها هي الأخرى من دمار وخراب و مؤامرات كيدية قتل. حبست نفسها بغرفة لا باب و لا نوافذ حتى الموت !
لهذا أعتبر سيڤموند فريود الحالة السيكولوجية التي انتابت إلكترا بما يلي :
اذا كانت عقدة أوديب هي عقد أوديب عند الرجل ، فإن عقدة أوديب عند المرأة هي إلكترا.
وعلى الرغم الكاهن الأعظم تريسياس لم يأت نصا دراميا مستقلا ، سواء كان تراجيديا أز كوميديا اغرييقيا إلا أنه عنصرا لغويا دينيا بنائيا أساسيا ، في اشارة الى أهمية الدين جنبا الى جنب السياسة و القضاء في بناء الدولة الكلاسيكية و الحديثة معا.
لهذا أمتاز تريسياس كسلطة دينية بما امتازت به سائر الأبطال و الأنصاف و الأشباه من لبوسات و لوغوسات مقدسة و من استعارات و كنايات و حتى بنيات لغوية.
وظفت الثورة الفرنسية حملتها ضد النازية 1943 تحت شعار "أثداء تريسياس" Les mamelles des Trèsies
أخير صار لهذا الكاهن أثداء ، أرضع معظم مختلف حركات التحرر بالعالمية ، و هكذا أيضا الذهنية الغربية أقتبست العديد من روائع الفكر الإنساني، عن المخيال الجمعي الاغريقي العجائبي (الأسطورة) الميثولوجي الثري بالرموز ، الحديث بألف صوت ، و من التقليد الاغريقي الخلاق الديني و اللغوي مما فيه من معجزات حضارية استشرافية و ذكية اصطناعية تريسياسية أوديبوسية إلكترية ، و الى جميع الناس لا أعرف ماذا أقول (رامبو) !.
قال : ان سلمت البصيرة فلا احفل بقواعد البصر - أحب بالمقابل عميد الأدب العربي جميع هؤلاء ، كونهم شاركوه نعمة البصيرة ، الفكر و الإبداع ، كما شاركوه نقمة فقدان البصيرة.
هؤلاء الأبطال اختاروا البصيرة و التبصر ، عندما وضعوا في حالة ألا اختيار ، تكيفوا مع فقدهم هذا ، و عملوا على تطوير هذا الجهاز الفيزيولوجي و جعلوا منه أن يكون قادرا على رؤية ما وراء الهدف من الحياة ، رؤية ما وراء صيرورة الحياة ، و ما وراء فكرة الحياة.
الفكرة ليست في المصاب الذي أصاب احد اجهزة الحواس الخطيرة المركزية ، العين ، حاسة النظر التي من دونها لن يتمكن البشر من رؤية الحياة . غير أن العباقرة و أصحاب الخلق و الإبداع لم و لن توقفهم عن انشغالهم الفني الأدبي الفكري ، بل جعلوا من هذه النقمة نعمة ، و من الضعف قوة ، و من القتامة نورا ، و من هذا الضيق مخرجا و استطالة ، و من الألم و الفجيعة أملا و سعادة و بهجة و سرورا.
كنا نعلم رحلة أو سفر درامي واحد في الأدب التمثيلي اليوناني بين أوديب ملكا و ثيسيوس ، أين أسس أوديب كدينة (أثينا) و أين أسس ثيسيوس (ثيبة).
الإشكال في (تريسياس) الذي يكاد يتكرر ذكره في جميع المآسي الإغريقية.
فهو الكاهن الاعظم ، الذي ترجع اليه السلطة الدينية ، كما تعود اليه نسبة كبيرة من الأثاوات و الضرائب و الأسلاب و الغنائم.
كما يجد نفسه مقحما بالمعارك السياسية عندما يشعر وجوده و عرشه و صولجانه و تاجه الديني السياسي مهددا ، كما هي في حالة أوديب ملكا. عندما يقوم بإزاحة ملاءة التحفظ عما كان متسترا عنه.
صحيح (القضاء و القدر) / Parque هو مَن قاد أوديب ملكا (أعمى) مجازا لإقتراف كل هذه الأثام الاخلاقية في حق محارمه دون علم أو أن القضلء و للقدر مسح عيناه بطلسم الغشاوة.
- هو من قتل أباه
- هو من تزوج أمه
- هو من أنجب منها بنينا و بناتا
- هم اخوته و أبنائه في نفس الوقت.
غير أن (القضاء و القدر) : (بارك) Parque ، لاكسيس ، أثروبوس ، هن ثلاثة آلهة كن يتحكمن في مصائر البشر. لكنهن لم يبوحن بشيء.
بل يعود السبب الحقيقي الى هذا الكاهن الاعظم الذي في لحطة معينة ، و في عز قوة أوديب ملكا ، خلص المدينة و الساكنة من ذل سؤال (الهوله). أزاح المتستر عنه ، و تجلت الجريمة ببشاعتها لوحة فنية قميئة الظلال في أعلى متكإ لها !
عندما دار الدولاب و أوديب ملكا وجها لوجه أمام الملكة (جوكاسته) التي هي أمه وزوجه في آن واحد !
أوديب ملكا أمام ابنتيه (أُنتجون) و (إلكترا) اللتان هما اخوتيه في نفس الوقت !
لم يعد السؤال في ذاك اللغز (الإنسان)... !؟
و لا في المأساة برمتها : هل الجريمة تفيد !؟
انما السؤال و أوديب وجها لوجه مع هذه الحالة ، في هلع آسر في يلجأ تريسياس بالهتك الفض لمعنى (زنا المحارم) بالقول المحظور :
من و الى أين يدير أوديب ملكا وجهه ؟
و كأنه يقوم بلعب دور تمثيل اعادة وقائع تمثيل الجريمة الاخلاقية ليس أمام شرطة أو بوليس تقليدي ، أنما أمام شرطي الأعماق (الضمير).
أين المفر ومن وقع عليهم الإثم / الجرم يطوقونه ، و على من ؟ محارمه / ذويه / أهله ، و أيتها جريمة...؟!
غير ذي بعيد يراقبه (القضاء و القدر) ! و من مسافة صفر وجها لوجه ، الكاهن تريسياس !
وان عرف السبب بطل العجب !
تلاقت نصال ونبال و سهام التهم ، ولم يعد أوديب ملكا يحتاج فيها الى دليل.
ترسل الجوقة أو / الكورس أناشيد ألم و حسرة ، يدور الدولاب مجددا ، و يظهر أوديب وقد فقع عيناه و الدم يتقاطر منهما يبللان وجهه !
مخاطبا تريسياس : "يا تريسياس كنت تحسدني على ضوئي فأردت أن تجرني الى ظلمتك ، منذ اليوم لن تستطيع أن تستطيل عليّ بما يمنحك العمى من تفوق " !
يبدو أوديب أطلق رصاصة الرحمة بالمعنى الحديث للكلمة ، على نفسه ؛ لأن لم يجد من يرحمه ، جميع القوى ضده : الكاهن ، القضاء و القدر ، ذويه ، و الحق العام.
فمن يجرؤ على محاكمة أوديب ان لم يك أوديب نفسه ، من في مقدوره محاكمة إله أو نصف إله !؟
حاكم نفسه بنفسه ، و من يحاكم ملكا ، ان لم يحاكم نفسه بنفسه !
كونه مسرح أخلاقي لابد في الأخير أن تسطع الفضيلة و تأخذ العدالة مجراها ، حتى ان كان المذنب إلها أو نصف إله أو بطل ، من حيث العدل أساس الملك ، و من حيث القانون لا يجب أن يكون مناهضا للعدالة !.
هذه المحاكمة الذاتية هي التي قادت في مأساة أخرى - تشابه مع الفارق - في نهاية "الحداد يليق بإلكترا" للكاتب (يوجين أونيل) Eugene O'neill في Mourning Becomes Electra : المقتبسة عن ثلاثية اسخيلوس ، و كذا المقتبسة عن (جون بول سارتر) الوجودي بإسم (الذباب) أو (الندم) ، أذ تقول البطلة (لاميس فلادليا) : " كان عليّ أن أحاكم نفسي بنفسي لما لم أجد من يحاكمني" !
أليست هذه العبارة شبيهة بعبارة أوديب ملكا التي وجهها للكاهن الاعظم تريسياس ، مادام الظلام الدامس و العماء الفيصل بين البطلين ، أوديب ملكا و إلكترا !؟
إلكترا حاكمت نفسها بنفسها بعد كل ما فعلتها في حق ذويها هي الأخرى من دمار وخراب و مؤامرات كيدية قتل. حبست نفسها بغرفة لا باب و لا نوافذ حتى الموت !
لهذا أعتبر سيڤموند فريود الحالة السيكولوجية التي انتابت إلكترا بما يلي :
اذا كانت عقدة أوديب هي عقد أوديب عند الرجل ، فإن عقدة أوديب عند المرأة هي إلكترا.
وعلى الرغم الكاهن الأعظم تريسياس لم يأت نصا دراميا مستقلا ، سواء كان تراجيديا أز كوميديا اغرييقيا إلا أنه عنصرا لغويا دينيا بنائيا أساسيا ، في اشارة الى أهمية الدين جنبا الى جنب السياسة و القضاء في بناء الدولة الكلاسيكية و الحديثة معا.
لهذا أمتاز تريسياس كسلطة دينية بما امتازت به سائر الأبطال و الأنصاف و الأشباه من لبوسات و لوغوسات مقدسة و من استعارات و كنايات و حتى بنيات لغوية.
وظفت الثورة الفرنسية حملتها ضد النازية 1943 تحت شعار "أثداء تريسياس" Les mamelles des Trèsies
أخير صار لهذا الكاهن أثداء ، أرضع معظم مختلف حركات التحرر بالعالمية ، و هكذا أيضا الذهنية الغربية أقتبست العديد من روائع الفكر الإنساني، عن المخيال الجمعي الاغريقي العجائبي (الأسطورة) الميثولوجي الثري بالرموز ، الحديث بألف صوت ، و من التقليد الاغريقي الخلاق الديني و اللغوي مما فيه من معجزات حضارية استشرافية و ذكية اصطناعية تريسياسية أوديبوسية إلكترية ، و الى جميع الناس لا أعرف ماذا أقول (رامبو) !.