" مراد ... مراد "
بعد النجاح الذي حققته سعاد العامري في كتابها الأدبي الأول "شارون وحماتي"، واصلت الكتابة عن الواقع الفلسطيني بعد أوسلو وفي أثناء انتفاضة الأقصى ، وقررت أن تخوض تجارب قد تودي بحياتها ، وهكذا تزيّت بزي الرجال والعمال وتسللت معهم ، في أوج انتفاضة الأقصى ، إلى فلسطين ١٩٤٨ لتكتب عن معاناتهم .
الكتابة من خلال المعايشة أنجزها كتاب أوروبيون كتبوا عن تجاربهم في موسكو وبكين أو مع الغجر ، على سبيل المثال Lois Fisher - Ruge، في كتابها:
"Alltag In Peking"
(يومياً في بكين)، وفي كتابها: " Nadeschda Heist Hoffnung" (نظرة من داخل الاتحاد السوفياتي)، وكتاب إسرائيليون أرادوا الإصغاء إلى وجهة نظر الفلسطينيين، مثل عاموس عوز "في أرض إسرائيل" وديفيد غروسمان "الزمن الأصفر"، أو أرادوا معرفة حقيقة تعامل الإسرائيليين مع الفلسطينيين، مثل يورام بينور في "عدوي نفسي"، حيث كتب عن فظائع المخابرات الإسرائيلية وأساليبها ضد العرب. ورائد فكرة الكتابة عن المشاهدة والإصغاء هو (ديكارت) الذي قرر وهو في الثالثة والعشرين من العمر ألا يصدق شيئاً إلا بعد أن يشاهد ويجرب ويعيش ويختلط بالآخرين ثم يخضع كل هذا للعقل. وتجدر الإشارة إلى هاينريش هاينة ورحلاته في أوروبا "رايسيبلدر Reisebilder": رحلات هاينريش هاينة في أوروبا".
تقر سعاد العامري في تمهيدها لكتابها بأن الكتابة في موضوع تتطلب معايشته ولو جزئياً، ولذلك تقتبس الفقرة الآتية من (ربزاردكابوشتينسكي)
"Another Day of Life":
"أرى أنه من الخطأ الكتابة عن أناس دون أن تعيش جزءاً على الأقل من معاناتهم".
وتضيف: "وبناء عليه رافقت مراداً وأصحابه في رحلة دامت ثماني عشرة ساعة".
وقد لا نتفق معاً حول إن كانت الثماني عشرة ساعة كافية للكتابة عن معاناة العمال الفلسطينيين في فلسطين، وهو ما لاحظته حين قرأت ردود القراء على الفقرة المقتبسة حين أدرجتها على صفحة الفيسبوك، فسعاد كتبت عن الرحلة ولم تعش حياة العمال في المصانع والورش والكراجات، ويبدو أنها أرادت فقط وصف الرحلة في تلك الأيام الصعبة والقاسية التي استمرت سبع سنوات عجافاً، أي طيلة فترة انتفاضة الأقصى.
الطبع في الشخصية :
وسعاد في مغامرتها هذه، وهي في السادسة والخمسين تقريباً من عمرها، إنما تسلك سلوكاً كانت تسلكه في طفولتها، وهنا نتذكر مقولة الشاعر الانجليزي (وردزورث) التي اتكأ عليها جبرا إبراهيم جبرا في سيرته الذاتية "البئر الأولى" وهي: "الطفل أبو الرجل". ولا أعرف إن كانت سعاد قرأت المقولة أو لا، ولكن قارئ الصفحات الأولى من كتابها "مراد.. مراد" سرعان ما يتذكر المقولة، فالكاتبة تختار عنواناً فرعياً هو "أولاد صغار .. أولاد كبار"، لتكتب تحته عن طفولتها ولعبها مع الأطفال الذكور وتقليدهم حين تبول، وها هي بعد مرور خمسين عاماً تعود لتعيش مع العمال وتتزيا بزيهم لتموّه على الإسرائيليين وتعيش رحلة المعاناة لتكتب عنها.
في "مراد.. مراد" لا تختفي الكاتبة وراء شخصية مخترعة لتكتب عن ذاتها - كما فعلت في كتاب لاحق لها "دمشقي" - فأنا الساردة في "مراد .. مراد" هي أنا الكاتبة.
إن الكتاب هنا ضرب من السيرة الذاتية وفيه نقرأ عن حياة الكاتبة خارج الرحلة التي تقوم بها، وهو هنا يضيء لنا الكتب الأخرى للكاتبة، السابقة واللاحقة، وهكذا تبدو كتبها سلسلة مترابطة، ما يدفعنا لقراءتها معاً لأن بعضها يضيء بعضها الآخر.
في "مراد.. مراد" تأتي الكاتبة على قصة كتابها الأول "شارون وحماتي"، وتأتي أيضاً على حياتها وأسرتها وأماكن إقامتها ودراستها وهو ما يضيء لنا كتابها الرابع "دمشقي"، الذي كتبت فيه عن ليلى التي سمّتها أمها ليلى على اسم أختها، وهو ما قامت به أم سعاد فقد اختارت لابنتها اسم أختها.
ليس ما ذكر آنفاً هو فقط ما يدفعني إلى القول إن هناك في كتابها "مراد.. مراد" ما يجعل من كتبها سلسلة مترابطة، فهناك دراسة الشخصية التي اتخذت أسماء متعددة مثل دراسة الهندسة المعمارية، والإقامة في الأماكن نفسها: عمان والقدس ودمشق، والانتماء إلى المدن المذكورة ويافا، ويستطيع المرء أن يبحث عن مزيد من التشابه مثل التركيز على وصف المباني والطعام.
عدا ما ذكر آنفاً حول الطفل أبو الرجل والبنت أم المرأة يجدر أن يشار هنا إلى أسباب أخرى دفعت الكاتبة للمغامرة من أجل الكتابة. هنا يمكن التوقف أمام سببين آخرين ذكرت أحدهما من قبل وهو رغبة سعاد في أن تصبح كاتبة بعد الشهرة التي حققها لها كتابها "شارون وحماتي"، وتتوقف هي نفسها أمام هذا السبب في الصفحات الأولى من "مراد.. مراد"، وأما السبب الثاني فيعود إلى الأفكار التي اعتنقتها في شبابها وتأتي بوضوح عليها، وهذا ما سأبينه.
تكتب سعاد في " مراد.. مراد " الآتي :
" لا أحد يزعم أنه صوت المضطهدين سوى برجوازية مدعية رومانتيكية ويسارية مثلي، تعتقد أنها ستمثل العمال والنساء والأطفال ، ناهيك طبعاً عن مملكة الحيوان. وهأنذا أحاول جمع مادة لكتابي الجديد عبر خوض المغامرات "لمرة واحدة فقط"، كي ألعب بعدها بتلك المادة (حياة الناس) وأكتب كتاباً مميزاً عمن تبقى من الـ ١٥٠ ألف عامل فلسطيني الذين يطعمون مليوناً " .
إن الأفكار اليسارية التي آمنت بها هي السبب الثالث الذي حدا بها لتأليف كتابها والقيام بمغامرة عواقبها غير مأمونة، وهي تعرف هذا وقد حذرها العمال وأهلهم وآخرون من خوضها، ولكنها أصرت على القيام بها.
إقرار الكاتبة بتبنيها الأفكار اليسارية سوف يساعدنا في قراءة كتابها "دمشقي" كثيراً.
تنتقد راوية كتاب "دمشقي" عائلتها وتسخر من سلوكها وتصرفاتها وتكتب عن فسق بعض ذكورها ممن يعيشون حياة اللهو والفجور ويقيمون علاقات جنسية خارج إطار المسموح به اجتماعياً وينجبون أطفالاً غير شرعيين، وتكتب هذا بوعي تام، وإن استدركت في نهاية كتابها الأمر وقالت: إن عائلة جدها وعائلة أمها مثل العائلات الأخرى في المجتمع العربي.
وكثيراً ما تسخر ليلى /سعاد من أمها ونمط تفكيرها وعلاقاتها بجيرانها سخرية كثيرين من البرجوازيين الذين اعتنقوا الماركسية من طبقتهم وأهلهم، وكل من صادق يساريين يتذكر كيف سخر هؤلاء بسبب معتقداتهم الفكرية من أصولهم وعادات طبقتهم وسلوكها وتفكيرها.
في "مراد.. مراد" تقدم سعاد على مخالطة العمال وتظهر تعاطفها معهم وتكتب عن معاناتهم ومعاناة أسرهم الفقيرة وتذهب إلى بيوتهم وتصف نمط معيشتهم وطعامهم، وتكتب عن سلوكهم وهذا كله يختلف عما نقرؤه عن الحياة في قصور الإقطاعيين. تكتب سعاد عن الحياة في بيوت الفقراء والحياة في القصور وقد عرفتها وخبرتها. لقد شاهدت وخالطت وجربت وأخضعت هذا كله للمساءلة.
في الفترة الأخيرة، طلب مني الناقد والروائي العراقي أن أكتب عن أدب المرأة في القرن الحادي والعشرين، وكنت وأنا أقرأ كتابي سعاد العامري أتابع موضوعات أدب المرأة وما يشغلها وطريقة قصها وانعكاس تجربتها الشخصية في كتابتها.
والموضوع يحتاج إلى حفر.
سعاد العامري وغسان كنفاني : سؤال الجدارة
لي قريب زار فلسطين ١٩٤٨ غير مرة، وكلما عاد من هناك وتحدثنا معا مدح ما فعله الإسرائيليون بأرض أجداده.
وأنا أجلس في مقهى البرلمان في البلدة القديمة في نابلس أتجاذب وبعض العمال أطراف الحديث فيمدح هؤلاء أصحاب العمل اليهود وحرصهم على دقة العمل.
صباح يوم الخميس، أتى السائق في سيارة العمومي على مشروع تعبيد مدخل مدينة نابلس الذي طال، وسرعان ما أخذ يمدح اليهود ودقتهم وسرعتهم في تعبيد الطرق.
كلام قريبي والعمال في مقهى البرلمان وسائق سيارة العمومي ذكرني بشخصية صفية زوجة سعيد. س في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، فقد أبدت إعجابها، حين زارت حيفا بعد غياب ٢٠عاما عنها، بما رأته. قارنت ما كانت عليه المدينة قبل ١٩٤٨ وبما شاهدته بعد ١٩٦٧، ولم يرق رأيها لزوجها.
الكلام الذي يصدر عن قسم من الفلسطينيين في فلسطين ويغلب عليه طابع مديح إنجازات الحركة الصهيونية على أرض فلسطين كلام لم ينقطع منذ احتلال ١٩٦٧ وهو حاضر حضورا لافتا في الأدبيات الصهيونية التي كتبت قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعده، فمنذ رواية (ثيودور هرتسل) ١٩٠٢ ونحن نقرأ عن دولة عصرية فيها مصانع تفوق المصانع الألمانية ومساحات خضراء تشابه أراضي سويسرا وأحياء راقية أجمل من الريفيرا وقطارات كهربائية أحدث مما عرفته أوروبا، ورشيد بك العربي في الرواية هو البداية. لقد رأى هذا في الاستيطان اليهودي لفلسطين جلب الضوء للشرق كله. وحين ترجم الإسرائيليون رواية (هرتسل) في ٦٠ ق٢٠ زينوها بصور لفلسطين في بدايات ق ٢٠ وصور لها بعد ١٩٤٨ والقصد من وراء ذلك لا يحتاج إلى تفسير. إنه يلخص بسطر ورد في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" ١٩٦٩ هو:
"تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقيا. عليكم أن تكونوا خدما لنا، معجبين بنا".
لقد توقفت مرارا وباستفاضة أمام رد الأدباء الفلسطينيين على مزاعم الحركة الصهيونية ( انظر دراستي: الترجمة العربية لرواية " أرض قديمة - جديدة " ودحض الأدباء الفلسطينيين للفكرة الصهيونية./ موقع جامعة النجاح الوطنية staff وانظر كتابي "أوراق مقارنة" ٢٠١٥).
في حزيران ٢٠١٩ زرت يافا ورأيت البيوت التي تفصل بين يافا وتل أبيب فلم ترق لي. ولا أتحدث هنا عن المباني الشاهقة ذات المعمار الحديث في تل أبيب التي قطعتها بالسيارة.
ربما كنت مثل سعيد. س الشخصية المحورية في رواية كنفاني، وربما قلت: كان يمكن أن نجعلها أفضل بكثير! هل أبالغ أو أتعامى أو ادفن رأسي في الرمل؟ هل أكابر؟
لم يزر كنفاني، بعد الهزيمة، حيفا، ولست متأكدا من شكل علاقته بها قبل ١٩٤٨، فعلام اعتمد في إنطاق شخصية روايته سعيد .س بما نطقت؟
من أدبائنا الذين حنوا لحيفا قبل تأسيس دولة إسرائيل إميل حبيبي في روايته "اخطية" ١٩٨٥.
تحسر حبيبي على حياته في حيفا في طفولته وشبابه قبل تأسيس الدولة الإسرائيلية، ومدح الحياة فيها مقارنة بما آلت إليه الحياة في المدينة تحت الحكم الإسرائيلي.
الكتابة عن حيفا في زمنين تثير سؤال الجدارة وهو السؤال الذي أثاره كنفاني على لسان شخوصه، وهو السؤال الذي أثاره الكتاب الصهيونيون في أدبياتهم، وقسم من شخصيات رواية كنفاني خارج من معطف الشخصيات الصهيونية في الأدب الصهيوني، وهذا عموما ما شغلني منذ كتابة رسالة الدكتوراه في ١٩٩١ وما زال.
في كتابها "مراد .. مراد" تأتي سعاد العامري على رحلتها، بالباص، من بتاح تكفا إلى تل أبيب وتصف المباني في الطريق الوصف الآتي:
"سرعان ما أقلنا الباص من منطقة "بتاح تكفا" الصناعية إلى مناطق تبدو سكنية. كانت البنايات رخيصة التكلفة المؤلفة من أربعة طوابق، والتي تعود إلى الخمسينيات (تسمى شيكونات بالعبرية)، المصطفة على جانبي الشارع الرئيسي المؤدي إلى تل أبيب، تبدو في الحقيقة بشعة جدا وغير متناسقة من الناحية الجمالية...".
وتقارن الكاتبة بينها وبين بيوت المستوطنات في الضفة وسبب قدوم المستوطنين إلى المستوطنات.
"كان أكثر ما يضايقني الافتقار إلى الشخصية المعمارية المميزة؛ لم يكن المكان يمت بصلة إلى أي شيء. لم يكن له سمات الحداثة وتعقيد المدن العصرية، ولا سحر المدن القديمة والتقليدية التي كانت موجودة ذات يوم. كان يشبه الضواحي الأميركية في خلوها من التميز ووضوح المعالم. لم يكن أوروبيا ولا عربي المظهر. أظن أنه بدا ببساطة كما هو تماما: إسرائيليا. كيف يمكن لفلسطين التاريخية أن تصبح وبهذه السرعة غريبة عن سكانها الأصليين؟ أظن أن أشد ما أزعجني هو عدم عثوري على بيت عربي واحد لذكرى الثلاثة أرباع مليون فلسطيني الذين طردوا من وطنهم منذ ستين عاما، عائلتي واحدة من هؤلاء".
كلام سعاد يختلف اختلافا جذريا عن كلام كثيرين وله أهميته الكبرى، ذلك أنه صادر عن مهندسة معمارية درست الهندسة المعمارية في جامعات عالمية راقية، عدا أنها سليلة أسرة مدنية فقد ولد أبوها في يافا وعاش بها ثم إن أمها من آل عبد الهادي الذين شيدوا القصور الفخمة وأقاموا فيها؛ في نابلس ودمشق وعرابة.
كما لو أن سعاد دون وعي تتبنى وجهة نظر غسان كنفاني وما أورده على لسان سعيد. س: "في القدس ونابلس وهنا يتحدث الناس كل يوم عن نتائج زياراتهم إلى يافا وعكا وتل أبيب وحيفا وصفد وقرى الجليل والمثلث. كلهم يقولون كلاما متشابها ويبدو أن أفكار كل منهم كانت أحسن مما رأوا بأم أعينهم. جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة. إن المعجزة التي يتحدث عنها اليهود لم تكن إلا وهما".
هل ما كتبته سعاد العامري في ٢٠٠٧ يختلف عما ورد في رواية كنفاني؟
الجدل يطول.
«دمشقي»
أصدرت سعاد المهندسة المعمارية المسؤولة عن مؤسسة "رواق" كتابها الأدبي الرابع تحت عنوان "دمشقي"، وكان الكتاب الذي كتبته مؤلفته باللغة الانجليزية، كعادتها في كتابة كتبها، صدر بالانجليزية في ٢٠١٦ ومؤخرا بالعربية عن منشورات "المتوسط" و"الرقمية" ٢٠١٩، وترجمه مع الكاتبة إلى العربية عماد الأحمد.
الكتب الأدبية الثلاثة السابقة لسعاد هي "شارون وحماتي" و"مراد مراد" و"غولدا نامت هنا".
والكاتبة التي ولدت في العام ١٩٥١ نشرت أول كتبها الأدبية في العام ٢٠٠٤ - أي وهي في الثالثة والخمسين من عمرها، وإن كانت كتبت أجزاء من الكتاب قبل عام النشر بسنوات.
لفت كتاب الكاتبة الأول "شارون وحماتي" الأنظار إليه لأسباب عديدة منها موضوعاته وأسلوبه الساخر، وترجم إلى عشرين لغة منها العربية، ويبدو أن النجاح الذي حققته دفعها لمواصلة الكتابة، شأنها شأن اميل حبيبي الذي حققت له "سداسية الأيام الستة" ١٩٦٨ و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ١٩٧٤ شهرة كبيرة شجعته على مواصلة الكتابة الأدبية.
وإذا أردنا تحديد هوية "دمشقي" فإنه حسب معيار اللغة يدرج تحت الأدب الإنجليزي، ولكن حسب معايير أخرى، مثل الموضوع وهوية الكاتب ومكان ولادته وأصوله العرقية والمكان الذي تجري فيه الأحداث، فإن الكتاب يدرج ضمن الأدب العربي، وإن أردنا التحديد أكثر وأكثر فإنه يدرج ضمن الأدب العربي في بلاد الشام.
وإذا أردنا تحديد الجنس الأدبي لما تكتبه سعاد فإننا لا شك واقعون في حيرة.
كيف تصنف الكاتبة ما تكتب؟
شخصيا لم أقرأ لها سوى كتابين هما "شارون وحماتي" و"دمشقي" ولا يمكن اعتبارهما روايتين؛ الأول هو نصوص أدبية نثرية، والثاني هو مزيج من الحكي/ الكتابة والسيرة؛ سيرة عائلة.
في النظر إلى غلاف "دمشقي" نقرأ ما كتبه الناشر عن سعاد وكتبها. لقد عد "شارون وحماتي" رواية وأشار إلى كتب أخرى لها هي "مراد مراد" و"غولدا نامت هنا" دون أن يدرجها تحت جنس أدبي، وفي الكلمة التي أوردها على الغلاف الخلفي لـ"دمشقي" عد "دمشقي" رواية. وإذا بحثنا في الغلاف عن تصنيف الكاتبة نفسها لكتابها فإننا لن نقرأ عن تجنيس أدبي له، ففي الشكر الخاص تستخدم الكاتبة دال "هذا الكتاب" ولكن ماذا تقول الراوية؟
في الصفحة ١٠٥ ترى فيما ترويه ملحمة "سنعود إلى هذه الشخصية وتعقيداتها الكثيرة في سياق هذه الملحمة". وفي مواطن أخرى ترى أن ما تسرده هو حكاية عائلية تروى من الذاكرة:
"لا بد لي من القول إن مجموعة القصص المتشابكة المعششة في رأسي عن ابنة خالتي نورما، تبدو وكأنها الدمية الروسية ماتريوشكا قصة داخل قصة داخل قصة. ليس لدي أي فكرة عما إذا كان هذا يتعلق بغنى طفولة نورما المضطربة وسنوات مراهقتها المعذبة، أو أنه يتعلق على الأرجح بذاكرتي التي تلاشت اليوم يشعر المرء عندما يكتب حكاية عائلية، وهو في الثالثة والستين، والنسيان رفيقه..." ولنركز على "بذاكرتي" و"يكتب حكاية عائلية".
فماذا أقول؟
وأنا أصغي إلى سعاد، في الـ(يوتيوب)، في حفل تكريمها في مدينة يافا لاحظت أنها تركز في وصف نفسها على أنها حكاءة بالدرجة الأولى. هذا يعني أن ما يهمها بالدرجة الأولى هو الحكي، وفي الحكي كان المتلقون يهتمون بالحدث ولم يكن الشكل يعني لهم الكثير فهم شغوفون بمتابعة الأحداث وصيرورتها. إن طريقة الحكي مهمة لا شك وكذلك عنصر التشويق، ولكن ما هو مهم لهم أكثر هو الحكاية ذاتها، و"دمشقي" ذاتها لا تخلو من دال الحكي والحكاية وطريقة الحكي أيضا. إن طريقة الحكي وظاهرة العرض المسرحي تحضران في حضور العروض المسرحية في النص، وما يحضر أكثر هو شهرزاد راوية "ألف ليلة وليلة"، وتعد شهرزاد مثالا تقتديه سعاد لتحكي حكاية عائلات شامية: آل عبد الهادي وآل الجمل وآل البارودي وغيرهم من سكان بلاد الشام. إنها تحكي عن أكثر من مائة عام من تاريخ تلك العائلات وما ألم بها - مثلا جدو نعمان، وهو شخصية رئيسة، عاش من ١٨٦٢ حتى ١٩٦٠ ويستمر زمن الحكاية حتى ٢٠١٢ - وبأهم المدن التي عاشت فيها وهي دمشق والقدس ونابلس وقرية عرابة، وتظل دمشق هي المدينة الأولى وليس مستغربا أن يكون العنوان "دمشقي"؛ العنوان الذي إن لم يلتفت القارئ إلى الفتحة على الياء فقد يتساءل تساؤلات عديدة:
- من هو؟
- دمشقي - منسوب إلى دمشق.
- ما هو؟
- دمشق من؟
أما إذا التفت القارئ إلى الفتحة فإنه قد يربط بين الكاتب ودمشق، أو قد يربط بين أنا الراوي ودمشق، وقد يكون أنا الراوي هو الكاتب وقد لا يكون، وإن رجح من يقرأ عن حياة سعاد أن هناك تقاطعات كبيرة بينها وبين الراوية ليلى، فكلتاهما من مواليد ١٩٥١.
وكلتاهما عاشت في عمان ودمشق.
وكلتاهما تهتم بالقصور والبيوت وهندستها، وكلتاهما درست الهندسة المعمارية. تقول ليلى: "عندما أتأمل كيف أصبحت في نهاية المطاف مهندسة معمارية، لا تعرف كيف ترسم خطا مستقيما، أتساءل دائما ما الذي كان سيحل ببيكاسو لو أن مدرسة التربية الفنية عضته وهو في السادسة من عمره".
وكلتاهما تحضر السخرية في حديثها أو كتابتها.
وكلتاهما كان والدها من يافا وكان يصطحبها إلى نادي الضباط في مدينة الزرقاء الأردنية وهناك تمارس رياضة السباحة.
وهناك أدلة أخرى عديدة.
الراوية:
الراوية في النص هي شخصية من شخصياته، وهكذا تروي لنا من الداخل عن عالم هي جزء منه. الراوية هي ليلى ابنة سامية، وسامية هي إحدى بنات جدو نعمان البارودي الدمشقي الذي تزوج من بسيمة ابنة آل عبد الهادي من سكان عرابة ونابلس، وقد تزوجت سامية من عمر ابن يافا الذي درس في الجامعة الأميركية في بيروت وأقام بعد ١٩٤٨ في القدس ثم في عمان.
وكنت وازنت بين ليلى وسعاد، وفي تصنيف "دمشقي" توقفت أمام عبارة الراوية "حكاية عائلية"، وهكذا تروي ليلى/ سعاد قسما من سيرة عائلة أمها آل عبد الهادي وبعضا من سيرة آل البارودي الدمشقيين وسيرة أمها التي تزوجت من والدها. وتتحول "دمشقي" في قسمها الأخير إلى سيرة ذاتية تقريبا لطفولة ليلى قبل زواجها.
في "دمشقي" نلحظ تأثير دراسة سعاد العامري الهندسة المعمارية في الكتابة، فهذا الوصف التفصيلي الدقيق للأماكن التراثية ولقصور العائلات الإقطاعية والأرستقراطية في دمشق ونابلس وغيرهما من المدن، ما كان ليكون على ما هو عليه لولا دراسة الكاتبة ومثلها ساردتها للهندسة المعمارية.
ويرتبط بوصف القصور وصف الطعام الذي كان يتناوله سكانها وحياة البذخ فيها، كما تصف العلاقات الجنسية الشرعية وغير الشرعية، ففي "دمشقي" تحضر اللقيطة ويحضر ابن السفاح.
ولأن الكتاب يتناول فترة زمنية تربو على المائة عام فإنه يرصد تحولات هذه الطبقات وما آلت إليه القصور.
تحكي ليلى/ سعاد التي عرف عنها الميل إلى السخرية بأسلوب ساخر ناقد، وهنا يتذكر المرء ما رآه بعض النقاد الماركسيين في روايات بلزاك وهو يصف حياة الطبقة الأرستقراطية التي كان جزءا منها. لقد كانت رواياته وهي تصور الحياة الداخلية لسكان القصور تفضح تلك الطبقة وتصور خواءها من الداخل، وهو ما تفعله هنا سعاد بوعي تام خلافا لما هو الحال لدى بلزاك، ولكن سعاد في نهاية الرواية تحاول عدم التمادي في فضح تلك الطبقة مجسدة في العائلة التي تحكي عنها، وتقول إن هذه العائلة مثل بقية العائلات، ولذلك تكتب الفصل الأخير تحت عنوان "لكل عائلة جانبها المظلم وعائلتي ليست استثناء".
ما تبقى لنا من يافا : "بدلة إنكليزية وبقرة يهودية" :
بعد نشر مقالي «بلبل فلسطين في بيت جدي: النكبة والجنون وزياد خداش» (١٦/١٠/٢٠٢٢) أخذت أسأل عن صورة عمي للتأكد من أنه كان فيها بصحبة محمد عبد الوهاب أم لا. لم أعثر على الصورة، فقلت لم يتبق لنا من يافا شيء، فحتى بيت جدي في حي النزهة، كما أعلمني أبي الذي زاره بعد ١٩٦٧ مرارا، وكما أبلغني مواطن نابلسي استأجر غرفة جانبية منه، جرف وأقيمت على أنقاضه محطة محروقات، وتذكرت نهاية رواية سعاد العامري «بدلة إنكليزية وبقرة يهودية» المكتوبة في ٢٠٢٠ والصادرة ترجمتها العربية في ٢٠٢٢. (وأنا أراجع أرشيف كتاباتي لاحظت أنني كتبت في ملحق الأيام «اليوم الثامن» في ١٢ تموز ٢٠٠١ تحت عنوان «كوشان بيت جدي»).
تنتهي الرواية بزيارة سعاد لصبحي الذي صار في العام ٢٠١٨ في الـ ٨٨ من عمره، في غرفته المتواضعة في جبل المريخ في عمان، وتسأله عن البدلة وعن محبوبته شمس التي صارت في الـ ٨٥ وتزوجت من أخيه أمير الذي بقي في يافا، فيجيبها، بعد أن أخرج خرقة رمادية مخططة بالأحمر:
- «هاد كل اللي بقيلي من فلسطين»
- «وشو بالنسبة إلى شمس؟»
- «صحيح إني ما رجعت شفت شمس بحياتي، لكن هادا ما بيعني إني ما كنت أفكر فيها طول هاي السنين..... كل اللي بقدر أقوله إني سعيد إنها ضلت في العيلة... كل واحد ونصيبه في هالدنيا».
وقصة صبحي وبدلته، وكذلك قصته مع شمس، قصة. فمن هو؟ وما هي قصته التي بنيت عليها الرواية؟
على الغلاف نقرأ «رواية مقتبسة عن قصة حقيقية» وقد كتبت باللغة الإنجليزية وترجمتها الكاتبة مع الكاتبة هلا شروف إلى العربية، وأهدتها سعاد «إلى أبي، وإلى اللاجئين جميعهم الذين قضوا في الشتات منتظرين العودة إلى الوطن»، وبعد صفحة الإهداء أوردت الكاتبة الملاحظة الآتية:
«هذه الرواية مبنية على مقابلات شخصية، أجريتها سنة ٢٠١٨ مع صبحي (٨٨ عاما) المقيم الآن في عمان، وشمس (٨٥ عاما) المقيمة في يافا».
وتبدأ تقص قصة صبحي ابن الخامسة عشرة الذي عمل في كاراج مصطفى الميكانيكي ابتداء من تموز ١٩٤٧ وتنهي قصها بلقائها مع شمس في يافا في كانون الثاني ٢٠١٨، ويتركز القص على فترات زمنية محددة وتكون هناك فجوة زمنية طويلة جدا بين العامين المذكورين لا نعرف فيها الكثير عن حياة صبحي في المنفى وشمس في يافا، وتمتد هذه الفجوة الزمنية منذ ٥٠ القرن ٢٠ إلى العام ٢٠١٨، فلا نقرأ عن ستين عاما تقريبا من حياة كل منهما إلا أقل القليل، قياسا لما نقرؤه عن حياتهما في العام ١٩٤٧ وعام النكبة ١٩٤٨ والأعوام القليلة التي تليه.
صبحي يختار أن يكون ميكانيكيا في كاراج مصطفى، لا مزارعا كأبيه إسماعيل ولا صيادا كجده.
في موسم النبي روبين اليافاوي المشهور، يحب صبحي شمس ابنة خليل السقا المزارع التي تصغره بثلاثة أعوام، وهي من سلمة، ويتخذ قراره بالزواج منها، ولكن الأحداث تتسارع وتحدث النكبة وتتشتت العائلات الفلسطينية ولا يتزوجان، فهو يهاجر وهي تقودها الظروف إلى البقاء في يافا، فتتزوج من أخيه أمير الذي قدرت له الأحداث أن يظل في يافا.
ما هي قصة البدلة الإنكليزية والبقرة اليهودية؟
عندما كان صبحي ميكانيكيا في الكاراج انتدبه معلمه مصطفى ليذهب مع الخواجا العصامي ميخائيل إلى بيارته ليصلح له ماتور ضخ المياه، ويعده ميخائيل بأنه إن نجح في إصلاح المضخة أن يكرمه ببدلة إنكليزية يكون ثمنها ٨ جنيهات فلسطينية يوم كانت أجرة صبحي في اليوم ٣٠ قرشا، ويصلح صبحي المضخة فينقذ موسم البرتقال لميخائيل ويحصل على البدلة التي يلبسها متباهيا بها، مقررا أن تكون بدلة عرسه يوم يتزوج شمس، ويظل تفكيره منحصرا في البدلة ذات الصوف الإنجليزي الفاخر وفي محبوبته شمس، وينتهي حلمه بالإخفاق فلا يتحقق.
وأما قصة البقرة اليهودية التي اقترن دالها في العنوان بدال البدلة فقصتها قصة قررت مستقبل شمس وأخواتها.
في خضم أحداث النكبة وما نجم عنها من تشرد وشتات وجوع يسرق بعض الفلسطينيين، ومنهم خليل السقا والد شمس، بقرة من مستوطنة ويذبحونها ويطعمون الناس الجياع، وتكون النتيجة اعتقال اليهود من ذبحها، وهكذا تجد شمس نفسها وأختيها بلا أب وبلا أم أيضا ليرعاهما الشيوعيان عبد المصري ورفقة اليهودية حتى خروج خليل من السجن وبحثه عن بناته ولقائه بهما وتزويج شمس من أمير شقيق صبحي، وتستقر شمس في يافا وتعمر وتعيش مع أحفادها.
من خلال الرواية التي تروى بأسلوب الحكاية المشوق نتعرف إلى يافا وحياة سكانها قبل العام ١٩٤٨، ويافا هي مدينة والد سعاد المربي محمد أديب العامري، ويبدو أن إلمامها بتفاصيل حياة المدينة إلماما يقترب من إلمام من عاش فيها يتكئ بالدرجة الأولى على أحاديث والدها وذكرياته في يافا التي أقام فيها وهجر منها وزارها بعد هزيمة ١٩٦٧، وعندما زار بيته لم تأذن له المرأة اليهودية بدخوله وأغلقت الباب في وجهه وهددته باستدعاء الشرطة إن ألح وكرر الطلب.
تأسرك سعاد بأسلوبها في القص وتزودك ببعد معرفي عن يافا وأهلها وموسم النبي روبين فيها، وهي بذلك تواصل مشروعها الكتابي الذي بدأ بكتابها «شارون وحماتي» و»مراد مراد» فـ»دمشقي» وإذا كانت الأخيرة عن دمشق مدينة أمها فإن «بدلة إنكليزية..» عن مدينة أبيها التي جاورتها مدينة تل أبيب، وما تزودنا به من كتابة عن المدينة الفلسطينية قبل ١٩٤٨ هو ما افتقدته الرواية الفلسطينية التي كتبها الرواد ونشروها قبل ١٩٤٨.
كانت يافا مدينة مزدهرة فيها المقاهي ودور السينما ولم يكن أهلها منغلقين، بل إن قسما منهم كان منفتحا على الجيران اليهود وهو ما قرأناه في قصة نجاتي صدقي «العابث» وما كان أبي يرويه لي.
المساحة محدودة والكتابة تطول ولعلني أقارب العلاقات الأسرية في الرواية في مقالات لاحقة. لعلني.
في " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية "(٢٠٢٢) تعرض نفسها لفتح جبهة عليها من أهل يافا ومحبي المدينة ،
فما إن قرأت مئة صفحة من الرواية حتى قلت :
- هذه رواية عن يافا ، مع أنها لم تدرج اسم المدينة في العنوان .
عندما كتبت نتفا عن حياة أبي في يافا في روايتي " الوطن عندما يخون " أتيت على علاقاته بالفتيات اليهوديات . كان ما كتبته عابرا ولا يسيء لأبي أو لأهل يافا وقد مر مرور الكرام .
عندما قرأت رواية أنور حامد " يافا تعد قهوة الصباح " قلت :
- هذه رواية عن عنبتا لا عن يافا .
سعاد تكتب عن يافا وأهلها قبل ١٩٤٨ موظفة لهجة اليافاويين وسلوكهم وتصرفاتهم ومزاجهم وتعاملهم مع الأحداث قبل عام النكبة وتأتي على علاقة قسم منهم بالعاهرات اليهوديات وتسمي الأشياء بأسمائها وتضع النقاط على الحروف فلا توارب ولا تهادن ولا تجامل ولا تجمل ولا تأخذ بالمقولة " إذا بليتم فاستتروا " .
مرة كتبت عن رواية نجوى بركات " يا سلام " مقالا عنوانه مثل شعبي " يا سلام .. المرة لما تطل بتسبق الكل "( الأيام الفلسطينية ٢٠ / ٤ / ٢٠٠٨ ).
لا سحر خليفة في رواياتها عن نابلس ولا نجوى بركات أو علوية صبح في كتابتهما عن بيروت كتبن بالجرأة التي تكتب فيها سعاد .
سعاد من يافا ويبدو أنها زارت المدينة وتعرفت إلى الأماكن في المدينة التي كتبت عنها جيدا ، ولا أظن أنها اعتمدت على السماع من والدها وحسب . ( دفعا لأي سوء فهم أقصد بالأماكن هنا مقاهي يافا وشوارعها ، أما الأماكن التي تردد عليها صبحي وعمه حبيب في تل أبيب ، فاغلب الظن أنها سمعت عنها من الشخصية التي أصغت إليها تروي قصتها ) .
بعض ما كتبته عن ذكور يافا ولسانهم السليط وجرأتهم في تسمية الأشياء بأسمائها لاحظته في أبي . أبي لن يجد في لغة بعض شخوص الرواية أمرا غريبا .
هل أحرض أهل يافا على سعاد أم أدافع عنها ؟
رواية " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " لن تدعك تتركها حتى تجهز عليها .
مع أن الوقت اليوم ليس مناسبا لكتابة مثل هذه ، إذ ارتقى في جنين أربعة شهداء وهناك عشرات الجرحى ، إلا أن الرواية التي تكتب عن يافا في ١٩٤٧ لا تخلو أجواؤها من الأجواء التي نمر بها .
عندما قرأت " مراد .. مراد " ألح علي سؤال الجدارة :
- من أجدر بفلسطين : نحن أم اليهود ؟
السؤال لي قديم جديد وقد التفت إليه وأنا أكتب رسالة الدكتوراه ، واستمر يلح علي .
ما علينا !
هذا الصباح في الحافلة تكلم السائق عن بطء تعبيد مدخل نابلس الشرقي ، وقال:
- منذ أشهر وهم يعبدون الشارع ، لو كان هذا عند اليهود لعبدوه في أسبوع أسبوعين . حقا من أجدر بفلسطين : نحن أم اليهود ؟
( تجدون الإجابة المفصلة في دراسة لي على موقع جامعة النجاح الوطنية staff تحت عنوان " الترجمة العربية لرواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ودحض الأدباء الفلسطينيين للفكرة الصهيونية " ) وكنت كتبت الدراسة لمؤتمر دولي عقدته جامعة قفصة بتونس ونشرت الدراسة في كتاب المؤتمر .
( ١٩ أيلول ٢٠١٩ / جريدة الأيام الفلسطينية عن رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " .
مقالات أخرى :
- سعاد العامري وكتابها الرابع " دمشقي " ٨ أيلول ٢٠١٩ .
- سعاد العامري " مراد.. مراد " ١٥ أيلول ٢٠١٩
- سعاد العامري وغسان كنفاني : سؤال الجدارة ٢٢ أيلول ٢٠١٩ .
وتحت عناوين أخرى منها " كلاب في الذاكرة " .٢٩ آذار ٢٠١٩ ." ما تبقى لنا " من يافا :
سعاد العامري و " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " )
( بعد نشر مقالي " بلبل فلسطين في بيت جدي : النكبة والجنون وزياد خداش " ( ١٦ / ١٠ / ٢٠٢٢ ) أخذت أسأل عن صورة عمي للتأكد من أنه كان فيها بصحبة محمد عبد الوهاب أم لا . لم أعثر على الصورة ، فقلت لم يتبق لنا من يافا شيء ، فحتى بيت جدي في حي النزهة ، كما أعلمني أبي الذي زاره بعد ١٩٦٧ مرارا ، وكما أبلغني مواطن نابلسي استأجر غرفة جانبية منه ، جرف وأقيمت على أنقاضه محطة محروقات ، وتذكرت نهاية رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " المكتوبة في ٢٠٢٠ والصادرة ترجمتها العربية في ٢٠٢٢ . ( وأنا أراجع أرشيف كتاباتي لاحظت أنني كتبت في ملحق الأيام " اليوم الثامن " في ١٢ تموز ٢٠٠١ تحت عنوان " كوشان بيت جدي " ) .
( تنتهي الرواية بزيارة سعاد لصبحي الذي صار في العام ٢٠١٨ في ال ٨٨ من عمره ، في غرفته المتواضعة في جبل المريخ في عمان ، وتسأله عن البدلة وعن محبوبته شمس التي صارت في ال ٨٥ وتزوجت من أخيه أمير الذي بقي في يافا ، فيجيبها ، بعد أن أخرج خرقة رمادية مخططة بالأحمر :
- " هاد كل اللي بقيلي من فلسطين "
- " وشو بالنسبة إلى شمس ؟ "
- " صحيح إني ما رجعت شفت شمس بحياتي ، لكن هادا ما بيعني إني ما كنت أفكر فيها طول هاي السنين ..... كل اللي بقدر أقوله إني سعيد إنها ضلت في العيلة ... كل واحد ونصيبه في هالدنيا " .
وقصة صبحي وبدلته ، وكذلك قصته مع شمس ، قصة . فمن هو ؟ وما هي قصته التي بنيت عليها الرواية ؟
على الغلاف نقرأ " رواية مقتبسة عن قصة حقيقية " وقد كتبت باللغة الإنجليزية وترجمتها الكاتبة مع الكاتبة هلا شروف إلى العربية ، وأهدتها سعاد " إلى أبي ، وإلى اللاجئين جميعهم الذين قضوا في الشتات منتظرين العودة إلى الوطن " ، وبعد صفحة الإهداء أوردت الكاتبة الملاحظة الآتية :
" هذه الرواية مبنية على مقابلات شخصية ، أجريتها سنة ٢٠١٨ مع صبحي ( ٨٨عاما ) المقيم الآن في عمان ، وشمس ( ٨٥عاما ) المقيمة في يافا " .
وتبدأ تقص قصة صبحي ابن الخامسة عشرة الذي عمل في كاراج مصطفى الميكانيكي ابتداء من تموز ١٩٤٧ وتنهي قصها بلقائها مع شمس في يافا في كانون الثاني ٢٠١٨ ، ويتركز القص على فترات زمنية محددة وتكون هناك فجوة زمنية طويلة جدا ما بين العامين المذكورين لا نعرف فيها الكثير عن حياة صبحي في المنفى وشمس في يافا ، وتمتد هذه الفجوة الزمنية منذ ٥٠ القرن ٢٠ إلى العام ٢٠١٨ ، فلا نقرأ عن ستين عاما تقريبا من حياة كل منهما إلا أقل القليل ، قياسا لما نقرؤه عن حياتهما في العام ١٩٤٧ وعام النكبة ١٩٤٨ والأعوام القليلة التي تليه .
صبحي يختار أن يكون ميكانيكيا في كاراج مصطفى ، لا مزارعا كأبيه اسماعيل ولا صيادا كجده .
في موسم النبي روبين اليافاوي المشهور يحب صبحي شمس ابنة خليل السقا المزارع التي تصغره بثلاثة أعوام ، وهي من سلمة ، ويتخذ قراره بالزواج منها ، ولكن الأحداث تتسارع وتحدث النكبة وتتشتت العائلات الفلسطينية ولا يتزوجان ، فهو يهاجر وهي تقودها الظروف إلى البقاء في يافا ، فتتزوج من أخيه أمير الذي قدرت له الأحداث أن يظل في يافا .
ما هي قصة البدلة الانكليزية والبقرة اليهودية ؟
عندما كان صبحي ميكانيكيا في الكاراج انتدبه معلمه مصطفى ليذهب مع الخواجا العصامي ميخائيل إلى بيارته ليصلح له ماطور ضخ المياه ، ويعده ميخائيل بأنه إن نجح في إصلاح المضخة أن يكرمه ببدلة انكليزية يكون ثمنها ٨ جنيهات فلسطينية يوم كانت أجرة صبحي في اليوم ٣٠ قرشا ، ويصلح صبحي المضخة فينقذ موسم البرتقال لميخائيل ويحصل على البدلة التي يلبسها متباهيا بها ، مقررا أن تكون بدلة عرسه يوم يتزوج شمس ، ويظل تفكيره منحصرا في البدلة ذات الصوف الإنجليزي الفاخر وفي محبوبته شمس ، وينتهي حلمه بالإخفاق فلا يتحقق .
وأما قصة البقرة اليهودية التي اقترن دالها في العنوان بدال البدلة فقصتها قصة قررت مستقبل شمس وأخواتها .
في خضم أحداث النكبة وما نجم عنها من تشرد وشتات وجوع يسرق بعض الفلسطينيين ، ومنهم خليل السقا والد شمس ، بقرة من مستوطنة ويذبحونها ويطعمون الناس الجياع ، وتكون النتيجة اعتقال اليهود من ذبحها ، وهكذا تجد شمس نفسها وأختيها بلا أب وبلا أم أيضا ليرعاهما الشيوعيان عبد المصري ورفقة اليهودية حتى خروج خليل من السجن وبحثه عن بناته ولقائه بهن وتزويج شمس من أمير شقيق صبحي ، وتستقر شمس في يافا وتعمر وتعيش مع أحفادها .
من خلال الرواية التي تروى بأسلوب الحكاية المشوق نتعرف إلى يافا وحياة سكانها قبل العام ١٩٤٨ ، ويافا هي مدينة والد سعاد المربي محمد أديب العامري ، ويبدو أن إلمامها بتفاصيل حياة المدينة إلماما يقترب من إلمام من عاش فيها يتكيء بالدرجة الأولى على أحاديث والدها وذكرياته في يافا التي أقام فيها وهجر منها وزارها بعد هزيمة ١٩٦٧ ، وعندما زار بيته لم تأذن له المرأة اليهودية بدخوله وأغلقت الباب في وجهه وهددته باستدعاء الشرطة إن ألح وكرر الطلب .
تأسرك سعاد بأسلوبها في القص وتزودك ببعد معرفي عن يافا وأهلها وموسم النبي روبين فيها ، وهي بذلك تواصل مشروعها الكتابي الذي بدأ بكتابها " شارون وحماتي " و" مراد مراد " ف " دمشقي " وإذا كانت الأخيرة عن دمشق مدينة أمها فإن " بدلة إنكليزية.. " عن مدينة أبيها التي جاورتها مدينة تل أبيب ، وما تزودنا به من كتابة عن المدينة الفلسطينية قبل ١٩٤٨ هو ما افتقدته الرواية الفلسطينية التي كتبها الرواد ونشروها قبل ١٩٤٨ .
كانت يافا مدينة مزدهرة فيها المقاهي ودور السينما ولم يكن أهلها منغلقين ، بل إن قسما منهم كان منفتحا على الجيران اليهود وهو ما قرأناه في قصة نجاتي صدقي " العابث " وما كان أبي يرويه لي .
المساحة محدودة والكتابة تطول ولعلني أقارب العلاقات الأسرية في الرواية في مقالات لاحقة . لعلني !)
( بدلة إنكليزية وبقرة يهودية :
ذكرتني الفقرة التي أدرجها الصديق Majdi Mohsen على صفحته ، وتأتي على احتجاز بعض سكان بيت دجن لعدد من رؤوس الأبقار للمستوطن ( كوكي ) ، ذكرتني بعنوان رواية الكاتبة الفلسطينية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " التي صدرت في العامين الأخيرين ، كما ذكرتني بسطر شعري لمحمود درويش أتى فيه على قصة حمار ( بلعام ) .
في العام ١٩٤٨ ذبح الجائعون من الفلسطينيين بقرة يهودية فألقي القبض عليهم وسجنوا ودفعوا ثمنا غاليا ، وقبل ثلاثة آلاف عام قتل العرب حمار بلعام ، وما زال اليهود ينتقمون من الفلسطينيين لأجله ، فماذا سيفعل ( كوكي ) بأهل بيت دجن ؟
يبدو أن النكبة الثانية ستحل بنا هذه المرة بسبب أبقار ( كوكي ) .
شر البلية هو أن يجيز قتل الحمار والأبقار قتل العرب .)
بعد النجاح الذي حققته سعاد العامري في كتابها الأدبي الأول "شارون وحماتي"، واصلت الكتابة عن الواقع الفلسطيني بعد أوسلو وفي أثناء انتفاضة الأقصى ، وقررت أن تخوض تجارب قد تودي بحياتها ، وهكذا تزيّت بزي الرجال والعمال وتسللت معهم ، في أوج انتفاضة الأقصى ، إلى فلسطين ١٩٤٨ لتكتب عن معاناتهم .
الكتابة من خلال المعايشة أنجزها كتاب أوروبيون كتبوا عن تجاربهم في موسكو وبكين أو مع الغجر ، على سبيل المثال Lois Fisher - Ruge، في كتابها:
"Alltag In Peking"
(يومياً في بكين)، وفي كتابها: " Nadeschda Heist Hoffnung" (نظرة من داخل الاتحاد السوفياتي)، وكتاب إسرائيليون أرادوا الإصغاء إلى وجهة نظر الفلسطينيين، مثل عاموس عوز "في أرض إسرائيل" وديفيد غروسمان "الزمن الأصفر"، أو أرادوا معرفة حقيقة تعامل الإسرائيليين مع الفلسطينيين، مثل يورام بينور في "عدوي نفسي"، حيث كتب عن فظائع المخابرات الإسرائيلية وأساليبها ضد العرب. ورائد فكرة الكتابة عن المشاهدة والإصغاء هو (ديكارت) الذي قرر وهو في الثالثة والعشرين من العمر ألا يصدق شيئاً إلا بعد أن يشاهد ويجرب ويعيش ويختلط بالآخرين ثم يخضع كل هذا للعقل. وتجدر الإشارة إلى هاينريش هاينة ورحلاته في أوروبا "رايسيبلدر Reisebilder": رحلات هاينريش هاينة في أوروبا".
تقر سعاد العامري في تمهيدها لكتابها بأن الكتابة في موضوع تتطلب معايشته ولو جزئياً، ولذلك تقتبس الفقرة الآتية من (ربزاردكابوشتينسكي)
"Another Day of Life":
"أرى أنه من الخطأ الكتابة عن أناس دون أن تعيش جزءاً على الأقل من معاناتهم".
وتضيف: "وبناء عليه رافقت مراداً وأصحابه في رحلة دامت ثماني عشرة ساعة".
وقد لا نتفق معاً حول إن كانت الثماني عشرة ساعة كافية للكتابة عن معاناة العمال الفلسطينيين في فلسطين، وهو ما لاحظته حين قرأت ردود القراء على الفقرة المقتبسة حين أدرجتها على صفحة الفيسبوك، فسعاد كتبت عن الرحلة ولم تعش حياة العمال في المصانع والورش والكراجات، ويبدو أنها أرادت فقط وصف الرحلة في تلك الأيام الصعبة والقاسية التي استمرت سبع سنوات عجافاً، أي طيلة فترة انتفاضة الأقصى.
الطبع في الشخصية :
وسعاد في مغامرتها هذه، وهي في السادسة والخمسين تقريباً من عمرها، إنما تسلك سلوكاً كانت تسلكه في طفولتها، وهنا نتذكر مقولة الشاعر الانجليزي (وردزورث) التي اتكأ عليها جبرا إبراهيم جبرا في سيرته الذاتية "البئر الأولى" وهي: "الطفل أبو الرجل". ولا أعرف إن كانت سعاد قرأت المقولة أو لا، ولكن قارئ الصفحات الأولى من كتابها "مراد.. مراد" سرعان ما يتذكر المقولة، فالكاتبة تختار عنواناً فرعياً هو "أولاد صغار .. أولاد كبار"، لتكتب تحته عن طفولتها ولعبها مع الأطفال الذكور وتقليدهم حين تبول، وها هي بعد مرور خمسين عاماً تعود لتعيش مع العمال وتتزيا بزيهم لتموّه على الإسرائيليين وتعيش رحلة المعاناة لتكتب عنها.
في "مراد.. مراد" لا تختفي الكاتبة وراء شخصية مخترعة لتكتب عن ذاتها - كما فعلت في كتاب لاحق لها "دمشقي" - فأنا الساردة في "مراد .. مراد" هي أنا الكاتبة.
إن الكتاب هنا ضرب من السيرة الذاتية وفيه نقرأ عن حياة الكاتبة خارج الرحلة التي تقوم بها، وهو هنا يضيء لنا الكتب الأخرى للكاتبة، السابقة واللاحقة، وهكذا تبدو كتبها سلسلة مترابطة، ما يدفعنا لقراءتها معاً لأن بعضها يضيء بعضها الآخر.
في "مراد.. مراد" تأتي الكاتبة على قصة كتابها الأول "شارون وحماتي"، وتأتي أيضاً على حياتها وأسرتها وأماكن إقامتها ودراستها وهو ما يضيء لنا كتابها الرابع "دمشقي"، الذي كتبت فيه عن ليلى التي سمّتها أمها ليلى على اسم أختها، وهو ما قامت به أم سعاد فقد اختارت لابنتها اسم أختها.
ليس ما ذكر آنفاً هو فقط ما يدفعني إلى القول إن هناك في كتابها "مراد.. مراد" ما يجعل من كتبها سلسلة مترابطة، فهناك دراسة الشخصية التي اتخذت أسماء متعددة مثل دراسة الهندسة المعمارية، والإقامة في الأماكن نفسها: عمان والقدس ودمشق، والانتماء إلى المدن المذكورة ويافا، ويستطيع المرء أن يبحث عن مزيد من التشابه مثل التركيز على وصف المباني والطعام.
عدا ما ذكر آنفاً حول الطفل أبو الرجل والبنت أم المرأة يجدر أن يشار هنا إلى أسباب أخرى دفعت الكاتبة للمغامرة من أجل الكتابة. هنا يمكن التوقف أمام سببين آخرين ذكرت أحدهما من قبل وهو رغبة سعاد في أن تصبح كاتبة بعد الشهرة التي حققها لها كتابها "شارون وحماتي"، وتتوقف هي نفسها أمام هذا السبب في الصفحات الأولى من "مراد.. مراد"، وأما السبب الثاني فيعود إلى الأفكار التي اعتنقتها في شبابها وتأتي بوضوح عليها، وهذا ما سأبينه.
تكتب سعاد في " مراد.. مراد " الآتي :
" لا أحد يزعم أنه صوت المضطهدين سوى برجوازية مدعية رومانتيكية ويسارية مثلي، تعتقد أنها ستمثل العمال والنساء والأطفال ، ناهيك طبعاً عن مملكة الحيوان. وهأنذا أحاول جمع مادة لكتابي الجديد عبر خوض المغامرات "لمرة واحدة فقط"، كي ألعب بعدها بتلك المادة (حياة الناس) وأكتب كتاباً مميزاً عمن تبقى من الـ ١٥٠ ألف عامل فلسطيني الذين يطعمون مليوناً " .
إن الأفكار اليسارية التي آمنت بها هي السبب الثالث الذي حدا بها لتأليف كتابها والقيام بمغامرة عواقبها غير مأمونة، وهي تعرف هذا وقد حذرها العمال وأهلهم وآخرون من خوضها، ولكنها أصرت على القيام بها.
إقرار الكاتبة بتبنيها الأفكار اليسارية سوف يساعدنا في قراءة كتابها "دمشقي" كثيراً.
تنتقد راوية كتاب "دمشقي" عائلتها وتسخر من سلوكها وتصرفاتها وتكتب عن فسق بعض ذكورها ممن يعيشون حياة اللهو والفجور ويقيمون علاقات جنسية خارج إطار المسموح به اجتماعياً وينجبون أطفالاً غير شرعيين، وتكتب هذا بوعي تام، وإن استدركت في نهاية كتابها الأمر وقالت: إن عائلة جدها وعائلة أمها مثل العائلات الأخرى في المجتمع العربي.
وكثيراً ما تسخر ليلى /سعاد من أمها ونمط تفكيرها وعلاقاتها بجيرانها سخرية كثيرين من البرجوازيين الذين اعتنقوا الماركسية من طبقتهم وأهلهم، وكل من صادق يساريين يتذكر كيف سخر هؤلاء بسبب معتقداتهم الفكرية من أصولهم وعادات طبقتهم وسلوكها وتفكيرها.
في "مراد.. مراد" تقدم سعاد على مخالطة العمال وتظهر تعاطفها معهم وتكتب عن معاناتهم ومعاناة أسرهم الفقيرة وتذهب إلى بيوتهم وتصف نمط معيشتهم وطعامهم، وتكتب عن سلوكهم وهذا كله يختلف عما نقرؤه عن الحياة في قصور الإقطاعيين. تكتب سعاد عن الحياة في بيوت الفقراء والحياة في القصور وقد عرفتها وخبرتها. لقد شاهدت وخالطت وجربت وأخضعت هذا كله للمساءلة.
في الفترة الأخيرة، طلب مني الناقد والروائي العراقي أن أكتب عن أدب المرأة في القرن الحادي والعشرين، وكنت وأنا أقرأ كتابي سعاد العامري أتابع موضوعات أدب المرأة وما يشغلها وطريقة قصها وانعكاس تجربتها الشخصية في كتابتها.
والموضوع يحتاج إلى حفر.
سعاد العامري وغسان كنفاني : سؤال الجدارة
لي قريب زار فلسطين ١٩٤٨ غير مرة، وكلما عاد من هناك وتحدثنا معا مدح ما فعله الإسرائيليون بأرض أجداده.
وأنا أجلس في مقهى البرلمان في البلدة القديمة في نابلس أتجاذب وبعض العمال أطراف الحديث فيمدح هؤلاء أصحاب العمل اليهود وحرصهم على دقة العمل.
صباح يوم الخميس، أتى السائق في سيارة العمومي على مشروع تعبيد مدخل مدينة نابلس الذي طال، وسرعان ما أخذ يمدح اليهود ودقتهم وسرعتهم في تعبيد الطرق.
كلام قريبي والعمال في مقهى البرلمان وسائق سيارة العمومي ذكرني بشخصية صفية زوجة سعيد. س في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، فقد أبدت إعجابها، حين زارت حيفا بعد غياب ٢٠عاما عنها، بما رأته. قارنت ما كانت عليه المدينة قبل ١٩٤٨ وبما شاهدته بعد ١٩٦٧، ولم يرق رأيها لزوجها.
الكلام الذي يصدر عن قسم من الفلسطينيين في فلسطين ويغلب عليه طابع مديح إنجازات الحركة الصهيونية على أرض فلسطين كلام لم ينقطع منذ احتلال ١٩٦٧ وهو حاضر حضورا لافتا في الأدبيات الصهيونية التي كتبت قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعده، فمنذ رواية (ثيودور هرتسل) ١٩٠٢ ونحن نقرأ عن دولة عصرية فيها مصانع تفوق المصانع الألمانية ومساحات خضراء تشابه أراضي سويسرا وأحياء راقية أجمل من الريفيرا وقطارات كهربائية أحدث مما عرفته أوروبا، ورشيد بك العربي في الرواية هو البداية. لقد رأى هذا في الاستيطان اليهودي لفلسطين جلب الضوء للشرق كله. وحين ترجم الإسرائيليون رواية (هرتسل) في ٦٠ ق٢٠ زينوها بصور لفلسطين في بدايات ق ٢٠ وصور لها بعد ١٩٤٨ والقصد من وراء ذلك لا يحتاج إلى تفسير. إنه يلخص بسطر ورد في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" ١٩٦٩ هو:
"تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقيا. عليكم أن تكونوا خدما لنا، معجبين بنا".
لقد توقفت مرارا وباستفاضة أمام رد الأدباء الفلسطينيين على مزاعم الحركة الصهيونية ( انظر دراستي: الترجمة العربية لرواية " أرض قديمة - جديدة " ودحض الأدباء الفلسطينيين للفكرة الصهيونية./ موقع جامعة النجاح الوطنية staff وانظر كتابي "أوراق مقارنة" ٢٠١٥).
في حزيران ٢٠١٩ زرت يافا ورأيت البيوت التي تفصل بين يافا وتل أبيب فلم ترق لي. ولا أتحدث هنا عن المباني الشاهقة ذات المعمار الحديث في تل أبيب التي قطعتها بالسيارة.
ربما كنت مثل سعيد. س الشخصية المحورية في رواية كنفاني، وربما قلت: كان يمكن أن نجعلها أفضل بكثير! هل أبالغ أو أتعامى أو ادفن رأسي في الرمل؟ هل أكابر؟
لم يزر كنفاني، بعد الهزيمة، حيفا، ولست متأكدا من شكل علاقته بها قبل ١٩٤٨، فعلام اعتمد في إنطاق شخصية روايته سعيد .س بما نطقت؟
من أدبائنا الذين حنوا لحيفا قبل تأسيس دولة إسرائيل إميل حبيبي في روايته "اخطية" ١٩٨٥.
تحسر حبيبي على حياته في حيفا في طفولته وشبابه قبل تأسيس الدولة الإسرائيلية، ومدح الحياة فيها مقارنة بما آلت إليه الحياة في المدينة تحت الحكم الإسرائيلي.
الكتابة عن حيفا في زمنين تثير سؤال الجدارة وهو السؤال الذي أثاره كنفاني على لسان شخوصه، وهو السؤال الذي أثاره الكتاب الصهيونيون في أدبياتهم، وقسم من شخصيات رواية كنفاني خارج من معطف الشخصيات الصهيونية في الأدب الصهيوني، وهذا عموما ما شغلني منذ كتابة رسالة الدكتوراه في ١٩٩١ وما زال.
في كتابها "مراد .. مراد" تأتي سعاد العامري على رحلتها، بالباص، من بتاح تكفا إلى تل أبيب وتصف المباني في الطريق الوصف الآتي:
"سرعان ما أقلنا الباص من منطقة "بتاح تكفا" الصناعية إلى مناطق تبدو سكنية. كانت البنايات رخيصة التكلفة المؤلفة من أربعة طوابق، والتي تعود إلى الخمسينيات (تسمى شيكونات بالعبرية)، المصطفة على جانبي الشارع الرئيسي المؤدي إلى تل أبيب، تبدو في الحقيقة بشعة جدا وغير متناسقة من الناحية الجمالية...".
وتقارن الكاتبة بينها وبين بيوت المستوطنات في الضفة وسبب قدوم المستوطنين إلى المستوطنات.
"كان أكثر ما يضايقني الافتقار إلى الشخصية المعمارية المميزة؛ لم يكن المكان يمت بصلة إلى أي شيء. لم يكن له سمات الحداثة وتعقيد المدن العصرية، ولا سحر المدن القديمة والتقليدية التي كانت موجودة ذات يوم. كان يشبه الضواحي الأميركية في خلوها من التميز ووضوح المعالم. لم يكن أوروبيا ولا عربي المظهر. أظن أنه بدا ببساطة كما هو تماما: إسرائيليا. كيف يمكن لفلسطين التاريخية أن تصبح وبهذه السرعة غريبة عن سكانها الأصليين؟ أظن أن أشد ما أزعجني هو عدم عثوري على بيت عربي واحد لذكرى الثلاثة أرباع مليون فلسطيني الذين طردوا من وطنهم منذ ستين عاما، عائلتي واحدة من هؤلاء".
كلام سعاد يختلف اختلافا جذريا عن كلام كثيرين وله أهميته الكبرى، ذلك أنه صادر عن مهندسة معمارية درست الهندسة المعمارية في جامعات عالمية راقية، عدا أنها سليلة أسرة مدنية فقد ولد أبوها في يافا وعاش بها ثم إن أمها من آل عبد الهادي الذين شيدوا القصور الفخمة وأقاموا فيها؛ في نابلس ودمشق وعرابة.
كما لو أن سعاد دون وعي تتبنى وجهة نظر غسان كنفاني وما أورده على لسان سعيد. س: "في القدس ونابلس وهنا يتحدث الناس كل يوم عن نتائج زياراتهم إلى يافا وعكا وتل أبيب وحيفا وصفد وقرى الجليل والمثلث. كلهم يقولون كلاما متشابها ويبدو أن أفكار كل منهم كانت أحسن مما رأوا بأم أعينهم. جميعهم عادوا يحملون خيبة كبيرة. إن المعجزة التي يتحدث عنها اليهود لم تكن إلا وهما".
هل ما كتبته سعاد العامري في ٢٠٠٧ يختلف عما ورد في رواية كنفاني؟
الجدل يطول.
«دمشقي»
أصدرت سعاد المهندسة المعمارية المسؤولة عن مؤسسة "رواق" كتابها الأدبي الرابع تحت عنوان "دمشقي"، وكان الكتاب الذي كتبته مؤلفته باللغة الانجليزية، كعادتها في كتابة كتبها، صدر بالانجليزية في ٢٠١٦ ومؤخرا بالعربية عن منشورات "المتوسط" و"الرقمية" ٢٠١٩، وترجمه مع الكاتبة إلى العربية عماد الأحمد.
الكتب الأدبية الثلاثة السابقة لسعاد هي "شارون وحماتي" و"مراد مراد" و"غولدا نامت هنا".
والكاتبة التي ولدت في العام ١٩٥١ نشرت أول كتبها الأدبية في العام ٢٠٠٤ - أي وهي في الثالثة والخمسين من عمرها، وإن كانت كتبت أجزاء من الكتاب قبل عام النشر بسنوات.
لفت كتاب الكاتبة الأول "شارون وحماتي" الأنظار إليه لأسباب عديدة منها موضوعاته وأسلوبه الساخر، وترجم إلى عشرين لغة منها العربية، ويبدو أن النجاح الذي حققته دفعها لمواصلة الكتابة، شأنها شأن اميل حبيبي الذي حققت له "سداسية الأيام الستة" ١٩٦٨ و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ١٩٧٤ شهرة كبيرة شجعته على مواصلة الكتابة الأدبية.
وإذا أردنا تحديد هوية "دمشقي" فإنه حسب معيار اللغة يدرج تحت الأدب الإنجليزي، ولكن حسب معايير أخرى، مثل الموضوع وهوية الكاتب ومكان ولادته وأصوله العرقية والمكان الذي تجري فيه الأحداث، فإن الكتاب يدرج ضمن الأدب العربي، وإن أردنا التحديد أكثر وأكثر فإنه يدرج ضمن الأدب العربي في بلاد الشام.
وإذا أردنا تحديد الجنس الأدبي لما تكتبه سعاد فإننا لا شك واقعون في حيرة.
كيف تصنف الكاتبة ما تكتب؟
شخصيا لم أقرأ لها سوى كتابين هما "شارون وحماتي" و"دمشقي" ولا يمكن اعتبارهما روايتين؛ الأول هو نصوص أدبية نثرية، والثاني هو مزيج من الحكي/ الكتابة والسيرة؛ سيرة عائلة.
في النظر إلى غلاف "دمشقي" نقرأ ما كتبه الناشر عن سعاد وكتبها. لقد عد "شارون وحماتي" رواية وأشار إلى كتب أخرى لها هي "مراد مراد" و"غولدا نامت هنا" دون أن يدرجها تحت جنس أدبي، وفي الكلمة التي أوردها على الغلاف الخلفي لـ"دمشقي" عد "دمشقي" رواية. وإذا بحثنا في الغلاف عن تصنيف الكاتبة نفسها لكتابها فإننا لن نقرأ عن تجنيس أدبي له، ففي الشكر الخاص تستخدم الكاتبة دال "هذا الكتاب" ولكن ماذا تقول الراوية؟
في الصفحة ١٠٥ ترى فيما ترويه ملحمة "سنعود إلى هذه الشخصية وتعقيداتها الكثيرة في سياق هذه الملحمة". وفي مواطن أخرى ترى أن ما تسرده هو حكاية عائلية تروى من الذاكرة:
"لا بد لي من القول إن مجموعة القصص المتشابكة المعششة في رأسي عن ابنة خالتي نورما، تبدو وكأنها الدمية الروسية ماتريوشكا قصة داخل قصة داخل قصة. ليس لدي أي فكرة عما إذا كان هذا يتعلق بغنى طفولة نورما المضطربة وسنوات مراهقتها المعذبة، أو أنه يتعلق على الأرجح بذاكرتي التي تلاشت اليوم يشعر المرء عندما يكتب حكاية عائلية، وهو في الثالثة والستين، والنسيان رفيقه..." ولنركز على "بذاكرتي" و"يكتب حكاية عائلية".
فماذا أقول؟
وأنا أصغي إلى سعاد، في الـ(يوتيوب)، في حفل تكريمها في مدينة يافا لاحظت أنها تركز في وصف نفسها على أنها حكاءة بالدرجة الأولى. هذا يعني أن ما يهمها بالدرجة الأولى هو الحكي، وفي الحكي كان المتلقون يهتمون بالحدث ولم يكن الشكل يعني لهم الكثير فهم شغوفون بمتابعة الأحداث وصيرورتها. إن طريقة الحكي مهمة لا شك وكذلك عنصر التشويق، ولكن ما هو مهم لهم أكثر هو الحكاية ذاتها، و"دمشقي" ذاتها لا تخلو من دال الحكي والحكاية وطريقة الحكي أيضا. إن طريقة الحكي وظاهرة العرض المسرحي تحضران في حضور العروض المسرحية في النص، وما يحضر أكثر هو شهرزاد راوية "ألف ليلة وليلة"، وتعد شهرزاد مثالا تقتديه سعاد لتحكي حكاية عائلات شامية: آل عبد الهادي وآل الجمل وآل البارودي وغيرهم من سكان بلاد الشام. إنها تحكي عن أكثر من مائة عام من تاريخ تلك العائلات وما ألم بها - مثلا جدو نعمان، وهو شخصية رئيسة، عاش من ١٨٦٢ حتى ١٩٦٠ ويستمر زمن الحكاية حتى ٢٠١٢ - وبأهم المدن التي عاشت فيها وهي دمشق والقدس ونابلس وقرية عرابة، وتظل دمشق هي المدينة الأولى وليس مستغربا أن يكون العنوان "دمشقي"؛ العنوان الذي إن لم يلتفت القارئ إلى الفتحة على الياء فقد يتساءل تساؤلات عديدة:
- من هو؟
- دمشقي - منسوب إلى دمشق.
- ما هو؟
- دمشق من؟
أما إذا التفت القارئ إلى الفتحة فإنه قد يربط بين الكاتب ودمشق، أو قد يربط بين أنا الراوي ودمشق، وقد يكون أنا الراوي هو الكاتب وقد لا يكون، وإن رجح من يقرأ عن حياة سعاد أن هناك تقاطعات كبيرة بينها وبين الراوية ليلى، فكلتاهما من مواليد ١٩٥١.
وكلتاهما عاشت في عمان ودمشق.
وكلتاهما تهتم بالقصور والبيوت وهندستها، وكلتاهما درست الهندسة المعمارية. تقول ليلى: "عندما أتأمل كيف أصبحت في نهاية المطاف مهندسة معمارية، لا تعرف كيف ترسم خطا مستقيما، أتساءل دائما ما الذي كان سيحل ببيكاسو لو أن مدرسة التربية الفنية عضته وهو في السادسة من عمره".
وكلتاهما تحضر السخرية في حديثها أو كتابتها.
وكلتاهما كان والدها من يافا وكان يصطحبها إلى نادي الضباط في مدينة الزرقاء الأردنية وهناك تمارس رياضة السباحة.
وهناك أدلة أخرى عديدة.
الراوية:
الراوية في النص هي شخصية من شخصياته، وهكذا تروي لنا من الداخل عن عالم هي جزء منه. الراوية هي ليلى ابنة سامية، وسامية هي إحدى بنات جدو نعمان البارودي الدمشقي الذي تزوج من بسيمة ابنة آل عبد الهادي من سكان عرابة ونابلس، وقد تزوجت سامية من عمر ابن يافا الذي درس في الجامعة الأميركية في بيروت وأقام بعد ١٩٤٨ في القدس ثم في عمان.
وكنت وازنت بين ليلى وسعاد، وفي تصنيف "دمشقي" توقفت أمام عبارة الراوية "حكاية عائلية"، وهكذا تروي ليلى/ سعاد قسما من سيرة عائلة أمها آل عبد الهادي وبعضا من سيرة آل البارودي الدمشقيين وسيرة أمها التي تزوجت من والدها. وتتحول "دمشقي" في قسمها الأخير إلى سيرة ذاتية تقريبا لطفولة ليلى قبل زواجها.
في "دمشقي" نلحظ تأثير دراسة سعاد العامري الهندسة المعمارية في الكتابة، فهذا الوصف التفصيلي الدقيق للأماكن التراثية ولقصور العائلات الإقطاعية والأرستقراطية في دمشق ونابلس وغيرهما من المدن، ما كان ليكون على ما هو عليه لولا دراسة الكاتبة ومثلها ساردتها للهندسة المعمارية.
ويرتبط بوصف القصور وصف الطعام الذي كان يتناوله سكانها وحياة البذخ فيها، كما تصف العلاقات الجنسية الشرعية وغير الشرعية، ففي "دمشقي" تحضر اللقيطة ويحضر ابن السفاح.
ولأن الكتاب يتناول فترة زمنية تربو على المائة عام فإنه يرصد تحولات هذه الطبقات وما آلت إليه القصور.
تحكي ليلى/ سعاد التي عرف عنها الميل إلى السخرية بأسلوب ساخر ناقد، وهنا يتذكر المرء ما رآه بعض النقاد الماركسيين في روايات بلزاك وهو يصف حياة الطبقة الأرستقراطية التي كان جزءا منها. لقد كانت رواياته وهي تصور الحياة الداخلية لسكان القصور تفضح تلك الطبقة وتصور خواءها من الداخل، وهو ما تفعله هنا سعاد بوعي تام خلافا لما هو الحال لدى بلزاك، ولكن سعاد في نهاية الرواية تحاول عدم التمادي في فضح تلك الطبقة مجسدة في العائلة التي تحكي عنها، وتقول إن هذه العائلة مثل بقية العائلات، ولذلك تكتب الفصل الأخير تحت عنوان "لكل عائلة جانبها المظلم وعائلتي ليست استثناء".
ما تبقى لنا من يافا : "بدلة إنكليزية وبقرة يهودية" :
بعد نشر مقالي «بلبل فلسطين في بيت جدي: النكبة والجنون وزياد خداش» (١٦/١٠/٢٠٢٢) أخذت أسأل عن صورة عمي للتأكد من أنه كان فيها بصحبة محمد عبد الوهاب أم لا. لم أعثر على الصورة، فقلت لم يتبق لنا من يافا شيء، فحتى بيت جدي في حي النزهة، كما أعلمني أبي الذي زاره بعد ١٩٦٧ مرارا، وكما أبلغني مواطن نابلسي استأجر غرفة جانبية منه، جرف وأقيمت على أنقاضه محطة محروقات، وتذكرت نهاية رواية سعاد العامري «بدلة إنكليزية وبقرة يهودية» المكتوبة في ٢٠٢٠ والصادرة ترجمتها العربية في ٢٠٢٢. (وأنا أراجع أرشيف كتاباتي لاحظت أنني كتبت في ملحق الأيام «اليوم الثامن» في ١٢ تموز ٢٠٠١ تحت عنوان «كوشان بيت جدي»).
تنتهي الرواية بزيارة سعاد لصبحي الذي صار في العام ٢٠١٨ في الـ ٨٨ من عمره، في غرفته المتواضعة في جبل المريخ في عمان، وتسأله عن البدلة وعن محبوبته شمس التي صارت في الـ ٨٥ وتزوجت من أخيه أمير الذي بقي في يافا، فيجيبها، بعد أن أخرج خرقة رمادية مخططة بالأحمر:
- «هاد كل اللي بقيلي من فلسطين»
- «وشو بالنسبة إلى شمس؟»
- «صحيح إني ما رجعت شفت شمس بحياتي، لكن هادا ما بيعني إني ما كنت أفكر فيها طول هاي السنين..... كل اللي بقدر أقوله إني سعيد إنها ضلت في العيلة... كل واحد ونصيبه في هالدنيا».
وقصة صبحي وبدلته، وكذلك قصته مع شمس، قصة. فمن هو؟ وما هي قصته التي بنيت عليها الرواية؟
على الغلاف نقرأ «رواية مقتبسة عن قصة حقيقية» وقد كتبت باللغة الإنجليزية وترجمتها الكاتبة مع الكاتبة هلا شروف إلى العربية، وأهدتها سعاد «إلى أبي، وإلى اللاجئين جميعهم الذين قضوا في الشتات منتظرين العودة إلى الوطن»، وبعد صفحة الإهداء أوردت الكاتبة الملاحظة الآتية:
«هذه الرواية مبنية على مقابلات شخصية، أجريتها سنة ٢٠١٨ مع صبحي (٨٨ عاما) المقيم الآن في عمان، وشمس (٨٥ عاما) المقيمة في يافا».
وتبدأ تقص قصة صبحي ابن الخامسة عشرة الذي عمل في كاراج مصطفى الميكانيكي ابتداء من تموز ١٩٤٧ وتنهي قصها بلقائها مع شمس في يافا في كانون الثاني ٢٠١٨، ويتركز القص على فترات زمنية محددة وتكون هناك فجوة زمنية طويلة جدا بين العامين المذكورين لا نعرف فيها الكثير عن حياة صبحي في المنفى وشمس في يافا، وتمتد هذه الفجوة الزمنية منذ ٥٠ القرن ٢٠ إلى العام ٢٠١٨، فلا نقرأ عن ستين عاما تقريبا من حياة كل منهما إلا أقل القليل، قياسا لما نقرؤه عن حياتهما في العام ١٩٤٧ وعام النكبة ١٩٤٨ والأعوام القليلة التي تليه.
صبحي يختار أن يكون ميكانيكيا في كاراج مصطفى، لا مزارعا كأبيه إسماعيل ولا صيادا كجده.
في موسم النبي روبين اليافاوي المشهور، يحب صبحي شمس ابنة خليل السقا المزارع التي تصغره بثلاثة أعوام، وهي من سلمة، ويتخذ قراره بالزواج منها، ولكن الأحداث تتسارع وتحدث النكبة وتتشتت العائلات الفلسطينية ولا يتزوجان، فهو يهاجر وهي تقودها الظروف إلى البقاء في يافا، فتتزوج من أخيه أمير الذي قدرت له الأحداث أن يظل في يافا.
ما هي قصة البدلة الإنكليزية والبقرة اليهودية؟
عندما كان صبحي ميكانيكيا في الكاراج انتدبه معلمه مصطفى ليذهب مع الخواجا العصامي ميخائيل إلى بيارته ليصلح له ماتور ضخ المياه، ويعده ميخائيل بأنه إن نجح في إصلاح المضخة أن يكرمه ببدلة إنكليزية يكون ثمنها ٨ جنيهات فلسطينية يوم كانت أجرة صبحي في اليوم ٣٠ قرشا، ويصلح صبحي المضخة فينقذ موسم البرتقال لميخائيل ويحصل على البدلة التي يلبسها متباهيا بها، مقررا أن تكون بدلة عرسه يوم يتزوج شمس، ويظل تفكيره منحصرا في البدلة ذات الصوف الإنجليزي الفاخر وفي محبوبته شمس، وينتهي حلمه بالإخفاق فلا يتحقق.
وأما قصة البقرة اليهودية التي اقترن دالها في العنوان بدال البدلة فقصتها قصة قررت مستقبل شمس وأخواتها.
في خضم أحداث النكبة وما نجم عنها من تشرد وشتات وجوع يسرق بعض الفلسطينيين، ومنهم خليل السقا والد شمس، بقرة من مستوطنة ويذبحونها ويطعمون الناس الجياع، وتكون النتيجة اعتقال اليهود من ذبحها، وهكذا تجد شمس نفسها وأختيها بلا أب وبلا أم أيضا ليرعاهما الشيوعيان عبد المصري ورفقة اليهودية حتى خروج خليل من السجن وبحثه عن بناته ولقائه بهما وتزويج شمس من أمير شقيق صبحي، وتستقر شمس في يافا وتعمر وتعيش مع أحفادها.
من خلال الرواية التي تروى بأسلوب الحكاية المشوق نتعرف إلى يافا وحياة سكانها قبل العام ١٩٤٨، ويافا هي مدينة والد سعاد المربي محمد أديب العامري، ويبدو أن إلمامها بتفاصيل حياة المدينة إلماما يقترب من إلمام من عاش فيها يتكئ بالدرجة الأولى على أحاديث والدها وذكرياته في يافا التي أقام فيها وهجر منها وزارها بعد هزيمة ١٩٦٧، وعندما زار بيته لم تأذن له المرأة اليهودية بدخوله وأغلقت الباب في وجهه وهددته باستدعاء الشرطة إن ألح وكرر الطلب.
تأسرك سعاد بأسلوبها في القص وتزودك ببعد معرفي عن يافا وأهلها وموسم النبي روبين فيها، وهي بذلك تواصل مشروعها الكتابي الذي بدأ بكتابها «شارون وحماتي» و»مراد مراد» فـ»دمشقي» وإذا كانت الأخيرة عن دمشق مدينة أمها فإن «بدلة إنكليزية..» عن مدينة أبيها التي جاورتها مدينة تل أبيب، وما تزودنا به من كتابة عن المدينة الفلسطينية قبل ١٩٤٨ هو ما افتقدته الرواية الفلسطينية التي كتبها الرواد ونشروها قبل ١٩٤٨.
كانت يافا مدينة مزدهرة فيها المقاهي ودور السينما ولم يكن أهلها منغلقين، بل إن قسما منهم كان منفتحا على الجيران اليهود وهو ما قرأناه في قصة نجاتي صدقي «العابث» وما كان أبي يرويه لي.
المساحة محدودة والكتابة تطول ولعلني أقارب العلاقات الأسرية في الرواية في مقالات لاحقة. لعلني.
في " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية "(٢٠٢٢) تعرض نفسها لفتح جبهة عليها من أهل يافا ومحبي المدينة ،
فما إن قرأت مئة صفحة من الرواية حتى قلت :
- هذه رواية عن يافا ، مع أنها لم تدرج اسم المدينة في العنوان .
عندما كتبت نتفا عن حياة أبي في يافا في روايتي " الوطن عندما يخون " أتيت على علاقاته بالفتيات اليهوديات . كان ما كتبته عابرا ولا يسيء لأبي أو لأهل يافا وقد مر مرور الكرام .
عندما قرأت رواية أنور حامد " يافا تعد قهوة الصباح " قلت :
- هذه رواية عن عنبتا لا عن يافا .
سعاد تكتب عن يافا وأهلها قبل ١٩٤٨ موظفة لهجة اليافاويين وسلوكهم وتصرفاتهم ومزاجهم وتعاملهم مع الأحداث قبل عام النكبة وتأتي على علاقة قسم منهم بالعاهرات اليهوديات وتسمي الأشياء بأسمائها وتضع النقاط على الحروف فلا توارب ولا تهادن ولا تجامل ولا تجمل ولا تأخذ بالمقولة " إذا بليتم فاستتروا " .
مرة كتبت عن رواية نجوى بركات " يا سلام " مقالا عنوانه مثل شعبي " يا سلام .. المرة لما تطل بتسبق الكل "( الأيام الفلسطينية ٢٠ / ٤ / ٢٠٠٨ ).
لا سحر خليفة في رواياتها عن نابلس ولا نجوى بركات أو علوية صبح في كتابتهما عن بيروت كتبن بالجرأة التي تكتب فيها سعاد .
سعاد من يافا ويبدو أنها زارت المدينة وتعرفت إلى الأماكن في المدينة التي كتبت عنها جيدا ، ولا أظن أنها اعتمدت على السماع من والدها وحسب . ( دفعا لأي سوء فهم أقصد بالأماكن هنا مقاهي يافا وشوارعها ، أما الأماكن التي تردد عليها صبحي وعمه حبيب في تل أبيب ، فاغلب الظن أنها سمعت عنها من الشخصية التي أصغت إليها تروي قصتها ) .
بعض ما كتبته عن ذكور يافا ولسانهم السليط وجرأتهم في تسمية الأشياء بأسمائها لاحظته في أبي . أبي لن يجد في لغة بعض شخوص الرواية أمرا غريبا .
هل أحرض أهل يافا على سعاد أم أدافع عنها ؟
رواية " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " لن تدعك تتركها حتى تجهز عليها .
مع أن الوقت اليوم ليس مناسبا لكتابة مثل هذه ، إذ ارتقى في جنين أربعة شهداء وهناك عشرات الجرحى ، إلا أن الرواية التي تكتب عن يافا في ١٩٤٧ لا تخلو أجواؤها من الأجواء التي نمر بها .
عندما قرأت " مراد .. مراد " ألح علي سؤال الجدارة :
- من أجدر بفلسطين : نحن أم اليهود ؟
السؤال لي قديم جديد وقد التفت إليه وأنا أكتب رسالة الدكتوراه ، واستمر يلح علي .
ما علينا !
هذا الصباح في الحافلة تكلم السائق عن بطء تعبيد مدخل نابلس الشرقي ، وقال:
- منذ أشهر وهم يعبدون الشارع ، لو كان هذا عند اليهود لعبدوه في أسبوع أسبوعين . حقا من أجدر بفلسطين : نحن أم اليهود ؟
( تجدون الإجابة المفصلة في دراسة لي على موقع جامعة النجاح الوطنية staff تحت عنوان " الترجمة العربية لرواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " ودحض الأدباء الفلسطينيين للفكرة الصهيونية " ) وكنت كتبت الدراسة لمؤتمر دولي عقدته جامعة قفصة بتونس ونشرت الدراسة في كتاب المؤتمر .
( ١٩ أيلول ٢٠١٩ / جريدة الأيام الفلسطينية عن رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " .
مقالات أخرى :
- سعاد العامري وكتابها الرابع " دمشقي " ٨ أيلول ٢٠١٩ .
- سعاد العامري " مراد.. مراد " ١٥ أيلول ٢٠١٩
- سعاد العامري وغسان كنفاني : سؤال الجدارة ٢٢ أيلول ٢٠١٩ .
وتحت عناوين أخرى منها " كلاب في الذاكرة " .٢٩ آذار ٢٠١٩ ." ما تبقى لنا " من يافا :
سعاد العامري و " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " )
( بعد نشر مقالي " بلبل فلسطين في بيت جدي : النكبة والجنون وزياد خداش " ( ١٦ / ١٠ / ٢٠٢٢ ) أخذت أسأل عن صورة عمي للتأكد من أنه كان فيها بصحبة محمد عبد الوهاب أم لا . لم أعثر على الصورة ، فقلت لم يتبق لنا من يافا شيء ، فحتى بيت جدي في حي النزهة ، كما أعلمني أبي الذي زاره بعد ١٩٦٧ مرارا ، وكما أبلغني مواطن نابلسي استأجر غرفة جانبية منه ، جرف وأقيمت على أنقاضه محطة محروقات ، وتذكرت نهاية رواية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " المكتوبة في ٢٠٢٠ والصادرة ترجمتها العربية في ٢٠٢٢ . ( وأنا أراجع أرشيف كتاباتي لاحظت أنني كتبت في ملحق الأيام " اليوم الثامن " في ١٢ تموز ٢٠٠١ تحت عنوان " كوشان بيت جدي " ) .
( تنتهي الرواية بزيارة سعاد لصبحي الذي صار في العام ٢٠١٨ في ال ٨٨ من عمره ، في غرفته المتواضعة في جبل المريخ في عمان ، وتسأله عن البدلة وعن محبوبته شمس التي صارت في ال ٨٥ وتزوجت من أخيه أمير الذي بقي في يافا ، فيجيبها ، بعد أن أخرج خرقة رمادية مخططة بالأحمر :
- " هاد كل اللي بقيلي من فلسطين "
- " وشو بالنسبة إلى شمس ؟ "
- " صحيح إني ما رجعت شفت شمس بحياتي ، لكن هادا ما بيعني إني ما كنت أفكر فيها طول هاي السنين ..... كل اللي بقدر أقوله إني سعيد إنها ضلت في العيلة ... كل واحد ونصيبه في هالدنيا " .
وقصة صبحي وبدلته ، وكذلك قصته مع شمس ، قصة . فمن هو ؟ وما هي قصته التي بنيت عليها الرواية ؟
على الغلاف نقرأ " رواية مقتبسة عن قصة حقيقية " وقد كتبت باللغة الإنجليزية وترجمتها الكاتبة مع الكاتبة هلا شروف إلى العربية ، وأهدتها سعاد " إلى أبي ، وإلى اللاجئين جميعهم الذين قضوا في الشتات منتظرين العودة إلى الوطن " ، وبعد صفحة الإهداء أوردت الكاتبة الملاحظة الآتية :
" هذه الرواية مبنية على مقابلات شخصية ، أجريتها سنة ٢٠١٨ مع صبحي ( ٨٨عاما ) المقيم الآن في عمان ، وشمس ( ٨٥عاما ) المقيمة في يافا " .
وتبدأ تقص قصة صبحي ابن الخامسة عشرة الذي عمل في كاراج مصطفى الميكانيكي ابتداء من تموز ١٩٤٧ وتنهي قصها بلقائها مع شمس في يافا في كانون الثاني ٢٠١٨ ، ويتركز القص على فترات زمنية محددة وتكون هناك فجوة زمنية طويلة جدا ما بين العامين المذكورين لا نعرف فيها الكثير عن حياة صبحي في المنفى وشمس في يافا ، وتمتد هذه الفجوة الزمنية منذ ٥٠ القرن ٢٠ إلى العام ٢٠١٨ ، فلا نقرأ عن ستين عاما تقريبا من حياة كل منهما إلا أقل القليل ، قياسا لما نقرؤه عن حياتهما في العام ١٩٤٧ وعام النكبة ١٩٤٨ والأعوام القليلة التي تليه .
صبحي يختار أن يكون ميكانيكيا في كاراج مصطفى ، لا مزارعا كأبيه اسماعيل ولا صيادا كجده .
في موسم النبي روبين اليافاوي المشهور يحب صبحي شمس ابنة خليل السقا المزارع التي تصغره بثلاثة أعوام ، وهي من سلمة ، ويتخذ قراره بالزواج منها ، ولكن الأحداث تتسارع وتحدث النكبة وتتشتت العائلات الفلسطينية ولا يتزوجان ، فهو يهاجر وهي تقودها الظروف إلى البقاء في يافا ، فتتزوج من أخيه أمير الذي قدرت له الأحداث أن يظل في يافا .
ما هي قصة البدلة الانكليزية والبقرة اليهودية ؟
عندما كان صبحي ميكانيكيا في الكاراج انتدبه معلمه مصطفى ليذهب مع الخواجا العصامي ميخائيل إلى بيارته ليصلح له ماطور ضخ المياه ، ويعده ميخائيل بأنه إن نجح في إصلاح المضخة أن يكرمه ببدلة انكليزية يكون ثمنها ٨ جنيهات فلسطينية يوم كانت أجرة صبحي في اليوم ٣٠ قرشا ، ويصلح صبحي المضخة فينقذ موسم البرتقال لميخائيل ويحصل على البدلة التي يلبسها متباهيا بها ، مقررا أن تكون بدلة عرسه يوم يتزوج شمس ، ويظل تفكيره منحصرا في البدلة ذات الصوف الإنجليزي الفاخر وفي محبوبته شمس ، وينتهي حلمه بالإخفاق فلا يتحقق .
وأما قصة البقرة اليهودية التي اقترن دالها في العنوان بدال البدلة فقصتها قصة قررت مستقبل شمس وأخواتها .
في خضم أحداث النكبة وما نجم عنها من تشرد وشتات وجوع يسرق بعض الفلسطينيين ، ومنهم خليل السقا والد شمس ، بقرة من مستوطنة ويذبحونها ويطعمون الناس الجياع ، وتكون النتيجة اعتقال اليهود من ذبحها ، وهكذا تجد شمس نفسها وأختيها بلا أب وبلا أم أيضا ليرعاهما الشيوعيان عبد المصري ورفقة اليهودية حتى خروج خليل من السجن وبحثه عن بناته ولقائه بهن وتزويج شمس من أمير شقيق صبحي ، وتستقر شمس في يافا وتعمر وتعيش مع أحفادها .
من خلال الرواية التي تروى بأسلوب الحكاية المشوق نتعرف إلى يافا وحياة سكانها قبل العام ١٩٤٨ ، ويافا هي مدينة والد سعاد المربي محمد أديب العامري ، ويبدو أن إلمامها بتفاصيل حياة المدينة إلماما يقترب من إلمام من عاش فيها يتكيء بالدرجة الأولى على أحاديث والدها وذكرياته في يافا التي أقام فيها وهجر منها وزارها بعد هزيمة ١٩٦٧ ، وعندما زار بيته لم تأذن له المرأة اليهودية بدخوله وأغلقت الباب في وجهه وهددته باستدعاء الشرطة إن ألح وكرر الطلب .
تأسرك سعاد بأسلوبها في القص وتزودك ببعد معرفي عن يافا وأهلها وموسم النبي روبين فيها ، وهي بذلك تواصل مشروعها الكتابي الذي بدأ بكتابها " شارون وحماتي " و" مراد مراد " ف " دمشقي " وإذا كانت الأخيرة عن دمشق مدينة أمها فإن " بدلة إنكليزية.. " عن مدينة أبيها التي جاورتها مدينة تل أبيب ، وما تزودنا به من كتابة عن المدينة الفلسطينية قبل ١٩٤٨ هو ما افتقدته الرواية الفلسطينية التي كتبها الرواد ونشروها قبل ١٩٤٨ .
كانت يافا مدينة مزدهرة فيها المقاهي ودور السينما ولم يكن أهلها منغلقين ، بل إن قسما منهم كان منفتحا على الجيران اليهود وهو ما قرأناه في قصة نجاتي صدقي " العابث " وما كان أبي يرويه لي .
المساحة محدودة والكتابة تطول ولعلني أقارب العلاقات الأسرية في الرواية في مقالات لاحقة . لعلني !)
( بدلة إنكليزية وبقرة يهودية :
ذكرتني الفقرة التي أدرجها الصديق Majdi Mohsen على صفحته ، وتأتي على احتجاز بعض سكان بيت دجن لعدد من رؤوس الأبقار للمستوطن ( كوكي ) ، ذكرتني بعنوان رواية الكاتبة الفلسطينية سعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " التي صدرت في العامين الأخيرين ، كما ذكرتني بسطر شعري لمحمود درويش أتى فيه على قصة حمار ( بلعام ) .
في العام ١٩٤٨ ذبح الجائعون من الفلسطينيين بقرة يهودية فألقي القبض عليهم وسجنوا ودفعوا ثمنا غاليا ، وقبل ثلاثة آلاف عام قتل العرب حمار بلعام ، وما زال اليهود ينتقمون من الفلسطينيين لأجله ، فماذا سيفعل ( كوكي ) بأهل بيت دجن ؟
يبدو أن النكبة الثانية ستحل بنا هذه المرة بسبب أبقار ( كوكي ) .
شر البلية هو أن يجيز قتل الحمار والأبقار قتل العرب .)