د. حسن اليملاحي - الحلم والهجرة في رواية "بحثا عن ظل" للروائي المغربي: د. أحمد رزيق

- تمهيد:
" بحثا عن ظل"، هو عنوان المتن الروائي، للروائي المغربي أحمد رزيق، وقد صدر ضمن منشورات دار قرطبة للنشر والتوزيع، البيضاء في طبعته الأولى برسم سنة 1999، ويتضمن هذا المتن حوالي ثلاثمائة صفحة متفاوتة القصر والطول. ويعتبر هذا العمل الروائي الأول من نوعه في مجال الكتابة السردية، وللاقتراب من هذا العمل، نشير إلى أن قراءتنا هذه ستنطلق من التمهيد والعنوان والمتن الحكائي مرورا بالهجرة والتصوير الروائي، وانتهاء بالخاتمة.
- في مسألة العنوان:
يلاحظ أن الروائي أحمد رزيق قد اختار لروايته عنوان بحثا عن ظل. وعند تأمل هذه العتبة نجدها تدخل ضمن" نمط العنوان غير المباشر، الذي يؤسس دلالته بطريقة تأويلية يقوم بها القارئ أثناء قراءته للرواية، ويمكن أن نطلق على هذا النمط من العنونة النص المحاذي لأنه يمهد للنص المتن المتمثل في الرواية في كليتها الشاملة"، وبناء عليه يبقى الظل حلقة مفقودة تتطلب من القارئ العمل على رصدها. وعلى عادة بعض العناوين المخاتلة، فإن بحثا عن ظل لأحمد رزيق عتبة تثير جملة من الأسئلة لدى القارئ نظرا لما تنطوي عليه من غرابة، لأنه ليس من العقل أن يبحث الإنسان عن ظله وهو ما يعني دلاليا أننا أمام كلمة استعارية تستوجب التأويل. وهكذا ، فإن الظل لا يقصد به الظل في ذاته ولذاته، بل يقصد به دلاليا الانتماء الذي ضاع بين القرية والمدينة، وهو انتماء يحتاج إلى مزيد من الحياة بعد أن ألغي بفعل الضياع والهجرة والتحولات.
- في المتن الحكائي:
تتناول رواية بحثا عن ظل للروائي المغربي أحمد رزيق حياة وأنشطة أهالي قرية مغربية نواحي مديونة وهي تنصرف إلى التركيز على نماذج من هذا الهامش غير النافع ورصد خطاباتها وشبكة علاقاتها الاجتماعية المعقدة، وذلك من خلال امتهانهم للصوصية وسرقة الغلات والمحاصيل الزراعية وكل ما يقع في آياديهم من أجل تحقيق نزواتهم بما في ذلك معاقرة الخمر، إنهم سكارى يشربون الخمر ويعربدون من دون أن يعيروا الاعتبار لأعراف القرية والقوانين ، كما يعادون كل من يقف ضد تحقيق رغباتهم لأنهم يرون في ذلك مساسا بحريتهم التي منحتها إياهم الطبيعة، ولذلك وجب صونها . وإلى جانب ما سلف، يتوقف القارئ للرواية عند بعض ممارسات الأهالي غير الإنسانية كالوشاية ببعضهم والتقليل من رجولة البعض والانخراط في السخرية أو اعتداء بعضهم على زوجاتهم من دون أي شفقة أو رحمة ،وهو عنف له كلفة نفسية واجتماعية كبيرة على القرية والأبناء. وإلى جانب ما سلف ، يمكن الحديث عن التحرش، وهو سلوك يطرح أكثر من علامات استفهام خاصة إذا كان الأمر يتعلق بزوجة مطلقة أو أرملة. والحديث عن التحرش يستدعي الإشارة إلى الخيانة الزوجية .كما أن أهالي هذه القرية يحبون النشاط ويقدسونه ، ويشعرون بالارتياح والمتعة حينما يجدون أنفسهم في بعض الأماسي وجها لوجه مع الرّباعات اللواتي ينشطن الأعراس وبعض المناسبات الأخرى.إن الأهالي حسب الرواية، قوم لا يعقلون لهم شريعتهم في أداء الشعائر ولهم فلسفتهم الخاصة في الحياة.. وأعتقد أننا إذا وضعنا هذه الرواية في سياقها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فإن القارئ سيسلم بما جاءت به هذه الرواية بالرغم من أسلوب التمويه الذي تعتمده من خلال سكوتها عن اسم القرية وبعض الفضاءات الأخرى والاكتفاء فقط بالأسماء . فهل هذه الممارسات التي تصدر عن الأهالي هي ظاهرة تنسحب على باقي القرى الأخرى، أم إن الأمر يتعلق فقط بحالة معزولة لا غير؟
- في نقد الواقع والأخلاق:
إن القارئ لرواية بحثا عن ظل يجدها لا تكتفي باستدعاء القرية والمدينة والوقوف عند سلوكات أهالي هذا الهامش غير النافع ( القرية ) ورصد خطاباتها وشبكة علاقاتها الاجتماعية المعقدة وبسطها سرديا أمام القارئ، بل نجد السارد يقف في مواضع كثيرة موقف المنتقد لهذا الوضع السائد. وهذا الانتقاد وهو ينصرف إلى مجالات عدة، إنما يعيد إلى الواجهة دور ووظيفة الرواية في عملية إصلاح الفرد والمجتمع وتقويم ما يمكن تقويمه. وبهذا المعنى، فمتن بحثا عن ظل ينحو منحى الإصلاح وهذه ميزة تحسب للرواية، في الوقت الذي ينصرف فيه إلى تشخيص الواقع في القرية ونقده وفضح ما وصلت إليه القيم من انهيار بفعل العقوق والتمرد على القوانين والتعاطي إلى بعض الممنوعات وما يرافق ذلك من تفسخ وانحلال أخلاقي. يقول السارد:كان المال الذي نحصل عليه من بيع مسروق الحبوب من مطامير الآباء ومن الحقول..كان ذلك المال ملكا مشاعا بيننا جميعا.. نشرب ونشرب حتى نفقد حاسة التمييز..".ص:47. وعن انعكاسات وتأثير هذا الفعل غير المقبول على القيم، يقول السارد:" هكذا كانت كل قيم النبل والحياء والمروءة تتهاوى الواحدة تلو الأخرى تحت عنف الطيش الذي أخذ يستقر فينا جراء معاقرة الخمر..هكذا كنا نتهاوى وننهار شيئا فشيئا لنهوي بمحض إرادتنا أومكرهين نحو سديم الضياع الذي كنا نعده جرأة".ص:52/53. وللمزيد من نقد و فضح هؤلاء ، يقول السارد:" إن الواحد منهم يحفظ أغنية بأكملها، يجهد نفسه، بعدما أجهد جيبه بالحرص على اقتناء الشريط، حتى يحفظها، يسمع الشريط ثلاث مرات أو أربع مرات، حتى تترسخ الكلمات ويترسخ اللحن في الذهن.. لكن قل لي بربك، هل منهم من يحفظ قصار السور يؤدي بها صلاته؟؟ بل هل منهم من يحفظ الفاتحة حفظا جيدا؟؟ لا أظن أنهم يصبرون على حفظ ذلك صبرهم على حفظ ( العيوط) ..ص:60. أعتقد أن هذه الصورة البليغة كافية للتأكيد على لامبالاة هذه الفئة من شباب القرية وميولاتها للهو والعبث، وهي ميولات ستنعكس سلبا على مستقبلها.
وللاقتراب من بعض موضوعات الرواية، نشير إلى أن قراءتنا هذه ستنصرف إلى التركيز على الحلم والهجرة
- أ - الحلم والرغبة :
- الحلم :
يلاحظ القارئ لرواية بحثا عن الظل احتفاء هذه الأخيرة بالحلم، والمقصود بالحلم هنا هو الواقع البعيد الذي تسعى الذات إلى تحقيقه لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية. والوجهة المقصودة أولا في الرواية هي الهجرة إلى الدار البيضاء باعتبارها فضاء لتحقيق الأحلام التي تنامت لدى الأهالي في القرية التي لم تعد تمثل لهم أي شيء أمام إكراهات الحياة وتعاظمها . وللاقتراب من هذه الموضوعة نقرأ:"
ومن تجليات الحلم في رواية أحمد رزيق
- الرغبة :
- ب - الهجرة من الداخل إلى الداخل:
من أهم الموضوعات التي تستدعيها رواية بحثا عن الظل، موضوعة الهجرة. والهجرة في أبسط معانيها تعني تخلي الفرد أو الجماعة عن موطنه الأصلي الذي نشأ فيه للانتقال إلى العيش في فضاء آخر والاستقرار فيه بغية تحسين وضعه الاجتماعي والارتقاء به. والأمر هنا يتعلق بالهجرة من الداخل إلى الداخل أي من القرية إلى المدينة . وغني عن البيان أن الهجرة من القرية إلى المدينة لم يكن لها أن تتحقق ويرتفع معدلها بشكل صاروخي ومخيف لولا التهميش وغياب الرؤيا و فرص التنمية والحق في العيش الكريم . ولتجسيد هذه الظاهرة وتمثيلها ، انصرفت بعض الأنواع السردية إلى استدعائها والاحتفاء بها سرديا بما في ذلك الرواية. وإذا كانت بعض الروايات المغربية قد تناولت الهجرة بشكل عارض وسريع ، فإن رواية بحثا عن الظل قد فصلت في هذه الظاهرة وأوفتها ما تستحقه من عناية واهتمام من خلال تركيزها على الشخصيات وهو ما يصدر عنها من أقوال وأفعال ، وهو ما يعني دلاليا انتصار الكاتب لهذا الهامش. وللاقتراب منها أي الظاهرة ، نقرأ:"محمد كان يقول لهم وهم يتحلقون حوله في مكان بعيد عن أعين الأهالي: هناك ( الباترون ) من أهل اليسار، أموال لا تعد ولا تحصى، يعطيك فلوسك في الوقت، لا تأخير ولا تماطل..( الفلوس، آه على الفلوس) مفتاح كل المغاليق..".ص:73. وفي موضع آخر يقول: "كثيرون أولئك الذين جاؤوا للمعمل، لايعرف الواحد منهم كيف يمسك إبرة..ثم تعلموا الخياطة على الآلة الكهربائية، ثم إن منهم النبيه الذي قد يقفز بعد شهرين أو ثلاثة ليصبح رئيسا للعمال، ثم بعدها... ثم بعدها...، ثم بعد كد وكفاح قد يصبح هو من يملك المعمل". ص:74. يبدو واضحا من خلال هاتين العينتين السرديتين أن الهجرة إلى المدينة وليدة مسألتين اتنثين:
- الأولى: التذمر من الواقع الذي أصبحت عليه البادية المغربية، وهو واقع لا يسعف الإنسان القروي على تأمين مستقبله وحقه في العيش الكريم ،
- الثانية: التفاعل الإيجابي للإنسان القروي مع ما يتلقاه من حكايات وصور عن المدينة التي سماها أحمد رزيق بأم الفتن ، وهو تفاعل يزيد من هرمون الهجرة لدى القروي ويدفعه إلى ركوب مغامرة الهجرة من دون الوعي بما تنطوي عليه من مخاطر.
- في معاناة الهجرة :
لم يكن الطريق إلى الهجرة مفروشا بالورود. فالذين يهاجرون من القرى في اتجاه المدن يعانون نفسيا ( عزلة وشعور بالدونية وإحباط ) واجتماعيا ( عدم القدرة على الاندماج والوقوع في الجريمة )، يعانون شر المعاناة مع المدينة الفضاء الذي يحتمل أكثر من وجه، وقد كان أحمد رزيق على حق حينما سماها بالبيداء، لأنها قد تبيد كل وافد إليها من القرية إن لم يعمل على ترويضها وتطويعها. وللاقتراب من دوامة هذه المعاناة ، يقول السارد:" تاجرت في البداية ببعض الأشياء الصغيرة، ساعات وأحزمة وأمشاط وحمالات مفاتيح...كنت أتحرك ببضاعتي مساء كل سبت ويوم الأحد بمحطات المسافرين، ولم تمض مدة على ذلك حتى انقطعت عن الذهاب إلى المحطات..".ص:127. يتحدث السارد في هذه العينة السردية كما هو الحال في العينتين السابقتين عن المهن التي يمتهنها المهاجر، وهي مهن تتطلب صبرا كبيرا وجهدا من أجل ضمان قوته اليومي وبعض حاجياته الأخرى إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وإذا كان العمل في ورش المعمل يعرف إلى حد ما استقرارا نسبيا ، فإن التجارة الجائلة تعرفا اضطرابا وتنقلا يتطلب مجهودا عضليا وذهنيا وهو ما يندر بالعذاب والتعب اليومي لهذه الفئة المنسية التي فضلت الارتماء في أتون الهجرة.
يتضح مما سبق أن رواية بحثا عن ظل استدعت الهجرة وتناولتها على طريقتها الخاصة، وهو ما فتح المجال أمام القارئ للتعرف على المعاناة النفسية والاجتماعية التي تتسبب فيها الهجرة، إلى جانب الإقصاء والتهميش والسخرية ، وهي معاناة لايسمح المقام لبسطها والبحث في حيثياتها وما تنجم عنها من آثار خفية.
- التصوير في الرواية:
- صور الفضاء في الرواية ":
- بين فضاءين:
تستدعي رواية بحثا عن ظل القرية والمدينة وتحتفي بهما سرديا. ووعيا منه ما لهذا الفضاء من أهمية في البناء الروائي ومساعدة القارئ على تمثيل الأحداث وتقريبه منها، اختار الروائي أحمد رزيق لروايته فضاءي القرية والدار البيضاء مسرحا لأحداث الرواية . يقول السارد مستحضرا القرية والمدينة: "إذا كان الصمت هناك مؤسسا وبانيا، فإنه هنا قاتل ومدمر، زعيق السيارات وصفارات الأوراش والمعامل، ودوي الآلات وغيرها هو ما يمنح للفضاء جماله وتميزه".ص:123. ويقول أيضا في نفس الصفحة :"الآن تحس بعمق البون الشاسع بين وجودك هناك وبين وجودك هنا، خاصة وأنت في قلب الصخب والضوضاء". يبدو من خلال هاتين الصورتين المعبرتين كيف أن القرية تتميز بالصمت، وهو الصمت الذي لا يوجد له أي أثر في المدينة. وبهذا المعنى، فالقرية فرصة لإنتاج الصمت بخلاف المدينة التي تنتج الصخب والضوضاء، إنها مدينة من دون مشاعر. لكن استدعاء القرية لم يكن له أن يمر من دون أن يولد الحنين لدى السارد الذي يتحسر على الماضي وحياة الطفولة في القرية. عن هذا الشوق نقرأ:" أما الشيء الثاني الذي كان يشد انتباهك فهو نافورة المدينة، والحمام الذي يتجمع بشكل غريب حولها دون أن تزعجه حركة الناس، المكان يثير فيك شجنا قديما، حبك للغدير الأبيض الذي جف منذ زمان، وحياة الطفولة بكل ما تحمله من معاني البراءة والجمال.ص:123. تكشف لنا هذه العينات السردية كيف أن نفسية المهاجر الهشة وهي تتأرجح بين القرية والمدينة. ومن المعلوم فإن هذا التأرجح يعكس تشظي الذات ، والتشظي سمة لافتة تميز جميع من آمن وانخرط في الهجرة إلى المدينة إيمانا منه بأنها الخلاص الوحيد للارتقاء اجتماعيا و الخروج من دائرة التهميش.
- صورة الفقيه:
من جملة الصور السردية التي تستوقف القارئ للرواية، صورة الفقيه في القرية ، وهي صورة مختلفة تنطوي على
الكثير من الخلفيات التي تحتاج إلى تفسير، يقول السارد:" رأي الفقيه كان دوما دورا ثانويا، يستـأنس به فقط ولا يعتد به، كانوا جميعهم يحسون أن لا فضل له عليهم ولا يتميز عنهم بأي شيء يغشى مجالسهم ويخوض معهم معهم فيما هم فيه خائضون، يجودون عليه كل يوم أربعاء ببضع فرنكات، حياته ورزقه ومعاشه كل ذلك متعلق بهم، إن شاءووا أبقوه وإن شاءوا كذلك صرفوه، من ثم كانوا يشعرون تجاهه بنوع من اللامبالاة الظاهرة ، وكان من جهته يكرس هذا الوضع بمبالغته في المسكنه والدروشة اللتين اعتبرهما ضروريتين لكسب الود والعطف".ص:18. من خلال تأمل هذه العينة السردية سنجدها تكشف عن أمرين اثنين :
- الأول : يتعلق بمكانة الفقيه لدى سكان القرية، وهي مكانة قائمة على الاستغلال والاحتكار
- الثاني : موقف الفقيه من أهالي القرية، ويتجلى في اصطناع الدروشة والمسكنة لضمان استمراره في العمل هناك
تعكس هاتان الصورتان العلاقة القائمة بين الشباب والفقيه، وهي علاقة متوترة لأن سلطة الفقيه الدينية تزعج وتكبح جماح طيش وتهور هؤلاء الشباب الذين يتمردون على الآباء والعالم وكل القوانين التي لا تتماشى مع نزواتهم ورغباتهم . وعليه، فإن ما يصدر عنهم يبقى مجرد محاولة لإخفاء واقع مادي معيش.
- صورة المرأة:
- المرأة البدوية:
وبموازاة مع صورة الفقية الذي لم يسلم من أذى الأهالي ، تطالعنا الرواية هذه المرة بصورة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى ، والأمر هنا يتعلق هنا بصورة المرأة، وهي صورة نمطية لا تختلف من حيث القيمة عن الصورة السابقة ، وللاقتراب من معالم هذه الصورة ، نقرأ:" كانت تؤمن كذلك بأن العين مهما كانت جميلة، مهما سمت وارتفعت ، فإن الحاجب أعلى منها، كانت هي العين وكان هو الحاجب الذي يعلو العين فيحجبها ويحميها، لذاك كان يزمجر في وجهها ككلب هرم، وهي تتقدم لحمل الصغير، تم يغلق باب الرونو خلفها بعنف..شعور حاد يضغط عليه في تلك الآونة، يهوي بقبضته السمينة على رأسها أو ظهرها حتى يثبت لها بأنه ورغم سكره ما يزال رجلا..".ص:38. تكشف هذه الصورة عن تواضع المرأة القروية مثلما تكشف عن الوضع الاعتباري الذي يحضى به الرجل. والظاهر أن الزوج لا يحسن فهم واستيعاب هذا التواضع بفعل تشبعه بالقيم الذكورية التي تقصي المرأة وتجردها من كرامتها وتجعلها عرضة للعنف بكل أنواعه. وفي نفس السياق، نقرأ:"كثيرا ما كان الصغير يفيق مذعورا على صراخ الأم وهي تحتمي بأي شيء من ركلات الأب الخائرة.. كان الغضب يزيد ويحتد كلما أفلتت منانة من بين يديه وأخطأتها ركلة من ركلاته، أو كلما خارت قواه فلم يسدد الركلة بشكل جيد..".ص:39. إن لجوء عبد الخالق أوالخلاقي للعنف باعتباره وسيلة لتدبير وحل المشاكل الأسرية إنما يعكس باتولوجية هذا الزوج التي تحتاج إلى تدخل سيكولوجي. وهذه الحالة ليست فريدة وإنما يجد لها القارئ امتدادت في بعض المتن الروائية المغربية وهو ما ينذر بخطر غير محسوب.نقرأ في رواية كأنها ظلة:"بدأت زوجتي تلومني على غيابي عن المحل، كان النقاش بيننا ينتهي بضربها ضربا شديدا على مرأى من أبنائها ، ثم أرتمي في أحضان الملذات التي تشعرني برجولتي".ص:124. إن هذا السلوك غير الإنساني لا يقتصر على القرية فحسب، بل نجد له صدى حتى في المدينة وهو ما يهدد مؤسسة الزواج وينعكس بالسلب على الأسرة والمجتمع ككل.
- المرأة الشاعرة الفنانة:
إن تصوير المرأة البدوية في الرواية، يدفعنا إلى التوقف قليلا عند صورة الشاعرة والفنانة الملتزمة حويدة الغياثية العبدية الملقبة بخربوشة التي ستتعرض إلى التنكيل بسبب انتقادها لسلطة وبطش القائد عيسى الذي عاث في الأرض فسادا وجورا زمن السيبة . تقول هذه المرأة في واحدة من قصائدها الشعرية:
" عيسى يا عيسى، كيف ملقاك مع مولاك
عيسى يا عيسى، خاف من اللي خلقك وعطاط
شي ردمتيه في لمطامر..
وشي خليتي دمه طاير..
شي بنيت عليه الحيطان.. وشي عصرتيه تحت السيسان..
ربي ربي ، واش هذا اللوعة..
عيسى، هلكتي الدنيا مجموعة
راه المظلوم عنه مولاه..
وراه الظالم فعله يلقاه.."68/69.
لكن طغيان وسياسة القايد غير العادلة ستؤدى بها إلى الهلاك بعد أن أوقع بها في شباكه وحفر لها رجال القائد حفرة الموت. نقرأ:"ما كان من رجال القائد عيسى إلا أن جروها جرا..أدخلت الحفرة، ولم يبق بارزا منها إلا الهامة وحدها.".ص:70. وبعد عميلة الإقبار هذه بمباركة من القائد ، سيأتي الدور على الخيالة لتتعرض بعد ذلك هذه الشاعرة والمغنية للرفس. يقول السارد:" لاحق لأحد من (الخيالة) في تجنب رأس المغنية.".ص:72. تكشف لنا هذه العينات عن صورتين اتنثين للمرأة المغربية زمن القائد عيسى:
- الأولى : صورة مشرقة، وتتمثل في كتابة والتزام المرأة الشاعرة،ـ وانتصارها للقيم الإنسانية زمن السلطان مولاي عبد العزيز
- الثانية : صورة الضحية، وتتمثل في ما تتعرض له المرأة عامة والمرأة المبدعة خاصة من قمع وإخراس لصوتها من قبل مؤسسات الإزعاج الثقافي
وعلى العموم، فإن استدعاء أحمد رزيق لهذه الصور بشكل عام في روايته، إنما يروم تعرية واقع اجتماعي مختل ومأزوم لا يشرف الأهالي والإنسان مثلما يروم التحسيس بواقع ومعاناة المرأة في البادية مع الرجل والمجتمع والسلطة وهو واقع أليم ومجحف يحتاج إلى تدخل من أجل تقويض النسق الثقافي السائد الذي يستمد منه الرجل سلطته باختلاف موقعه، إلى جانب القطع مع هذه الممارسات وإعادة الاعتبار للمرأة القروية التي قدمت الكثير للأسرة والمجتمع وهذا أضعف الإيمان.
- خلاصة وتركيب:
قدمت لرواية بحثا عن ظل للروائي المغربي أحمد رزيق نفسها باعتبارها رواية مغربية اجتماعية تستحضر القرية والواقع الاجتماعي الذي يسودها، وهو واقع يسوده الاحتيال والنميمة والخيانة والعنف والسخرية. ولتقديم ذلك إلى القارئ، اعتمد الكاتب على جملة من التقنيات بما في ذلك التصوير الروائي، وهو تصوير قرب القارئ من العوالم الخفية التي تسود القرية والمدينة مثلما قربه من واقع الهجرة وما تنطوي عليه من معاناة نفسية واجتماعية. وبهذا المعنى، تبقى رواية بحثا عن ظل من الروايات الجادة والملتزمة التي تلتزم بقضية الهجرة من الداخل إلى الداخل ، وهي قضية إنسانية تحتاج إلى المزيد من المقاربات السردية لتشخيص هذا الواقع جماليا وفنيا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
- أحمد رزيق، بحثا عن ظل، رواية، منشورات دار قرطبة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء الطبعة الأولى ، السنة 1999،
- سعاد الناصر، كأنها ظلة، رواية، مكتبة سلمى الثقافية، إبداعات ، تطوان، الطبعة الأولى، السنة:2019. .ص:124.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...