لم يتأتَّ لي التجوال في المنطقة المجاورة لقلعة كركوك منذ أكثر من أربعين عامًا. مكان واظبتُ على زيارته في صباي وشبابي، وألفتُه كما يُؤلف باطنُ اليد، ومدرستي على مرمى البصر منه، وذكرياتي عنه راسخة رسوخَ النقش على الحجر. فما الذي أرغمني على مبارحة مطارح الصبا إلى ديار الضياع كل تلك السنين الطويلة ؟ تلك قصة مزعجة رويتها في سيرتي الذاتية «أمواج»، وبدا لي وكأنّ الكتابة عنها طوتها في ملف النسيان. ولكن بالقطع لم يكن الأمر كذلك؛ فكلما استعدتُ كركوك بعد أن سكنت بغداد، ثم على نحوٍ أشد تأثيرا بعد أن غادرت العراق منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، عادت إليَّ الشوارع القديمة، والأزقة الضيقة، والمباني العتيقة، كما رأيتها أول مرة في ستينيات ذلك القرن: لم يُهدم بناء، ولم يُشق طريق، سوى أن القلعة هُجرت كليًّا، وتهرّأت أسوارها. أما الشوارع المحيطة بها، فاستوطنها باعة العربات المدفوعة بالأيدي، وحجبوا الدكاكين العتيقة حتى سدّوا أبوابها. فلا ترى شيئًا إلا إذا تسللت بينها، وقد أُلقيت فوقها أكوام من البضائع الرخيصة. أما أقدم جسور كركوك فغدا سوقًا صاخبًا يربط طرفي المدينة. زرت عشرات المدن في بلدان كثيرة، غير أنني لم أرَ زحامًا وفوضى وضجيجًا كالذي رأيته في مدينتي الأولى، المدينة التي كان يُضرَب بها المثل في الهدوء والنظافة والتمدّن.
لكن ما الذي دفعني إلى ذلك التجوال الصاخب في إجازة خاطفة إلى مسقط الرأس؟ الذكريات، فلديّ حفنة لا تُمحى في موضعين في ذلك الطرف من كركوك. الأول: دكان الحلاق–الممرّض الذي عالج أسنان أمي، فبدل أن تشفى تورّمت، وانتهى الأمر بموتها، وهي في ريعان الشباب. أما الثاني، فسراجة «حسيب قادر »، المختص ببيع الأحزمة على اختلاف أنواعها، وأغلفة الأسلحة، والحقائب الجلدية. سراجة ثابتة الشهرة في القرن الماضي والحالي، ومنها اقتنت أمي أول غلاف لمسدس اشترته لي حين كنت صبيًّا. لطالما تخيّلت أن أطفال القرى من جيلي كانوا يولدون كبارا. كان المسدس الثقيل، من نوع «ستار 9»، يشعرني بأنني حامي أسرتي الصغيرة: أمي، وأختي، وأخي، في قريةٍ كان رجالها كلّهم من حملة السلاح. حدث ذلك في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. وأحسبكم الآن تؤيدون أن بحثي عن سراجة حسيب قادر أشبه ما تكون بفرضٍ لا فكاك منه.
وجدت السراجة عند انحناءة الشارع المقابل للقيصرية التي بُنيت في أوائل القرن التاسع عشر. كانت القيصرية مهجورة في زمني، ثم رممها الأتراك وأهدوها لأهل المدينة، وهي نسخة مصغرة من بازار إسطنبول. لن أبالغ إن قلت إنني لم أرَ محلًا عتيقًا محشُوًّا بالجلود كما رأيت في سراجة حسيب قادر، التي افتتحها في عام 1934، وتوفي في عام 1989، فآلت إلى أبنائه. وجدت شيخًا شبه أصم، منكبًّا على تقطيع الجلود بمهنية عالية، ورجلًا آخر في حدود الأربعين. تبادلنا الأحاديث والذكريات، ولو لم أكن مشدودًا إلى البحث عن دكان الرجل الذي غدر بأمي، لمكثت في المكان حتى غروب الشمس. ينطفئ الماضي ببطء، فلا يشعر به حتى أهله، وبالكتابة عنه يجري تثبيته في الذاكرة. حين كنت صبيًّا، كانت الأحزمة وأغلفة السلاح معلّقة في الواجهة؛ مشهدًا عجيبًا حفر عميقًا في ذاكرتي. ولو قلت إنني شعرت برجولتي بفعل جلود حسيب قادر، فسوف يقال إن ذلك من مبالغات التعلّق بأيام الصبا، غير أن تلك هي الحقيقة: كان حمل السلاح، أنذاك، علامة على البلوغ، كالختان في جنوب جزيرة العرب.
اقترنت سراجة حسيب قادر بالجلود الفاخرة، وكان يجهّز الوصي على العرش الملكي عبد الإله، والزعيم عبد الكريم قاسم، والرئيس صدام حسين، وكبار المسؤولين وشيوخ العشائر، بأغلفة البنادق والمسدسات المختومة بالختم الذهبي أو الفضي الظاهر للعيان. لكن الدكان اليوم توارى بين المحلّات العتيقة المكدّسة بالبضائع من دون نظام. تقشّعت جدرانه الداخلية، ولم يبذل أهله جهدًا أو مالًا في ترميمه. حين وقفت في وسطه خُيّل إليّ أنه آيل إلى الانهيار في أية لحظة. ومع ذلك، فالراجح أنه كان كذلك دائما، وسيبقى على حاله أبدا.
ثم شققت طريقي صعودًا بحثًا عن دكان قاتل أمي، كمن يطلب ثأرًا بعد خمسٍ وخمسين سنة، ولا يقطع دابر الثأر عند العرب كما تعلمون، لا التمدن، ولا التعلّم ينفع في ذلك!!!. سألت عن المكان الذي كنت أواظب على زيارته قديمًا، فلم أعثر عليه. كل منْ لم يضرب الشيب رأسه لم يسمع باسم شكور بربر، أشهر حلاق ومعالج في كركوك. ولا أحسب أن أحدًا من جيلي أو من الأجيال السابقة لم يسمع به. فقد اشتهر منذ العهد الملكي، بعد أن عالج عبد الكريم قاسم من رعافٍ في أنفه حين كان ضابطًا في الفرقة الثانية، قبل أن ينقض على الملكية ويعلن الجمهورية في عام 1958، ولعل ذلك الفعل كان الأشأم من بين الأخطاء التي لحقت بالعراق منذ ذلك الوقت حتى اليوم لما أثمر من أخطاء لم نتمكن من منها، وضاعفناها عاما بعد عام حتى أهلكت البلاد والعباد. لم يسعفني شاب ولا كهل في الدلالة على ملاذ خصمي. لجأت إلى الشيوخ، أبحث عن غمامات الشعر الأبيض في سوق مكتظ بالناس. عثرت على منْ سمع بالاسم، ومنْ قال إنه مات منذ زمن بعيد جدا، ومنْ بلغه أن المكان في هذا الشارع دون أن يعرف موضعه. بقيت أحوم في المكان الذي رجّحت أنه كان فيه غير راغب في مبارحته كمنْ يترصّد خصما، لا كمَنْ يتعقب خيالا. وأخيرًا أشرق الحظ؛ اقتادني رجل إلى شيخ في قلب دكانه، فرفع رأسه وأشار إلى الدكان المقابل دون أن ينطق بحرف.
عبرتُ الشارع الضيق إلى الجهة الأخرى، وقد ابتهجتُ حزنًا، ودخلت محلًا لصناعة الغرابيل والمناخل والسرود، وشعور بالخيبة يغمرني. حيث وقف شاب بذقن كثيف الشعر، ولما سألته قال إنه لم يسمع باسم شكور بربر، إذ استأجر الدكان قبل سنوات قليلة، ولم تُدمغ ذاكرته باسم ذلك الرجل الذي دمغ ذاكرتي. وحين أخبرته بأهمية المكان، لم يأبه، فأزحته عن طريقي، وتقدمت إلى نهاية الدكان الطويل، حيث يوجد مخزن كان هو الموضع الذي يعالج فيه بربر مرضاه: يقلع ضرسا، أو يضمّد جرحًا، أو يبتر غلفة، وحتى يعيد عينًا إلى محجرها. كان بارعًا في كل شيء، ما خلا العمليات الكبرى، ومع ذلك أخفق في علاج أسنان أمي، بل تسبب في موتها. أما مدخل الدكان، فما زلت أراه جليًّا في خيالي البعيد: مقعد جلدي أسود يجلس عليه منْ طال شعر رأسه أو ذقنه. كان شكور بربر يجزّ الرؤوس كما تُجزّ شعور الماعز، متبرمًا برداء أبيض يخدمه في الحلاقة والعلاج، ويستبدل أدوات الحلاقة بأدوات الجراحة كما يلهو الأطفال بألعابهم. صار الفتى شيخا وراح يبحث عن ثأر قديم!
لكن ما الذي دفعني إلى ذلك التجوال الصاخب في إجازة خاطفة إلى مسقط الرأس؟ الذكريات، فلديّ حفنة لا تُمحى في موضعين في ذلك الطرف من كركوك. الأول: دكان الحلاق–الممرّض الذي عالج أسنان أمي، فبدل أن تشفى تورّمت، وانتهى الأمر بموتها، وهي في ريعان الشباب. أما الثاني، فسراجة «حسيب قادر »، المختص ببيع الأحزمة على اختلاف أنواعها، وأغلفة الأسلحة، والحقائب الجلدية. سراجة ثابتة الشهرة في القرن الماضي والحالي، ومنها اقتنت أمي أول غلاف لمسدس اشترته لي حين كنت صبيًّا. لطالما تخيّلت أن أطفال القرى من جيلي كانوا يولدون كبارا. كان المسدس الثقيل، من نوع «ستار 9»، يشعرني بأنني حامي أسرتي الصغيرة: أمي، وأختي، وأخي، في قريةٍ كان رجالها كلّهم من حملة السلاح. حدث ذلك في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. وأحسبكم الآن تؤيدون أن بحثي عن سراجة حسيب قادر أشبه ما تكون بفرضٍ لا فكاك منه.
وجدت السراجة عند انحناءة الشارع المقابل للقيصرية التي بُنيت في أوائل القرن التاسع عشر. كانت القيصرية مهجورة في زمني، ثم رممها الأتراك وأهدوها لأهل المدينة، وهي نسخة مصغرة من بازار إسطنبول. لن أبالغ إن قلت إنني لم أرَ محلًا عتيقًا محشُوًّا بالجلود كما رأيت في سراجة حسيب قادر، التي افتتحها في عام 1934، وتوفي في عام 1989، فآلت إلى أبنائه. وجدت شيخًا شبه أصم، منكبًّا على تقطيع الجلود بمهنية عالية، ورجلًا آخر في حدود الأربعين. تبادلنا الأحاديث والذكريات، ولو لم أكن مشدودًا إلى البحث عن دكان الرجل الذي غدر بأمي، لمكثت في المكان حتى غروب الشمس. ينطفئ الماضي ببطء، فلا يشعر به حتى أهله، وبالكتابة عنه يجري تثبيته في الذاكرة. حين كنت صبيًّا، كانت الأحزمة وأغلفة السلاح معلّقة في الواجهة؛ مشهدًا عجيبًا حفر عميقًا في ذاكرتي. ولو قلت إنني شعرت برجولتي بفعل جلود حسيب قادر، فسوف يقال إن ذلك من مبالغات التعلّق بأيام الصبا، غير أن تلك هي الحقيقة: كان حمل السلاح، أنذاك، علامة على البلوغ، كالختان في جنوب جزيرة العرب.
اقترنت سراجة حسيب قادر بالجلود الفاخرة، وكان يجهّز الوصي على العرش الملكي عبد الإله، والزعيم عبد الكريم قاسم، والرئيس صدام حسين، وكبار المسؤولين وشيوخ العشائر، بأغلفة البنادق والمسدسات المختومة بالختم الذهبي أو الفضي الظاهر للعيان. لكن الدكان اليوم توارى بين المحلّات العتيقة المكدّسة بالبضائع من دون نظام. تقشّعت جدرانه الداخلية، ولم يبذل أهله جهدًا أو مالًا في ترميمه. حين وقفت في وسطه خُيّل إليّ أنه آيل إلى الانهيار في أية لحظة. ومع ذلك، فالراجح أنه كان كذلك دائما، وسيبقى على حاله أبدا.
ثم شققت طريقي صعودًا بحثًا عن دكان قاتل أمي، كمن يطلب ثأرًا بعد خمسٍ وخمسين سنة، ولا يقطع دابر الثأر عند العرب كما تعلمون، لا التمدن، ولا التعلّم ينفع في ذلك!!!. سألت عن المكان الذي كنت أواظب على زيارته قديمًا، فلم أعثر عليه. كل منْ لم يضرب الشيب رأسه لم يسمع باسم شكور بربر، أشهر حلاق ومعالج في كركوك. ولا أحسب أن أحدًا من جيلي أو من الأجيال السابقة لم يسمع به. فقد اشتهر منذ العهد الملكي، بعد أن عالج عبد الكريم قاسم من رعافٍ في أنفه حين كان ضابطًا في الفرقة الثانية، قبل أن ينقض على الملكية ويعلن الجمهورية في عام 1958، ولعل ذلك الفعل كان الأشأم من بين الأخطاء التي لحقت بالعراق منذ ذلك الوقت حتى اليوم لما أثمر من أخطاء لم نتمكن من منها، وضاعفناها عاما بعد عام حتى أهلكت البلاد والعباد. لم يسعفني شاب ولا كهل في الدلالة على ملاذ خصمي. لجأت إلى الشيوخ، أبحث عن غمامات الشعر الأبيض في سوق مكتظ بالناس. عثرت على منْ سمع بالاسم، ومنْ قال إنه مات منذ زمن بعيد جدا، ومنْ بلغه أن المكان في هذا الشارع دون أن يعرف موضعه. بقيت أحوم في المكان الذي رجّحت أنه كان فيه غير راغب في مبارحته كمنْ يترصّد خصما، لا كمَنْ يتعقب خيالا. وأخيرًا أشرق الحظ؛ اقتادني رجل إلى شيخ في قلب دكانه، فرفع رأسه وأشار إلى الدكان المقابل دون أن ينطق بحرف.
عبرتُ الشارع الضيق إلى الجهة الأخرى، وقد ابتهجتُ حزنًا، ودخلت محلًا لصناعة الغرابيل والمناخل والسرود، وشعور بالخيبة يغمرني. حيث وقف شاب بذقن كثيف الشعر، ولما سألته قال إنه لم يسمع باسم شكور بربر، إذ استأجر الدكان قبل سنوات قليلة، ولم تُدمغ ذاكرته باسم ذلك الرجل الذي دمغ ذاكرتي. وحين أخبرته بأهمية المكان، لم يأبه، فأزحته عن طريقي، وتقدمت إلى نهاية الدكان الطويل، حيث يوجد مخزن كان هو الموضع الذي يعالج فيه بربر مرضاه: يقلع ضرسا، أو يضمّد جرحًا، أو يبتر غلفة، وحتى يعيد عينًا إلى محجرها. كان بارعًا في كل شيء، ما خلا العمليات الكبرى، ومع ذلك أخفق في علاج أسنان أمي، بل تسبب في موتها. أما مدخل الدكان، فما زلت أراه جليًّا في خيالي البعيد: مقعد جلدي أسود يجلس عليه منْ طال شعر رأسه أو ذقنه. كان شكور بربر يجزّ الرؤوس كما تُجزّ شعور الماعز، متبرمًا برداء أبيض يخدمه في الحلاقة والعلاج، ويستبدل أدوات الحلاقة بأدوات الجراحة كما يلهو الأطفال بألعابهم. صار الفتى شيخا وراح يبحث عن ثأر قديم!