يركز أصحاب المنهج الاجتماعي على دراسة الكاتب ونصوصه دراسة لا تغفل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للكاتب والعصر، ويربطون باستمرار بين الموقع الذي يكون الكاتب فيه والموقف الذي ينجم عن الموقع ويتبناه الكاتب. وقد قنع النقد الماركسي، كما يذهب (ديفيد ديتش) بـ "أن يفسر الأدب بالنظر الى أصوله الاجتماعية، أو أن يعلل نزعة الأديب بالنظر الى موقعه في طبقة ما، أو أن يحكم على أثر أدبي أو على أديب حسب الميل الذي يظهره مؤيدا القضية السياسية أو الاقتصادية التي يؤثرها الناقد" (مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق، ت . د. محمد يوسف نجم، بيروت 1967. ص 573).
وغالبا ما حكم على الأدباء الفلسطينيين ونصوصهم انطلاقا من القضية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي يتبناها هذا الناقد أو ذاك. ومن يقرأ كتاب د. فيصل دراج "بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية" (بيروت 1996) يلحظ أن مؤلفه من أبرز من طبقوا هذا المنهج. وعليه يقرأ المرء عن الكتّاب ومواقفهم السياسية اكثر مما يقرأ تحليلا أدبيا لنصوصهم، تحليلا يعتمد صاحبه فيه على مواصفات الجنس الأدبي الذي يندرج النص المدروس تحته، أعني تحليلا يبين رواية الرواية أو شاعرية القصيدة. وقد تنبه إميل حبيبي في رده على مقالة دّراج التي نشرها، أولا، في مجلة إبداع (كانون أول 1995) تحت عنوان "إميل حبيبي : الوجه المفقود في الأقنعة المتعددة" وأعاد نشرها في كتابه المذكور، تنبه حبيبي الى ذلك فكتب ردا يقول فيه: "فوجدته مثلما تحسبت منه وزيادة ، لا يناقش أعمالي الأدبية بقدر ما يتصدى لما يتخيله أنه مواقفي السياسية والأيديولوجية ولو اقتصر فيصل دراج في بحثه المستفيض هذا... على نقد أعمالي الأدبية ومواقفي السياسية والأيديولوجية .... لاكتفيت بترديد الآية الكريمة : "لكم دينكم ولي دين" (ابداع، آذار، 1995، ص9) ويتابع حبيبي : "إن فيصل دراج اثبت في "دراسته" هذه أنه ملم بحركاتي وبسكناتي إلماما يخول له - إن شاء - الحصول على لقب "الدكتوراة" في أعمالي السياسية لا في أعمالي الأدبية .. " (ص10).
وليس فيصل درّاج، وهو المتمكن من أدواته النقدية، أول ناقد أدبي يطبق هذا المنهج، ويحاكم أدباءنا انطلاقا منه، فقد سبقه الى ذلك الكثيرون نقادا وكتابا غير نقاد، وما كتبه عن حبيبي مثال جيد يستطيع المرء أن يستشهد به للتدليل على مقولة الماركسيين حول جدلية الموقع والموقف. وكان إميل، وما هو بناقد أدبي ولكنه قرأ الماركسية جيدا، يدرك مغزى هذه العبارة ويفهم معناها جيدا، وقد أوردها في نصه "المتشائل"، حين كتب عن تحول بطله سعيد الى هرة تموء، مشيرا في المكان نفسه الى المواقف العديدة التي اتخذها معارف سعيد بعد أن تغيرت الأمور:
"أما انت فتقمصت هرة. وأما هو فتقمص شاعرا. وكلاكما يهرب حتى يتنفس، ويختنق حتى لا يموت. ومنهم من احترف الأدب عجزا ، ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه. وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة، وآخرون بالفلسفة ..." (ص 102 من طبعة صلاح الدين، القدس 1977).
وكان إميل يقصد، حين قال "ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه" محمود درويش الذي ترك حيفا وغادر الى القاهرة فبيروت، وتغيرت، إثر ذلك، مواقفه السياسية. وقد اختلف موقف الشيوعيين منه، وغيروا آراءهم فيه، واعتبروه برجوازيا صغيرا، ولم يعودوا، لفترة طويلة، ينشرون نصوصه على صفحات صحفهم ومجلاتهم، أي في جريدة "الاتحاد" ومجلتي "الجديد" و "الغد".
وتقول لنا نظرة على خريطة الأدب الفلسطيني منذ عام 1948 أن العلاقة بين الأدباء ونظرتهم الى بعضهم البعض وقراءتهم لنصوصهم والحكم عليها، غالبا ما كانت محكومة بالموقع الذي يختاره المرء لنفسه، لأن مصلحته تقتضي وجوده في ذلك الموقع. وليس غريبا أن يقرأ المرء تثمينا لأديب ما، في مرحلة معينة، ويقرأ، في فترى لاحقة، انتقاصا لأدبه ولمواقفه. ويذهب المرء الى ما هو أبعد من ذلك، وهذا ما سيتضح من خلال هذه الكتابة، فيرى ان بعض الأدباء قد اقتطعوا أجزاء من جسدهم الشعري حين تغيرت مواقعهم وفرضت عليهم المواقع الجديدة مواقف جديدة.
ولتوضيح ذلك لابد من إشارات يبدو ذكرها، من غير طرف، أمرا غير مرغوب فيه. وإن كانت الأمانة العلمية تقتضي ذكرها والإشارة اليها. وليس ذكرها حبا في التشهير أو ناجما عن رغبة في إذكاء الفتنة.
وكان يمكن لهذه الإشارات أن تكون أكثر دقة لو استطاع المرء أن يقرأ الأدبيات التي كتبها أدباؤنا مكتملة، وهي أدبيات مبعثرة تتوزعها أماكن عديدة، لا يتمكن الباحث المقيم هنا، في الأرض المحتلة، العثور عليها بسهولة. وقد أسقط بعض الأدباء من طبعة أعمالهم التي وصفوها بأنها "الأعمال الكاملة" نصوصا نشروها في فترات معينة لأنهم لا يرغبون في إظهارها حتى لا يؤاخذوا عليها، وحتى لا تستغل ضدهم لابراز تقلباتهم وتناقضاتهم، أو حتى لا تكون دليلا على اختلاف مواقفهم باختلاف مواقعهم.
ويبدو أدباء مناطق عام 1948 مثالا جيدا للاستشهاد به في هذا المجال، البارزون منهم وغير المعروفين إلا على صعيد محلي، اليساريون في مرحلة من حياتهم وغير اليساريين. ومن يتتبع مسيرة إميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم ومصطفى مرار ومحمد على طه يلحظ، بوضوح، كيف أثر الموقع الذي وجدوا أنفسهم فيه على طريقة كتابتهم. ويختلف عن هؤلاء أولئك الذين مكثوا في الموقع الذي اختاروه لأنفسهم منذ البداية واقتنعوا بالموقف الذي تبنوه، بناء على ذلك، حتى النهاية ، ويعتبر توفيق زياد خير مثال.
درس غسان كنفاني في كتابية "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة بين 48 و 1966" و "الأدب الفلسطيني المقاوم بين عامي 48 و 1968" الأدباء الذين رأى في نصوصهم نصوصا تبرز فيها روح المقاومة، واستبعد أولئك الذين لم تبرز هذه الروح في نصوصهم. ولا يستطيع أي شخص ان يلوم كنفاني في هذا، فقد اختار لنفسه، ابتداء ، عنوانا محددا أراد أن يكتب فيه والتزم به. ولا يخرج، بناء على هذا، لا يخرج قارئ كتابه بتصور شامل عن الحركة الأدبية في تلك المناطق - أي مناطق عام 1948 - ، وعليه لا يقرأ نصوصا لأدباء آثروا كتابة قصائد او قصص ابتعدت عن روح المقاومة، وركزت في المقام الأول على هموم ذاتية لا صلة لها بالمحيط العام الذي نما فيه صاحبها.
وتعكس كتابة كنفاني المقولة المختارة عنوانا لهذه الكتابة وتوضحها، وإن لم يناقشها بوضوح. وليس هناك من شك في أن موقع كنفاني الذي وجد نفسه فيه هو الذي فرض عليه موقفه، فكتب عن ظاهرة أدباء المقاومة ولم يلتفت الى الكتاب الآخرين، وهو الذي دفعه لأن يكتب في العنوان الذي اختاره، لا عن الحركة الأدبية بشكل عام. وسيرى المرء نقيض ذلك حين يطلع على دراسة محمود عباسي عن الحركة القصصية في فلسطين، إذ درس عباسي، وهو الأكاديمي من ناحية والمقر بدولة إسرائيل من ناحية ثانية وغير الرافض للعمل في مؤسساتها من ناحية ثالثة، درس كتاب القصة كلهم، الذين كتبوا نصوص مقاومة والذين كتبوا نصوصا ركزوا فيها على أبعاد اجتماعية او ذاتية، أبعاد لا تمس الواقع السياسي من قريب او بعيد أو لم يصدر أصحابها فيها عن رؤية سياسية تدعو الى مقاومة الواقع والثورة عليه.
صدرت في مناطق عام 1948 صحف ومجلات وقفت وراء إصدارها جهات مختلفة ذات توجهات سياسية وفكرية متباينة. أصدر الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) ، وهو الذي أقر بحقوق الشعب الفلسطيني واعتبر الصهيونية، الى حين، حركة عنصرية، أصدر العديد من الصحف والمجلات ، وقد ورد ذكر أسمائها. واصدرت الأحزاب الصهيونية الحاكمة وغير الحاكمة، ولم تكن تعترف بالشعب الفلسطيني، صحفها ومجلاتها وهي "الشرق" و "الأنباء" و "اليوم" وغيرها. وقد اختلف الكتاب فيما بينهم اختلافا كبيرا انعكس على خطابهم الأدبي والسياسي من ناحية، وعلى علاقاتهم الشخصية من ناحية ثانية. وقد رأي الأدباء الشيوعيون في أنفسهم أدباء الشعب، وعزز كنفاني هذا، ونظروا الى من يكتب في غير صحفهم على انه أديب سلطة .
وما من شك ان المرء، وهو يقرأ نصوص هؤلاء وأولئك ، سيجد اختلافا بينا في تناول الموضوع نفسه. ولو ضربنا مثلا على ذلك تلك القصص التي تناولت موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، للاحظنا صدق ما ذهبنا اليه. لقد اختلف الكتاب في تحميل المسؤولية لما آلت اليه الأوضاع، فالذين نشروا في "الشرق" أو صدرت كتبهم عن دور نشر تابعة للأحزاب الصهيونية ألقوا بالمسؤولية على الإنجليز، واختلف كتاب الحزب الشيوعي عن هؤلاء، وإن لم يبرؤوا الإنجليز، فأشاروا الى الحركة الصهيونية ودورها. ويمكن قول الشيء نفسه فيما يخص تحديد موقفهم من رجال السلطة.
وسوف يتوصل المرء، حين يتتبع نتاج كاتب واحد نشر في غير مكان، الى الشيء نفسه. ويعتبر سميح القاسم ومحمد على طه ومصطفى مرار أمثلة جيدة. تختلف مجموعة محمد علي طه "لكي تشرق الشمس" (1964) اختلافا بينا عن مجموعته "جسر على النهر الحزين" (1973) ، وما نشره مصطفى مرار بعد أن ترك وظيفة المعلم في جهاز السلطة يختلف عما نشره من قبل، ولقد آخذ ينشر في صحف الحزب الشيوعي "راكاح" وهذا ما لم يفعله من قبل. وسنأتي على ذكر سميح القاسم، بعد قليل، بتفصيل اكثر. ولا يختلف عطا الله منصور في روايته "وبقيت سميرة" (1962) عن مرار في كتاباته الأولى .
عاش عطا الله منصور، في فترة من حياته، في كيبوتس وعمل مراسلا لجريدة إسرائيلية تصدر بالعبرية، وانحاز، وكان يومها شابا، الى حياة اليهود دون أن يلتفت الى مسؤولياتهم فيما آلت اليه أوضاع الفلسطينيين. لقد فرض الموقع الذي وجد نفسه فيه مختارا عليه هذا الموقف. وما من شك ان وضع النقاط على الحروف وقول الحقيقة كاملة سوف يحول بينه وبين الاستمرار في الوظيفة او التعليم في الكيبوتس. ولقد رأى الظاهر فقط، رآه بعين شاب مقبل على الحياة غير عابئ الا بمصلحته الخاصة. لقد رأى في المجتمع العربي مجتمعا متخلفا وفي المجتمع الإسرائيلي مجتمعا حضاريا، ولم يأخذ الكتاب الشيوعيون الذين يحكمون على الأمور من منظور مخالف يعتمد المعايير السياسية والاقتصادية والفكرية والتاريخية بهذا الذي أخذ به عطا الله. وجاءت رؤية محمود درويش في قصيدته "بطاقة هوية" مختلفة كليا عن رؤية منصور.
نقرأ في رواية عطا الله الفقرات التالية على لسان السارد أو الشخوص:
"إنهم من الرجال والنساء...وعلاقتهم ببعضهم بعضا تثير في سميرة عواطف متضاربة. إنها تشعر بالحسد، وأخرى بالاستغراب. إنها تحسدهم على العلاقات الأخوية التي تربطهم ..." وتقول سارة لسميرة:
"لما صاروا أهلنا يفهموا إنه البنت مش أوطى من الابن، وصاروا يسمحوا للبنات يتعلموا ويشتغلوا. فاهمة؟ .. وهاي قصة طويلة، مش قصة يوم ويومين".
يبدو المجتمع الإسرائيلي في الرواية مجتمعا منفتحا وحضاريا، مجتمعا يحترم الأفراد فيه بعضهم البعض ويعملون لصالح الجميع، وهو بذلك يغاير المجتمع العربي ويخالفه. ولم يأت عطا الله، في المقابل، على ذكر ما ألم بالمجتمع الفلسطيني من بؤس وشقاء وتعاسة نتيجة لقيام الكيبوتس الذي يحيا أبناؤه حياة جيدة، ولم يشر الى مسؤولية الحركة الصهيونية في تعاسة أهل فلسطين، ولم يوضح ما ألم بمن تبقى منهم، أو يذكر كيف انهم يعاملون من اليهود الحضاريين معاملة مواطن من الدرجة الثالثة . وهو ما أوضحه محمود درويش :
أبي ... من أسرة المحراث
لا من سادة نجب
وجدي كان فلاحا
بلا حسب .. ولا نسب
يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب
وبيتي كوخ ناطور
من الأعواد والقصب
فهل ترضيك منزلتي ؟
وإذا ما فحصنا المقولة، واقفين عند أشعار درويش نفسه، فسنجد انها تجد فيه ما يؤكد على صحتها. لقد تغيرت مواقف درويش ، الى حد ما، بعد أن غير موقعه. وهذا ما لاحظه إميل حبيبي، وإن كان لم يوضحه. كان محمود قبل الخروج يرى في العالم العربي الضوء الذي يتسلل الى السجين من كوة الزنزانة، وفي العالم العربي رأى حريته في زنزانته. كان في الداخل يخاطب موظف وزارة الداخلية الصهيوني :
سجل !
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون آلفا
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟
ورأى العالم العربي، وهو في مدنه، أضيق من توابيت الرجوع، كما رأى في العرب عربا باعوا روحهم وضاعوا. وما أورده في قصيدته التي رثى فيها راشد حسين "كان ما سوف يكون":
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة :
ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة.
تعبير صادق عن حالته هو، وقد كتب درويش هذا، ذات نهار، في إحدى رسائله التي نشرها على صفحات "اليوم السابع" وفيها كتب صارخا: بدي أعود".
ولقد أجري الشاعر نفسه بعض التغييرات على قصائده، وقاده الى هذا الموقع الذي أصبح فيه، وقد بينت هذا في دراستين نشرت الأولى منهما، وهي بعنوان "ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية"، وأنجزت الثانية، وهي بعنوان "إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجا" ولما أنشرها بعد.
وأشير هنا، أيضا، الى ان درويش لم يصدر، حتى ألان، خطب الدكتاتور الموزونة التي نشرها في عام 1986 على صفحات "اليوم السابع"، في كتاب. ولعل السبب في ذلك يعود الى أنه سار والمرحلة التي كان يسخر من الرموز التي مهدت اليها. ولئن كان الشاعر محقا في اعتراضه على أولئك الذين نشروا من جديد "خطاب السلام" لأنهم لم يشيروا الى زمن كتابته وزمن نشره أول مرة، وفهموه، من ثم، كما لو أنه كتب بعد أوسلو، فانه ليس محقا في عدم نشر خطبة هذه في كتاب (انظر : جريدة النهار المقدسية 26/1/1994).
ثمة ثلاثة كتاب يجدر بالمرء الوقوف عندهم في أثناء الكتابة عن صدور الموقف عن الموقع وهم سميح القاسم وإميل حبيبي وتوفيق زياد .
لا يدري المرء كيف سيكون جواب سميح لو سأله سائل السؤال التالي : بم تختلف، الآن، عن أولئك الكتاب الذين كنت تنعتهم، ذات نهار، بأنهم أدباء سلطة، وتحديدا عن محمود عباسي ومصطفى مرار اللذين نشرا ما كتبا في الصحف التي كانت تصدرها أحزاب صهيونية؟
ويفضل المرء أن يترك سميحا نفسه يجيب، فما من شك أنه قادر على ذلك ولديه ما يقوله في هذا المجال. ولكن المرء، وهو يطالع المجلدات السبعة التي ضمت أعمال الشاعر غير الكاملة - وأذهب هنا مذهبا آخر غير المذهب الذي ذهب اليه سميح أو الناشر حين كتب على الغلاف الأخير بأنها "أعمال سميح القاسم الكاملة - سوف يدرك أن ذلك الفارق الذي كان يلمح اليه بين أدباء وأدباء في الداخل - أي بين أدباء مقاومة وأدباء سلطة- قد تضاءل الى حد كبير. لقد أسهم أدباء المقاومة، إلا أقلهم، بإزالته ، وتكمن المفارقة في أنهم لم يجعلوا من أدباء السلطة أدباء مقاومة، قدر ما اقتربوا هم من مواقف أدباء السلطة. وهكذا لم يتراجع أدباء السلطة عن مواقفهم التي أعلنوها في نصوصهم، قدر تراجع أدباء المقاومة.
سوف يلحظ قارئ أعمال سميح القاسم الكاملة أنها غير كاملة، فقد حذف سميح قصائد وعبارات حتى لا يوقع نفسه، أمام قارئ مدقق، في حيص بيص، وحتى لا يقف هذه المرة عاجزا عن الإجابة المقنعة للسؤال المربك الذي سيوجهه اليه قارئ نصوصه. ولأنني لا أرغب في التكرار فسأحيل القارئ الى ما كتبته في كتابي "تأملات في المشهد الثقافي الفلسطيني" (نابلس 1995) تحت عنوان "والدكتاتور فينا أيضا: الى سميح القاسم" (ص 25 وما بعدها) ، وقد ذكرت هناك ثلاثة مواطن حذف الشاعر فيها مقاطع من أشعاره تارة، ولم يدرج بعض القصائد طورا، وقد أوضحت سبب لجوئه الى هذا. ولكنني سوف أدرج هنا مقاطع من القصيدة التي لم يدرجها الشاعر في طبعة أعماله الكاملة (؟) لأنها لم تعد تتساير وموقفه الجديد الذي يفرضه عليه موقعه رئيسا لتحرير جريدة "كل العرب" الأسبوعية ذات الصلة بجريدة (يديعوت أحرنوت) العبرية، وقد تصدرت ذات نهار، عبارة "سلام الشجعان" الصفحة الأولى، لجريدة "كل العرب". يقول سميح في القصيدة التي حذفها وعنوانها "السلام":
ليغن غيري للسلام
ليغن غيري للصداقة، للأخوة، للوئام
ليغن غيري .. للغراب
جذلان ينعق بين أبياتي الخراب
للبوم .. في أنقاض أبراج الحمام!
ليغن غيري للسلام
وسنابلي في الحقل تجهش بالحنين
للنورج المعبود يمنحها الخلود من الغناء
لصدى أغاني الحاصدين
لحداء راع في السفوح
يحكي الى عنزاته .. عن حبه الخفر الطموح
وعيونها السوداء .. والقد المليح
....................
....................
ليغن غيري للسلام
وهناك .. خلف حواجز الأسلاك .. في قلب الظلام
جثمت مدائن من خيام
سكانها ...
مستوطنات الحزن والحمى، وسل الذكريات
وهناك .. تنطفئ الحياة
في ناسنا ..
في أبرياء .. لم يسيئوا للحياة !
وهنا .. !
همت بيارة من خلقهم .. خيرا كثير
أجدادهم غرسوا لهم ...
ولغيرهم ، يا حسرتي، الخير الكثير
ولهم من الميراث أحزان السنين !
فليشبع المتضورون !
ويشبع الأيتام من فضلات مأدبة اللئام !!
***
ليغن غيري للسلام ..
وعلى ربي وطني، وفي وديانه.. قتل السلام ؟
(الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيدة محذوفة
بالشكل التالي :
× × × × ×)
ويشير أيضا الى أن "الأسطر الثمانية الأخيرة من القصيدة أيضا محذوفة بإشارة الرقيب الصهيوني. وهكذا قام سميح، بعد ثلاثين عاما، بما كان الرقيب الصهيوني يقوم به، من قبل. وليست القصيدة هذه هي الأسوأ من بين قصائد الشاعر، حتى يحذفها. وإنما فعل سميح هذا لتغير موقعه، تماما كما حذف، يوم ترك الحزب ومال الى جناح التجديد، العديد من القصائد التي نظمها في مديح الحزب ولينين.
لقد وجب على سميح القاسم، ما دام كتب على الغلاف "الأعمال الكاملة"، أن يدرج أعماله كلها، حتى يكون أمينا من جهة، وحتى لا يخدع دارسي نصوصه من جهة ثانية، تاركا للقارئ، والناقد الحرية بإصدار حكمه على مسيرته وأعماله كلها، لا على أجزاء منها وكأنها الأعمال الكاملة. لقد ضلل سميح نفسه وضلل قراءة ونقاده، لا لسبب إلا لكي ينجو بجلده من أحكام " لن تكون، حين يُدْرَس دراسة تعتمد المنهج التاريخي او الماركسي، في صالحه.
وليست هذه هي الجناية التي ارتكبها سميح. ثمة جنايات أخرى لا تقل عنها سوء. كتب سميح مقالة في جريدة "كل العرب" (16/7/1993) تحت عنوان "في التعريف بما هو معروف"، وتعتبر سبة لا في إميل حبيبي الذي وجهت اليه المقالة وكتبت فيه، وإنما لسميح نفسه.
كانت جريدة "الاتحاد" الصادرة عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الموقع الذي تمترس فيه القاسم وحبيبي، وقد أعلنا، منذ سنوات طويلة، انتماءها للحزب ودافعا عن أطروحاته، وردا على مهاجمي سياسته ورؤاه ردا عنيفا. وكانا ينطلقان من منطلق أن سياسة الحزب وأفكاره هي الصح المطلق. وقد انعكس هذا في نص سميح "الصورة الأخيرة في الألبوم" (1979)، وفي نص إميل "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974)، وعندما تركا الحزب لم يعودا ينشران، إلا قليلا، في جريدة الاتحاد، وقد ذهب كل واحد منهما في طريق، ونهج كل منهما منهجا مغايرا للمنهج الذي سلكه الآخر، وسرعان ما اختلفا اختلافا أدى الى تصادمهما، ونجم عنه كتابة سميح المقالة الوارد ذكرها، وهي مقالة ذكر سميح فيها إميل بمعلومات يشير أبسطها الى أن الأخير كان، منذ أمد طويل، يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية . ولأقتبس :
"ألم يقرأ إميل مذكرات معلمه "الشيوعي" الصهيوني العريق صموئيل ميكونس بشأن رحلتهما "التاريخية" الى براغ؟ وماذا بشأن صفقة السلاح التشيكي الأولى من نوعها في تاريخ إسرائيل، والتي تم تزويد الشاويش في الجيش الإسرائيلي بها ؟
وثمة سؤال يوجه الى سميح هنا : إذا كنت تعرف هذا عن إميل فلماذا كنت وإياه في الخندق نفسه لمدة عشرين عاما على الأقل، ولماذا كنت تدافع عنه وعن سياسته؟ ". ولا أريد، هنا، أن أدافع عن إميل، فما كتبه لا يختلف كثيرا عما كتبه القاسم. وإميل مثله مثل سميح يعتقد دائما أنه صاحب الموقف الصحيح، وأن مواقف غيره عبثية ومضللة. يكتب إميل رادا على دراسة فيصل دراج التي نشرها في مجلة "ابداع" (كانون ثان 1995) ردا ينشره في عدد آذار في المجلة نفسها في العام نفسه، ويختتمه بما يلي :
"ولكن لا أرى من حقه نفي أمرين أثبتهما التاريخ : أن موقفنا، موقفي، هو الصحيح، في حين أن التاريخ أثبت عبث مواقف معارضينا. وأنني لم أحد عن هذا الموقف منذ بدء حياتي الاجتماعية الواعية".
ولا يدري المرء إن كان ثمة موقف واحد لإميل حبيبي قضى عمره يدافع عنه. قد يكون له موقف معين من حل مشكلة الشعب الفلسطيني تبناه ودافع عنه، ولكنه لم يكن أبدا ذا موقف واحد من حكومات إسرائيل ذات التوجه الصهيوني، كما لم يكن له موقف واحد من الماركسية اللينينية، وخروجه من القفص الى عالم بلا أقفاص دليل على تغيير موقفه، ويأتي استلامه جائزة الدولة الإسرائيلية من شامير دليلا آخر على عدم ثباته، فهل كان إميل سيوافق على استلام هذه الجائزة في السبعينيات، وماذا كان سيقول فيمن سيستلمها؟ بل وماذا كان رأيه في أولئك الكتاب الذين نشروا على صفحات "المرصاد" و "الأنباء" و "اليوم" و "الشرق" ؟ وكان يمكن للمقالات التي كتبها في الستينيات، ورد عليها راشد حسين، أن تسعفنا في الإجابة، لولا صعوبة الحصول عليها الآن، وعلى مقالات الأخير أيضا.
وقد يكون إميل محقا في رأيه في مقالة فيصل دّراج من ناحية واحدة، هي أن دراج ركز على مواقفه السياسية أكثر من تركيزه على أعماله الأدبية وتحليلها، ولكن هذا الرأي ليس سوى تعبير عن التغير في نظرة إميل للأشياء، وعبارته التي اخذ يكررها في أواخر عمره "لا أستطيع أن احمل بطيختين في يد واحدة - أي الأدب والسياسة" تكررت على لسانه بعد ان تغير موقعه واصبح بعيدا عن الحزب وعن موقعه في جريدة "الاتحاد"، وما كان يوم كتب السداسية والمتشائل، وهما من أفضل ما كتب، لينطق بهذا الذي تفوه به بعد ميله لجناح التجديد في الحزب الشيوعي، وتركه له فيما بعد.
ويبدو إميل الذي كان يلح على أننا - أي العرب - بلا ذاكرة، أكثر الناس، في أيامه الأخيرة، فقدانا لها، أو تجاهلا لها. وإميل معروف بتغابيه لا بغبائه، وبتفريطه لا بافراطه (في الولاء للدولة)، وبشيوعيته (أحمر) لا بكونه حمارا. وسوف أقتبس من نصه "لكع بن لكع" (1980) رأيه في توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولويس عوض، رأيه الذي صدر عنه يوم كان شيوعيا ملتزما، وكان الحزب يرفض اتفاقية سيناء التي أنجزها السادات وأيدها بعض أدباء مصر، وعلى رأسهم الأسماء الآنفة الذكر. يرد في نص لكع ما يلي :
"بدور : وابدراه ! يا ولداه !
قم بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا نجيب محفوظ
يا مرتد الى أرذل العمر
الى ما بين القصرين ؟
المهرج: الى أين يرتد الذين إما أن يعيشوا وإما أن لا يعيشوا؟
بدور : غرد بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا توفيق الحكيم؟
أيها العصفور المقعد في مزبلة شرقية.
المهرج : الى أين ؟ الى أين؟
بدور : ازأر بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا لويس عوض؟ يا فيلسوف الخوف
ماذا تقول ؟
صوت : أقول إن نجيب محفوظ خائف. وهذا ليس رأيه
ولكنه كتوفيق الحكيم، يحمي نفسه من عدوان الدولة كي يمنحنا فنا جميلا".
وكلام الصوت هو كلام لويس عوض الذي كتبه في صحيفة السياسة الكويتية بتاريخ 4/3/1979. ويسخر المهرج (إميل) منه سخرية لاذعة. والطريف في الأمر أن إميل نفسه كان يحمي نفسه من عدوان الدولة في بداية تأسيسها، وذلك باللجوء الى صفة التغابي. ولا أعرف ان كان ثمة ناقد قبلي قد توصل الى أن سعيدا هو إميل حبيبي نفسه، وقد نشرت هذا في جريدة نابلس في آب 1995، وقد أقر إميل، في اللقاء الأخير الذي أجري معه ونشر في آيار 1996 في "دفاتر ثقافية" الصادرة عن وزارة الثقافة الفلسطينية، وأعيد نشره في مشارف (عدد 9، حزيران 1996) بأنه كان يكتب ، حين كتب المتشائل، عن نفسه. ومن حق الناقد أن يسأل إميل: كيف انتقدت لويس عوض ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وأنت تسلك السلوك ذاته منذ أمد طويل؟ ألم تفضل البقاء في حيفا حتى لو دفعت ثمنا باهظا؟
ولقد أثر تغيير الموقع على طبيعة كتابة إميل الأدبية، فحين كتب "خرافية سرايا بنت الغول" (1990) التفت الى الذات أكثر من التفاته الى الموضوع، وكانت الخرافية مغايرة
للمتشائل.
ما كتبه إميل عن عوض ومحفوظ والحكيم سرعان ما كتب عنه شخصيا يوم غير موقعه بتركه الحزب. وهنا يمكن الانتقال الى الحديث عن توفيق زياد.
ظل توفيق زياد، منذ بداية حياته السياسية ، مثله مثل معين بسيسو، وفيا لمبادئه التي اعتنقها وآمن بها. آمن بالحزب الشيوعي وكتب أدبا يلتزم بأبرز خصائص الأدب الشيوعي كما تنظر له الماركسية اللينينية: حزبية الأدب والأديب وشعبية الأدب. وليس هناك من منطلق لفهم أشعار زياد ودراستها أفضل من هذا المنطلق. كتب زياد أدبا واضحا وخاطب فيه الجماهير التي توجه اليها، وفي أدبه دافع عن مبادئه وأفكاره وانحاز، دوما، للمستغلين الفقراء، ولهذا غلبت على أشعاره الشعارية والايديولوجيا. ولم يتردد، يوم تخلى إميل عن الحزب وتركه، عن مهاجمته، على الرغم مما كان بينهما من صداقة. لقد فرض الموقع، لا الصداقة، الموقف، وهكذا هاجم زياد حبيبي هجوما عنيفا يذكرنا بالهجوم الذي شنه القاسم على درويش يوم هاجر الأخير، كما يذكرنا بعبارة إميل التي وردت في المتشائل : "ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه". كتب زياد في ديوانه الأخير "أنا من هذه المدينة" قصيدة عنوانها "الندابة" هاجم فيها إميل هجوما عنيفا، ومما ورد فيها :
إنني أكتب عما فعله المرتد والردة
عما فعل النرجس
في روح ابن آدم
كل ما سجلت .. جزء من حقيقة
وإذا أحوجنا الأمر سنأتي
بالتفاصيل الدقيقة.
وقراءة النص كله قراءة داخلية وربطها باسم كتاب إميل حبيبي "نحو عالم بلا أقفاص" تقول لنا إن المرتد هو إميل وأمثاله. وهكذا دارت الدائرة على إميل نفسه، وهاجمه، لتغيير موقعه، رفاق الأمس. ولكن السؤال الذي يظل مفتوحا هو : ما هي التفاصيل الدقيقة التي يعرفها زياد عن إميل؟ هل هي تلك التي أوردها سميح في مقالته المذكورة في هذا المقال؟ وهل كان إميل كما كتب عن نفسه في المتشائل؟ ونترك الأجوبة لمن يعرفونها، ولمن يمتلكون الوثائق!!!
وغالبا ما حكم على الأدباء الفلسطينيين ونصوصهم انطلاقا من القضية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي يتبناها هذا الناقد أو ذاك. ومن يقرأ كتاب د. فيصل دراج "بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية" (بيروت 1996) يلحظ أن مؤلفه من أبرز من طبقوا هذا المنهج. وعليه يقرأ المرء عن الكتّاب ومواقفهم السياسية اكثر مما يقرأ تحليلا أدبيا لنصوصهم، تحليلا يعتمد صاحبه فيه على مواصفات الجنس الأدبي الذي يندرج النص المدروس تحته، أعني تحليلا يبين رواية الرواية أو شاعرية القصيدة. وقد تنبه إميل حبيبي في رده على مقالة دّراج التي نشرها، أولا، في مجلة إبداع (كانون أول 1995) تحت عنوان "إميل حبيبي : الوجه المفقود في الأقنعة المتعددة" وأعاد نشرها في كتابه المذكور، تنبه حبيبي الى ذلك فكتب ردا يقول فيه: "فوجدته مثلما تحسبت منه وزيادة ، لا يناقش أعمالي الأدبية بقدر ما يتصدى لما يتخيله أنه مواقفي السياسية والأيديولوجية ولو اقتصر فيصل دراج في بحثه المستفيض هذا... على نقد أعمالي الأدبية ومواقفي السياسية والأيديولوجية .... لاكتفيت بترديد الآية الكريمة : "لكم دينكم ولي دين" (ابداع، آذار، 1995، ص9) ويتابع حبيبي : "إن فيصل دراج اثبت في "دراسته" هذه أنه ملم بحركاتي وبسكناتي إلماما يخول له - إن شاء - الحصول على لقب "الدكتوراة" في أعمالي السياسية لا في أعمالي الأدبية .. " (ص10).
وليس فيصل درّاج، وهو المتمكن من أدواته النقدية، أول ناقد أدبي يطبق هذا المنهج، ويحاكم أدباءنا انطلاقا منه، فقد سبقه الى ذلك الكثيرون نقادا وكتابا غير نقاد، وما كتبه عن حبيبي مثال جيد يستطيع المرء أن يستشهد به للتدليل على مقولة الماركسيين حول جدلية الموقع والموقف. وكان إميل، وما هو بناقد أدبي ولكنه قرأ الماركسية جيدا، يدرك مغزى هذه العبارة ويفهم معناها جيدا، وقد أوردها في نصه "المتشائل"، حين كتب عن تحول بطله سعيد الى هرة تموء، مشيرا في المكان نفسه الى المواقف العديدة التي اتخذها معارف سعيد بعد أن تغيرت الأمور:
"أما انت فتقمصت هرة. وأما هو فتقمص شاعرا. وكلاكما يهرب حتى يتنفس، ويختنق حتى لا يموت. ومنهم من احترف الأدب عجزا ، ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه. وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة، وآخرون بالفلسفة ..." (ص 102 من طبعة صلاح الدين، القدس 1977).
وكان إميل يقصد، حين قال "ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه" محمود درويش الذي ترك حيفا وغادر الى القاهرة فبيروت، وتغيرت، إثر ذلك، مواقفه السياسية. وقد اختلف موقف الشيوعيين منه، وغيروا آراءهم فيه، واعتبروه برجوازيا صغيرا، ولم يعودوا، لفترة طويلة، ينشرون نصوصه على صفحات صحفهم ومجلاتهم، أي في جريدة "الاتحاد" ومجلتي "الجديد" و "الغد".
وتقول لنا نظرة على خريطة الأدب الفلسطيني منذ عام 1948 أن العلاقة بين الأدباء ونظرتهم الى بعضهم البعض وقراءتهم لنصوصهم والحكم عليها، غالبا ما كانت محكومة بالموقع الذي يختاره المرء لنفسه، لأن مصلحته تقتضي وجوده في ذلك الموقع. وليس غريبا أن يقرأ المرء تثمينا لأديب ما، في مرحلة معينة، ويقرأ، في فترى لاحقة، انتقاصا لأدبه ولمواقفه. ويذهب المرء الى ما هو أبعد من ذلك، وهذا ما سيتضح من خلال هذه الكتابة، فيرى ان بعض الأدباء قد اقتطعوا أجزاء من جسدهم الشعري حين تغيرت مواقعهم وفرضت عليهم المواقع الجديدة مواقف جديدة.
ولتوضيح ذلك لابد من إشارات يبدو ذكرها، من غير طرف، أمرا غير مرغوب فيه. وإن كانت الأمانة العلمية تقتضي ذكرها والإشارة اليها. وليس ذكرها حبا في التشهير أو ناجما عن رغبة في إذكاء الفتنة.
وكان يمكن لهذه الإشارات أن تكون أكثر دقة لو استطاع المرء أن يقرأ الأدبيات التي كتبها أدباؤنا مكتملة، وهي أدبيات مبعثرة تتوزعها أماكن عديدة، لا يتمكن الباحث المقيم هنا، في الأرض المحتلة، العثور عليها بسهولة. وقد أسقط بعض الأدباء من طبعة أعمالهم التي وصفوها بأنها "الأعمال الكاملة" نصوصا نشروها في فترات معينة لأنهم لا يرغبون في إظهارها حتى لا يؤاخذوا عليها، وحتى لا تستغل ضدهم لابراز تقلباتهم وتناقضاتهم، أو حتى لا تكون دليلا على اختلاف مواقفهم باختلاف مواقعهم.
ويبدو أدباء مناطق عام 1948 مثالا جيدا للاستشهاد به في هذا المجال، البارزون منهم وغير المعروفين إلا على صعيد محلي، اليساريون في مرحلة من حياتهم وغير اليساريين. ومن يتتبع مسيرة إميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم ومصطفى مرار ومحمد على طه يلحظ، بوضوح، كيف أثر الموقع الذي وجدوا أنفسهم فيه على طريقة كتابتهم. ويختلف عن هؤلاء أولئك الذين مكثوا في الموقع الذي اختاروه لأنفسهم منذ البداية واقتنعوا بالموقف الذي تبنوه، بناء على ذلك، حتى النهاية ، ويعتبر توفيق زياد خير مثال.
درس غسان كنفاني في كتابية "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة بين 48 و 1966" و "الأدب الفلسطيني المقاوم بين عامي 48 و 1968" الأدباء الذين رأى في نصوصهم نصوصا تبرز فيها روح المقاومة، واستبعد أولئك الذين لم تبرز هذه الروح في نصوصهم. ولا يستطيع أي شخص ان يلوم كنفاني في هذا، فقد اختار لنفسه، ابتداء ، عنوانا محددا أراد أن يكتب فيه والتزم به. ولا يخرج، بناء على هذا، لا يخرج قارئ كتابه بتصور شامل عن الحركة الأدبية في تلك المناطق - أي مناطق عام 1948 - ، وعليه لا يقرأ نصوصا لأدباء آثروا كتابة قصائد او قصص ابتعدت عن روح المقاومة، وركزت في المقام الأول على هموم ذاتية لا صلة لها بالمحيط العام الذي نما فيه صاحبها.
وتعكس كتابة كنفاني المقولة المختارة عنوانا لهذه الكتابة وتوضحها، وإن لم يناقشها بوضوح. وليس هناك من شك في أن موقع كنفاني الذي وجد نفسه فيه هو الذي فرض عليه موقفه، فكتب عن ظاهرة أدباء المقاومة ولم يلتفت الى الكتاب الآخرين، وهو الذي دفعه لأن يكتب في العنوان الذي اختاره، لا عن الحركة الأدبية بشكل عام. وسيرى المرء نقيض ذلك حين يطلع على دراسة محمود عباسي عن الحركة القصصية في فلسطين، إذ درس عباسي، وهو الأكاديمي من ناحية والمقر بدولة إسرائيل من ناحية ثانية وغير الرافض للعمل في مؤسساتها من ناحية ثالثة، درس كتاب القصة كلهم، الذين كتبوا نصوص مقاومة والذين كتبوا نصوصا ركزوا فيها على أبعاد اجتماعية او ذاتية، أبعاد لا تمس الواقع السياسي من قريب او بعيد أو لم يصدر أصحابها فيها عن رؤية سياسية تدعو الى مقاومة الواقع والثورة عليه.
صدرت في مناطق عام 1948 صحف ومجلات وقفت وراء إصدارها جهات مختلفة ذات توجهات سياسية وفكرية متباينة. أصدر الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) ، وهو الذي أقر بحقوق الشعب الفلسطيني واعتبر الصهيونية، الى حين، حركة عنصرية، أصدر العديد من الصحف والمجلات ، وقد ورد ذكر أسمائها. واصدرت الأحزاب الصهيونية الحاكمة وغير الحاكمة، ولم تكن تعترف بالشعب الفلسطيني، صحفها ومجلاتها وهي "الشرق" و "الأنباء" و "اليوم" وغيرها. وقد اختلف الكتاب فيما بينهم اختلافا كبيرا انعكس على خطابهم الأدبي والسياسي من ناحية، وعلى علاقاتهم الشخصية من ناحية ثانية. وقد رأي الأدباء الشيوعيون في أنفسهم أدباء الشعب، وعزز كنفاني هذا، ونظروا الى من يكتب في غير صحفهم على انه أديب سلطة .
وما من شك ان المرء، وهو يقرأ نصوص هؤلاء وأولئك ، سيجد اختلافا بينا في تناول الموضوع نفسه. ولو ضربنا مثلا على ذلك تلك القصص التي تناولت موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي، للاحظنا صدق ما ذهبنا اليه. لقد اختلف الكتاب في تحميل المسؤولية لما آلت اليه الأوضاع، فالذين نشروا في "الشرق" أو صدرت كتبهم عن دور نشر تابعة للأحزاب الصهيونية ألقوا بالمسؤولية على الإنجليز، واختلف كتاب الحزب الشيوعي عن هؤلاء، وإن لم يبرؤوا الإنجليز، فأشاروا الى الحركة الصهيونية ودورها. ويمكن قول الشيء نفسه فيما يخص تحديد موقفهم من رجال السلطة.
وسوف يتوصل المرء، حين يتتبع نتاج كاتب واحد نشر في غير مكان، الى الشيء نفسه. ويعتبر سميح القاسم ومحمد على طه ومصطفى مرار أمثلة جيدة. تختلف مجموعة محمد علي طه "لكي تشرق الشمس" (1964) اختلافا بينا عن مجموعته "جسر على النهر الحزين" (1973) ، وما نشره مصطفى مرار بعد أن ترك وظيفة المعلم في جهاز السلطة يختلف عما نشره من قبل، ولقد آخذ ينشر في صحف الحزب الشيوعي "راكاح" وهذا ما لم يفعله من قبل. وسنأتي على ذكر سميح القاسم، بعد قليل، بتفصيل اكثر. ولا يختلف عطا الله منصور في روايته "وبقيت سميرة" (1962) عن مرار في كتاباته الأولى .
عاش عطا الله منصور، في فترة من حياته، في كيبوتس وعمل مراسلا لجريدة إسرائيلية تصدر بالعبرية، وانحاز، وكان يومها شابا، الى حياة اليهود دون أن يلتفت الى مسؤولياتهم فيما آلت اليه أوضاع الفلسطينيين. لقد فرض الموقع الذي وجد نفسه فيه مختارا عليه هذا الموقف. وما من شك ان وضع النقاط على الحروف وقول الحقيقة كاملة سوف يحول بينه وبين الاستمرار في الوظيفة او التعليم في الكيبوتس. ولقد رأى الظاهر فقط، رآه بعين شاب مقبل على الحياة غير عابئ الا بمصلحته الخاصة. لقد رأى في المجتمع العربي مجتمعا متخلفا وفي المجتمع الإسرائيلي مجتمعا حضاريا، ولم يأخذ الكتاب الشيوعيون الذين يحكمون على الأمور من منظور مخالف يعتمد المعايير السياسية والاقتصادية والفكرية والتاريخية بهذا الذي أخذ به عطا الله. وجاءت رؤية محمود درويش في قصيدته "بطاقة هوية" مختلفة كليا عن رؤية منصور.
نقرأ في رواية عطا الله الفقرات التالية على لسان السارد أو الشخوص:
"إنهم من الرجال والنساء...وعلاقتهم ببعضهم بعضا تثير في سميرة عواطف متضاربة. إنها تشعر بالحسد، وأخرى بالاستغراب. إنها تحسدهم على العلاقات الأخوية التي تربطهم ..." وتقول سارة لسميرة:
"لما صاروا أهلنا يفهموا إنه البنت مش أوطى من الابن، وصاروا يسمحوا للبنات يتعلموا ويشتغلوا. فاهمة؟ .. وهاي قصة طويلة، مش قصة يوم ويومين".
يبدو المجتمع الإسرائيلي في الرواية مجتمعا منفتحا وحضاريا، مجتمعا يحترم الأفراد فيه بعضهم البعض ويعملون لصالح الجميع، وهو بذلك يغاير المجتمع العربي ويخالفه. ولم يأت عطا الله، في المقابل، على ذكر ما ألم بالمجتمع الفلسطيني من بؤس وشقاء وتعاسة نتيجة لقيام الكيبوتس الذي يحيا أبناؤه حياة جيدة، ولم يشر الى مسؤولية الحركة الصهيونية في تعاسة أهل فلسطين، ولم يوضح ما ألم بمن تبقى منهم، أو يذكر كيف انهم يعاملون من اليهود الحضاريين معاملة مواطن من الدرجة الثالثة . وهو ما أوضحه محمود درويش :
أبي ... من أسرة المحراث
لا من سادة نجب
وجدي كان فلاحا
بلا حسب .. ولا نسب
يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب
وبيتي كوخ ناطور
من الأعواد والقصب
فهل ترضيك منزلتي ؟
وإذا ما فحصنا المقولة، واقفين عند أشعار درويش نفسه، فسنجد انها تجد فيه ما يؤكد على صحتها. لقد تغيرت مواقف درويش ، الى حد ما، بعد أن غير موقعه. وهذا ما لاحظه إميل حبيبي، وإن كان لم يوضحه. كان محمود قبل الخروج يرى في العالم العربي الضوء الذي يتسلل الى السجين من كوة الزنزانة، وفي العالم العربي رأى حريته في زنزانته. كان في الداخل يخاطب موظف وزارة الداخلية الصهيوني :
سجل !
أنا عربي
ورقم بطاقتي خمسون آلفا
وأطفالي ثمانية
وتاسعهم سيأتي بعد صيف
فهل تغضب؟
ورأى العالم العربي، وهو في مدنه، أضيق من توابيت الرجوع، كما رأى في العرب عربا باعوا روحهم وضاعوا. وما أورده في قصيدته التي رثى فيها راشد حسين "كان ما سوف يكون":
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة :
ليتني كنت طليقا في سجون الناصرة.
تعبير صادق عن حالته هو، وقد كتب درويش هذا، ذات نهار، في إحدى رسائله التي نشرها على صفحات "اليوم السابع" وفيها كتب صارخا: بدي أعود".
ولقد أجري الشاعر نفسه بعض التغييرات على قصائده، وقاده الى هذا الموقع الذي أصبح فيه، وقد بينت هذا في دراستين نشرت الأولى منهما، وهي بعنوان "ظواهر سلبية في مسيرة محمود درويش الشعرية"، وأنجزت الثانية، وهي بعنوان "إشكالية الشاعر والسياسي في الأدب الفلسطيني: محمود درويش نموذجا" ولما أنشرها بعد.
وأشير هنا، أيضا، الى ان درويش لم يصدر، حتى ألان، خطب الدكتاتور الموزونة التي نشرها في عام 1986 على صفحات "اليوم السابع"، في كتاب. ولعل السبب في ذلك يعود الى أنه سار والمرحلة التي كان يسخر من الرموز التي مهدت اليها. ولئن كان الشاعر محقا في اعتراضه على أولئك الذين نشروا من جديد "خطاب السلام" لأنهم لم يشيروا الى زمن كتابته وزمن نشره أول مرة، وفهموه، من ثم، كما لو أنه كتب بعد أوسلو، فانه ليس محقا في عدم نشر خطبة هذه في كتاب (انظر : جريدة النهار المقدسية 26/1/1994).
ثمة ثلاثة كتاب يجدر بالمرء الوقوف عندهم في أثناء الكتابة عن صدور الموقف عن الموقع وهم سميح القاسم وإميل حبيبي وتوفيق زياد .
لا يدري المرء كيف سيكون جواب سميح لو سأله سائل السؤال التالي : بم تختلف، الآن، عن أولئك الكتاب الذين كنت تنعتهم، ذات نهار، بأنهم أدباء سلطة، وتحديدا عن محمود عباسي ومصطفى مرار اللذين نشرا ما كتبا في الصحف التي كانت تصدرها أحزاب صهيونية؟
ويفضل المرء أن يترك سميحا نفسه يجيب، فما من شك أنه قادر على ذلك ولديه ما يقوله في هذا المجال. ولكن المرء، وهو يطالع المجلدات السبعة التي ضمت أعمال الشاعر غير الكاملة - وأذهب هنا مذهبا آخر غير المذهب الذي ذهب اليه سميح أو الناشر حين كتب على الغلاف الأخير بأنها "أعمال سميح القاسم الكاملة - سوف يدرك أن ذلك الفارق الذي كان يلمح اليه بين أدباء وأدباء في الداخل - أي بين أدباء مقاومة وأدباء سلطة- قد تضاءل الى حد كبير. لقد أسهم أدباء المقاومة، إلا أقلهم، بإزالته ، وتكمن المفارقة في أنهم لم يجعلوا من أدباء السلطة أدباء مقاومة، قدر ما اقتربوا هم من مواقف أدباء السلطة. وهكذا لم يتراجع أدباء السلطة عن مواقفهم التي أعلنوها في نصوصهم، قدر تراجع أدباء المقاومة.
سوف يلحظ قارئ أعمال سميح القاسم الكاملة أنها غير كاملة، فقد حذف سميح قصائد وعبارات حتى لا يوقع نفسه، أمام قارئ مدقق، في حيص بيص، وحتى لا يقف هذه المرة عاجزا عن الإجابة المقنعة للسؤال المربك الذي سيوجهه اليه قارئ نصوصه. ولأنني لا أرغب في التكرار فسأحيل القارئ الى ما كتبته في كتابي "تأملات في المشهد الثقافي الفلسطيني" (نابلس 1995) تحت عنوان "والدكتاتور فينا أيضا: الى سميح القاسم" (ص 25 وما بعدها) ، وقد ذكرت هناك ثلاثة مواطن حذف الشاعر فيها مقاطع من أشعاره تارة، ولم يدرج بعض القصائد طورا، وقد أوضحت سبب لجوئه الى هذا. ولكنني سوف أدرج هنا مقاطع من القصيدة التي لم يدرجها الشاعر في طبعة أعماله الكاملة (؟) لأنها لم تعد تتساير وموقفه الجديد الذي يفرضه عليه موقعه رئيسا لتحرير جريدة "كل العرب" الأسبوعية ذات الصلة بجريدة (يديعوت أحرنوت) العبرية، وقد تصدرت ذات نهار، عبارة "سلام الشجعان" الصفحة الأولى، لجريدة "كل العرب". يقول سميح في القصيدة التي حذفها وعنوانها "السلام":
ليغن غيري للسلام
ليغن غيري للصداقة، للأخوة، للوئام
ليغن غيري .. للغراب
جذلان ينعق بين أبياتي الخراب
للبوم .. في أنقاض أبراج الحمام!
ليغن غيري للسلام
وسنابلي في الحقل تجهش بالحنين
للنورج المعبود يمنحها الخلود من الغناء
لصدى أغاني الحاصدين
لحداء راع في السفوح
يحكي الى عنزاته .. عن حبه الخفر الطموح
وعيونها السوداء .. والقد المليح
....................
....................
ليغن غيري للسلام
وهناك .. خلف حواجز الأسلاك .. في قلب الظلام
جثمت مدائن من خيام
سكانها ...
مستوطنات الحزن والحمى، وسل الذكريات
وهناك .. تنطفئ الحياة
في ناسنا ..
في أبرياء .. لم يسيئوا للحياة !
وهنا .. !
همت بيارة من خلقهم .. خيرا كثير
أجدادهم غرسوا لهم ...
ولغيرهم ، يا حسرتي، الخير الكثير
ولهم من الميراث أحزان السنين !
فليشبع المتضورون !
ويشبع الأيتام من فضلات مأدبة اللئام !!
***
ليغن غيري للسلام ..
وعلى ربي وطني، وفي وديانه.. قتل السلام ؟
(الأسطر الثمانية الأخيرة من هذه القصيدة محذوفة
بالشكل التالي :
× × × × ×)
ويشير أيضا الى أن "الأسطر الثمانية الأخيرة من القصيدة أيضا محذوفة بإشارة الرقيب الصهيوني. وهكذا قام سميح، بعد ثلاثين عاما، بما كان الرقيب الصهيوني يقوم به، من قبل. وليست القصيدة هذه هي الأسوأ من بين قصائد الشاعر، حتى يحذفها. وإنما فعل سميح هذا لتغير موقعه، تماما كما حذف، يوم ترك الحزب ومال الى جناح التجديد، العديد من القصائد التي نظمها في مديح الحزب ولينين.
لقد وجب على سميح القاسم، ما دام كتب على الغلاف "الأعمال الكاملة"، أن يدرج أعماله كلها، حتى يكون أمينا من جهة، وحتى لا يخدع دارسي نصوصه من جهة ثانية، تاركا للقارئ، والناقد الحرية بإصدار حكمه على مسيرته وأعماله كلها، لا على أجزاء منها وكأنها الأعمال الكاملة. لقد ضلل سميح نفسه وضلل قراءة ونقاده، لا لسبب إلا لكي ينجو بجلده من أحكام " لن تكون، حين يُدْرَس دراسة تعتمد المنهج التاريخي او الماركسي، في صالحه.
وليست هذه هي الجناية التي ارتكبها سميح. ثمة جنايات أخرى لا تقل عنها سوء. كتب سميح مقالة في جريدة "كل العرب" (16/7/1993) تحت عنوان "في التعريف بما هو معروف"، وتعتبر سبة لا في إميل حبيبي الذي وجهت اليه المقالة وكتبت فيه، وإنما لسميح نفسه.
كانت جريدة "الاتحاد" الصادرة عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الموقع الذي تمترس فيه القاسم وحبيبي، وقد أعلنا، منذ سنوات طويلة، انتماءها للحزب ودافعا عن أطروحاته، وردا على مهاجمي سياسته ورؤاه ردا عنيفا. وكانا ينطلقان من منطلق أن سياسة الحزب وأفكاره هي الصح المطلق. وقد انعكس هذا في نص سميح "الصورة الأخيرة في الألبوم" (1979)، وفي نص إميل "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974)، وعندما تركا الحزب لم يعودا ينشران، إلا قليلا، في جريدة الاتحاد، وقد ذهب كل واحد منهما في طريق، ونهج كل منهما منهجا مغايرا للمنهج الذي سلكه الآخر، وسرعان ما اختلفا اختلافا أدى الى تصادمهما، ونجم عنه كتابة سميح المقالة الوارد ذكرها، وهي مقالة ذكر سميح فيها إميل بمعلومات يشير أبسطها الى أن الأخير كان، منذ أمد طويل، يعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية . ولأقتبس :
"ألم يقرأ إميل مذكرات معلمه "الشيوعي" الصهيوني العريق صموئيل ميكونس بشأن رحلتهما "التاريخية" الى براغ؟ وماذا بشأن صفقة السلاح التشيكي الأولى من نوعها في تاريخ إسرائيل، والتي تم تزويد الشاويش في الجيش الإسرائيلي بها ؟
وثمة سؤال يوجه الى سميح هنا : إذا كنت تعرف هذا عن إميل فلماذا كنت وإياه في الخندق نفسه لمدة عشرين عاما على الأقل، ولماذا كنت تدافع عنه وعن سياسته؟ ". ولا أريد، هنا، أن أدافع عن إميل، فما كتبه لا يختلف كثيرا عما كتبه القاسم. وإميل مثله مثل سميح يعتقد دائما أنه صاحب الموقف الصحيح، وأن مواقف غيره عبثية ومضللة. يكتب إميل رادا على دراسة فيصل دراج التي نشرها في مجلة "ابداع" (كانون ثان 1995) ردا ينشره في عدد آذار في المجلة نفسها في العام نفسه، ويختتمه بما يلي :
"ولكن لا أرى من حقه نفي أمرين أثبتهما التاريخ : أن موقفنا، موقفي، هو الصحيح، في حين أن التاريخ أثبت عبث مواقف معارضينا. وأنني لم أحد عن هذا الموقف منذ بدء حياتي الاجتماعية الواعية".
ولا يدري المرء إن كان ثمة موقف واحد لإميل حبيبي قضى عمره يدافع عنه. قد يكون له موقف معين من حل مشكلة الشعب الفلسطيني تبناه ودافع عنه، ولكنه لم يكن أبدا ذا موقف واحد من حكومات إسرائيل ذات التوجه الصهيوني، كما لم يكن له موقف واحد من الماركسية اللينينية، وخروجه من القفص الى عالم بلا أقفاص دليل على تغيير موقفه، ويأتي استلامه جائزة الدولة الإسرائيلية من شامير دليلا آخر على عدم ثباته، فهل كان إميل سيوافق على استلام هذه الجائزة في السبعينيات، وماذا كان سيقول فيمن سيستلمها؟ بل وماذا كان رأيه في أولئك الكتاب الذين نشروا على صفحات "المرصاد" و "الأنباء" و "اليوم" و "الشرق" ؟ وكان يمكن للمقالات التي كتبها في الستينيات، ورد عليها راشد حسين، أن تسعفنا في الإجابة، لولا صعوبة الحصول عليها الآن، وعلى مقالات الأخير أيضا.
وقد يكون إميل محقا في رأيه في مقالة فيصل دّراج من ناحية واحدة، هي أن دراج ركز على مواقفه السياسية أكثر من تركيزه على أعماله الأدبية وتحليلها، ولكن هذا الرأي ليس سوى تعبير عن التغير في نظرة إميل للأشياء، وعبارته التي اخذ يكررها في أواخر عمره "لا أستطيع أن احمل بطيختين في يد واحدة - أي الأدب والسياسة" تكررت على لسانه بعد ان تغير موقعه واصبح بعيدا عن الحزب وعن موقعه في جريدة "الاتحاد"، وما كان يوم كتب السداسية والمتشائل، وهما من أفضل ما كتب، لينطق بهذا الذي تفوه به بعد ميله لجناح التجديد في الحزب الشيوعي، وتركه له فيما بعد.
ويبدو إميل الذي كان يلح على أننا - أي العرب - بلا ذاكرة، أكثر الناس، في أيامه الأخيرة، فقدانا لها، أو تجاهلا لها. وإميل معروف بتغابيه لا بغبائه، وبتفريطه لا بافراطه (في الولاء للدولة)، وبشيوعيته (أحمر) لا بكونه حمارا. وسوف أقتبس من نصه "لكع بن لكع" (1980) رأيه في توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولويس عوض، رأيه الذي صدر عنه يوم كان شيوعيا ملتزما، وكان الحزب يرفض اتفاقية سيناء التي أنجزها السادات وأيدها بعض أدباء مصر، وعلى رأسهم الأسماء الآنفة الذكر. يرد في نص لكع ما يلي :
"بدور : وابدراه ! يا ولداه !
قم بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا نجيب محفوظ
يا مرتد الى أرذل العمر
الى ما بين القصرين ؟
المهرج: الى أين يرتد الذين إما أن يعيشوا وإما أن لا يعيشوا؟
بدور : غرد بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا توفيق الحكيم؟
أيها العصفور المقعد في مزبلة شرقية.
المهرج : الى أين ؟ الى أين؟
بدور : ازأر بدر
اطلع بدرا
انطق صخرا
حرك ضميرا
أتسمعه يا لويس عوض؟ يا فيلسوف الخوف
ماذا تقول ؟
صوت : أقول إن نجيب محفوظ خائف. وهذا ليس رأيه
ولكنه كتوفيق الحكيم، يحمي نفسه من عدوان الدولة كي يمنحنا فنا جميلا".
وكلام الصوت هو كلام لويس عوض الذي كتبه في صحيفة السياسة الكويتية بتاريخ 4/3/1979. ويسخر المهرج (إميل) منه سخرية لاذعة. والطريف في الأمر أن إميل نفسه كان يحمي نفسه من عدوان الدولة في بداية تأسيسها، وذلك باللجوء الى صفة التغابي. ولا أعرف ان كان ثمة ناقد قبلي قد توصل الى أن سعيدا هو إميل حبيبي نفسه، وقد نشرت هذا في جريدة نابلس في آب 1995، وقد أقر إميل، في اللقاء الأخير الذي أجري معه ونشر في آيار 1996 في "دفاتر ثقافية" الصادرة عن وزارة الثقافة الفلسطينية، وأعيد نشره في مشارف (عدد 9، حزيران 1996) بأنه كان يكتب ، حين كتب المتشائل، عن نفسه. ومن حق الناقد أن يسأل إميل: كيف انتقدت لويس عوض ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وأنت تسلك السلوك ذاته منذ أمد طويل؟ ألم تفضل البقاء في حيفا حتى لو دفعت ثمنا باهظا؟
ولقد أثر تغيير الموقع على طبيعة كتابة إميل الأدبية، فحين كتب "خرافية سرايا بنت الغول" (1990) التفت الى الذات أكثر من التفاته الى الموضوع، وكانت الخرافية مغايرة
للمتشائل.
ما كتبه إميل عن عوض ومحفوظ والحكيم سرعان ما كتب عنه شخصيا يوم غير موقعه بتركه الحزب. وهنا يمكن الانتقال الى الحديث عن توفيق زياد.
ظل توفيق زياد، منذ بداية حياته السياسية ، مثله مثل معين بسيسو، وفيا لمبادئه التي اعتنقها وآمن بها. آمن بالحزب الشيوعي وكتب أدبا يلتزم بأبرز خصائص الأدب الشيوعي كما تنظر له الماركسية اللينينية: حزبية الأدب والأديب وشعبية الأدب. وليس هناك من منطلق لفهم أشعار زياد ودراستها أفضل من هذا المنطلق. كتب زياد أدبا واضحا وخاطب فيه الجماهير التي توجه اليها، وفي أدبه دافع عن مبادئه وأفكاره وانحاز، دوما، للمستغلين الفقراء، ولهذا غلبت على أشعاره الشعارية والايديولوجيا. ولم يتردد، يوم تخلى إميل عن الحزب وتركه، عن مهاجمته، على الرغم مما كان بينهما من صداقة. لقد فرض الموقع، لا الصداقة، الموقف، وهكذا هاجم زياد حبيبي هجوما عنيفا يذكرنا بالهجوم الذي شنه القاسم على درويش يوم هاجر الأخير، كما يذكرنا بعبارة إميل التي وردت في المتشائل : "ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه". كتب زياد في ديوانه الأخير "أنا من هذه المدينة" قصيدة عنوانها "الندابة" هاجم فيها إميل هجوما عنيفا، ومما ورد فيها :
إنني أكتب عما فعله المرتد والردة
عما فعل النرجس
في روح ابن آدم
كل ما سجلت .. جزء من حقيقة
وإذا أحوجنا الأمر سنأتي
بالتفاصيل الدقيقة.
وقراءة النص كله قراءة داخلية وربطها باسم كتاب إميل حبيبي "نحو عالم بلا أقفاص" تقول لنا إن المرتد هو إميل وأمثاله. وهكذا دارت الدائرة على إميل نفسه، وهاجمه، لتغيير موقعه، رفاق الأمس. ولكن السؤال الذي يظل مفتوحا هو : ما هي التفاصيل الدقيقة التي يعرفها زياد عن إميل؟ هل هي تلك التي أوردها سميح في مقالته المذكورة في هذا المقال؟ وهل كان إميل كما كتب عن نفسه في المتشائل؟ ونترك الأجوبة لمن يعرفونها، ولمن يمتلكون الوثائق!!!