علي أنوزلا - "مديح الورق"

في عددها الأخير، اختارت جريدة لوموند ديبلوماتيك، المعروفة برصانتها وبعدها عن ضجيج اليومي، أن تسبح عكس التيار عندما نشرت مقالًا لافتًا بعنوان "مديح الورق" (Éloge du papier)، لا ليبكي على أطلال الماضي، بل ليدافع بشجاعة وهدوء عن الورق بوصفه فعل مقاومة في زمن الشاشات.
ليس المقال حنينًا رومانسيًا إلى رائحة الحبر، ولا مرافعة ضد التكنولوجيا في حد ذاتها، بقدمر ما هو نصّ عميق، مكتوب بعناية، يضع إصبعه على جرح عصرنا أي" حرب الانتباه" التي نخوضها يوميًا دون أن نعلنها، ودون أن نربحها، نقرأ كثيرًا على هواتفنا، لكننا نادرًا ما نفهم، نمسح النصوص بأعيننا، نتوقف عند العناوين والصور، ثم نغادر قبل الوصول إلى الفكرة.
يذكّرنا المقال بأن القراءة الورقية ليست مجرد عادة ثقافية، بل تجربة ذهنية كاملة، فهم أعمق، ذاكرة أكثر رسوخًا، وقدرة أكبر على الربط والتفكير. وليست صدفة، كما يقول كاتبا المقال، أن تُظهر أبحاث تربوية عديدة أن النصوص المعقّدة تُستوعَب أفضل حين تُقرأ على الورق، وليس غريبا أن تبدأ دول رائدة في الرقمنة، مثل السويد، في التراجع عن الشاشات داخل المدارس والعودة إلى الكتب والدفاتر.
ما لفت انتباهي أكثر في المقال، وهو الأكثر إزعاجًا في النص، وربما الأصدق، هو تشريحه لعلاقة الصحافة بالخوارزميات، وكيف تحوّلت الأخبار من سؤال: ما المهم؟ إلى سؤال: ما الذي يُنقر عليه أكثر؟ أي ما الذي يطلبه الجمهور؟ وكيف استُبدلت المعايير التحريرية بمؤشرات التفاعل بدل معيار القيمة والمصداقية، وكيف تحوّلت غرف الأخبار إلى مطابخ "محتوى" تُطعم المنصات أكثر مما تُغذّي العقول!
ربما نحن، في المغرب، أحوج ما نكون إلى هذا النوع من المقاومة الهادئة… قبل أن نصبح جميعًا مجرّد عناوين عابرة في خوارزمية لا ذاكرة لها. يكفي أن ننظر إلى "صحافتنا"، منصات تُغرق الفضاء العام بالتفاهة، بالعناوين الصادمة، بالفضائح الفارغة، وبـ“الترند” بوصفه معيارًا وحيدًا للقيمة. صحافة تخلّت عن السؤال والبحث، لتلهث خلف النقرات والمشاهدات، صحافة تشتت الانتباه بدل أن تبني الوعي.
اختيار القراءة على الشاشة أو الورق ليس اختيارا تقنيا، بل هو اختيار ثقافي، وربما موقف أخلاقي أيضًا، إنه اختيار البطء في عالم يريدنا مستعجلين، واختيار الفهم في زمن يكافئ التسطيح، واختيار أن تكون قارئا وليس“مستخدما” أو"مستهلكا".
مديح الورق، كما تقترحه لوموند ديبلوماتيك، ليس دفاعًا عن الماضي، بل عن إنسان المستقبل، إنسان لا يُختزل في زمن مشاهدة، ولا في معدل تفاعل، ولا في نقرة عابرة… بل في قدرة نادرة على الجلوس، وفتح جريدة أوكتاب، والقراءة بهدوء وتأمل وحتى النهاية.. هو في العمق نقد لإعلام التفاهة، ودفاع عن صحافة تُقرأ لا تُستهلك، وعن قارئ يعي فِعل "إقرأ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...